محطات من سيرتي الذاتية :★

                                 الشهادة الابتدائية.                           
كنت استظل بشجرة رمان  تتوسط بهو البيت ،متظاهرا  بالنوم ونفسي منقبضة،  لأني أترقب أخبارا ليست جيدة بالمرة. جدتي تهيء طعام الغذاء تحسبا لوصول ابي من السوق الاسبوعي .في العادة كنت أرافقه  واستمتع ب( سفنجة) كبيرة او مشروباغازيا باردا ،لكن هذه المرة تقاعست لاني متوجس بانه يوم نحس.جدتي تناديني:" هل انت اصم ؟ قم،أبوك وصل""
  فتحت الباب وانحنيت على يده اقبلها ،لكنه دفعني بعنف:" انت بنادم انت. ؟ هذا الحمار احسن منك ،سمعتني ؟"" بدات العبرات تخنقني وتنفسي يتقطع ،:" ماذا فعلت ،؟ ،" وقبل ان يجيب وصلت جدتي مرحبة به،:" على سلامتك .هذا راس البغل أش عمل ؟_ ""
   انشغل عني بالصلاة وانا منتح ركنا أدعو فيه الله :" ياربي ينسى ياربي"" رفضت الأكل بحجة أني مظلوم ولكنه لم تنطل عليه هذه الحيلة..لما انتهى إستل حزامه الجلدي وأخذ يطعمني بيده و هو يردد:"" شحال من مرة كنقول ليك حفظ دروسك،وانت مقابل اللعب،اللعب،هاانت سقطت. مابغيتي تقرا ؟" اجبت منتحبا:"" بغيت أبا بغيت" ويقاطعني:"" لا ،لا مابغيتيش، انت بغيت تبقى في البادية بحال بوك تحرث وتسقي الزرع وتحصد و.و.و."" وكان يتكلم ويده اليمنى تعزف موسيقى صاخبة على ظهري وحيثما اتفق ، بينما تكلفت انا بالغناء.وكلما فتحت فمي أكثر كلما تسارع إيقاع عزفه وهو يردد:"" هرنط كالحمار ،زيد ،زيد بغيت الشوهة." لولا تدخل جدتي لربما ارتكب في جريمة.
  لم اكن اعرف أن النجاح في الشهادة الابتدائية مهم إلى هذه الدرجة ،بل وأكثر.تغيرت معاملته معي تغيرا جذريا.ومن طرائفه  التي برر بها عنفه ضدي هو انه كان يتمنى ان اصبح دركيا او ممرضا ولكني مستهتر ،اغلب رفاقي نجح  وانتقل إلى الثانوي وسيصبحون رجال درك أوممرضين .بعد ايام بدات أنسى تلك الوجبة الدسمة وبدات اعود إلى تصرفاتي الطفولية ،لكنه هو لم ينس أبدا ،أبدا .
  صادف أن  استاجر معلم بناء لبناء غرفة علوية، أمرني ان اكون مساعده : أخلط  التراب بالماء ثم اضيف التبن لأحصل على " المرطوب" و أضعه في سطل وأمده للمعلم،وفي انتظار ان يعيد لي  السطل فارغا علي ان اهيئ  الطوب و الاحجار،وهكذا طول النهار ولمدة أسبوع كامل .ولما يحين وقت الطعام أغتسل وأجلس قرب المعلم طلبا للراحة. وماهي إلا لحظات حتى يقف أبي يرمقني بنظرات شزراء:"" تبارك الله على الساقط.تعبت؟ "" وباسلوب تهكمي :"" تبارك الله وليت جدارمي او فرملي باش تجلس في الظل،قف ياالله" ويتغير لون عينيه  ويشحب وجهه:"" اسمع هاد العام ماعندك عطلة. العطلة عند اللي نجح،انت العام كامل وانت كتلعب،ودابا عليك بالعمل،و..و.وو"" .لم أعد اسمعه. فوقفت :" انت ستقدم لنا الطعام وستاكل بعدنا إن بقي شيء، ماذا قلت؟"" وماذا يمكنني قوله؟ 
  بعد اشغال البناء جاءت أشغال الحصاد.اشترى لي منجلا وقطعة من البلاستيك تقي  صدر الحصاد من الاشواك وكذلك القصبات وهي عبارة عن قصبتينن تكونان  بحجم الاصبعين :   السبابة والوسطى تفتحان من الوسط ويدخل فيهما  الحصاد اصبعيه لتقيهما من ضربة منجل. وكلما أحسست بالعياء أجده فوق راسي يرعد ويزبد بنفس الاسطوانة.  ثم عملية جمع الحصيد في البيدر   وبعده عملية الدراس وهي لاتقل إرهاقا عن سابقاتها إن لم تك أكثر منها كلها ..وباختصارلم يبق اي عمل شاق لم اقم به ... .لا يمكنني ان أشكو من التعب  أو حتى المرض .وكان صيفا من أصياف المحكوم عليهم بالاشغال الشاقة.. لا حيلة  لي غير البكاء عندما أؤوب إلى فراشي ليلا ،أما امام الناس فأتجلد واكفكف دموعي دون ان أنبس ببنت شفة.
   واخيرا جاء اكتوبر بطقسه البارد، وفتحت المدرسة ابوابها .:"" لا انت فلاح ،ماكاين مدرسة." الغريب أن جدتي طيلة  ايام الاشغال الشاقة لم تواسني ولو بكلمة واحدة  .كانت تكتفي بالقول:"" اشنو بغيت ندير ليك ؟ انت مابغيت تقرا"" لكن هذه المرة تدخلت وتوسلته  وتظاهربالرفض القطعي ،لكنه أمام دعوات أمه بالرضى والبركة ،طأطأ هامته و وافق: :"  لديك آخر فرصة وإلا راك عارف أش كايتسناك".
  خلال السنة الدراسية أو الفرصة الاخيرة ، لا أكلم  أحدا ولا ألعب مع  أحد ،اتخذت صديقا واحدا وهو الكتاب،لانفارق بعضنا .وهكذا بدات تباشير الفرج تلوح في الافق .فالاساتذة لاحظوا أني ٱختلفت عن السنة الفارطة.
  اجتزنا الامتحان النهائي في قيلاج  إمينتانوت هو الآن مدينة وتبعد عن مدرستنا الابتدائية بحوالي أربعين كيلومتر...في ذلك الوقت الاستاذان( استاذ اللغة العربية وأستاذ اللغة الفرنسية) من يرشح التلاميذالمحتمل نجاحهم في الامتحان الوطني للشهادة الابتدائية . وقد كنا بالفصل خمسة عشر تلميذا  وترشح  منا فقط اربعة. وللتاريخ اذكر وكلي إحساس بالاعتراف بالجميل لاستاذنا الجليل رحمة الله عليه الاستاذ لحضري علي .فهو من نقلنا  دهابا وإيابا ،مجانا بسيارته  الكبيرة إلى مركزالامتحان.         
    مر الأسبوع الاول والثاني والثالت ووأنا أتقلب على الجمر منتظرا وصول  النتيجة .لا احد اخبرنا بشيء ،لا أحد .الأساتذة رحلوا إلى بلداتهم الاصلية  ..،في السنة الماضية توصلنا بالاخبارلان  شيخ القبيلة استفسر عن نتيجة ابنه.ولكن هذه السنة لا أخبار. وهكذا عدت إلى الاشغال الشاقة والسوط يلتهم جلدي .فقدت الامل كل الامل  وصرت استعد لأن اكون فلاحا. وانا أحس بالظلم والقهر ...لا،لا،هناك خلل ما.لدي إحساس بذلك..
 في الاسبوع الاول من اكتوبر،أي بعدما اجتزت بنجاح التداريب لأصير فلاحا ،أمرني ابي  بعد ان وضع كيسا من الحنطة على صهوة الأتان،أن آخذه  إلى الطاحونة وهي قريبة من  مدرستي الإبتدائية. وهما معا  في مدشريسمى (زاوية سيدي أحماد أو موسى)و يبعد عن  مدينة مراكش جنوبا بحوالي اربع وستين كيلومترا، وعن بيتنا بحوالي ثلاث  كيلومترات.  في الطريق استسلمت لذكريات السنة الماضية : كم مرة قطعت هذه المسافة الفاصلة بين المدرسة وبيتنا .! (كم عانيت منذ ان ولجت هذه المدرسة! ففي اليوم الاول استقبلني معلم مريض بعصاه الحديدية لاني بدل ان اكتب كنت آكل قطعة خبز. وفي مساء نفس اليوم فاض النهر الفاصل بين المدرسة ومدشرنا وكاد يجرفني لولا ان انقدني خالي ) ★،وهكذا قررت أن أمر بجانب المدرسة المنحوسة لاودعها نهائيا .
   قفزفؤادي من مكانه ولحقت به  من فوق صهوة الاثان ،نسيت حتى ان اربطها كي لا تتوه ،بمجرد ان رايت باب المدرسة مشرعا .هرولت إلى الداخل كاني استنجد بها. ولحسن حظي وجدت استاذي لمادة اللغة الفرنسية  لحضري علي رحمه الله، ٱرتميت على يده ألثمها بكل ٱحترام . استقبلني مبتسما وعانقني ،تذكرت استقبال ابي :" ماذا تفعل انت هنا؟"" أجبت بصوت خافت جراء الصدمة:" علاش نعماس؟ " :" ما خبركم القايد؟، راك نجحت  وعندك الداخلية  L' internat"" انحنيت على يده اقبلها كيفما اتفق ،لأشكره على أحسن خبر سمعته خلال السنتين الماضيتين ثم واصل: " إلتحق غدا صباحا بالثانوية بامينتانوت ".
 ٱمتطيت نشوة الفرحة وكنت على مشارف البيت حين تذكرت الاتان وكيس الحنطة  .أظلمت الدنيا امامي وتيقنت من اني سأنال وجبة دسمة .فعدت  من حيث أتيت  للبحث عن الحمارة والطحين  وانا اردد في داخلي : اللي ماعندو هم تولدو ليه حمارتو ...  واترك للقارئ فرصة تخيل النهاية.....
  ★ سبق لي ان كتبت عن الحادثين  معا : في 13_1_2018  تحت عنوان : محطات من سيرتي الذاتية: الحادث الاول تحت العنوان الفرعي : ممنوع الاكل ،والحادث الثاني   فعنوانه الفرعي هو : ممنوع العبور.
 عمر بنحيدي.                                     10/6/2018

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 32 مشاهدة
نشرت فى 10 يونيو 2018 بواسطة mmansourraslan

عدد زيارات الموقع

125,474