بعض الزوجات يحمّلن الأزواج ما لا يطيقون، فيطالبنهم جيئةً وذهاباً بالضروري واللاضروري، بلا هوادة، ولا رحمة أحياناً، زوجة لا يهمها إلا أن تتمتع بمظاهر حياتية زائفة، بثمن باهظ يتطلب حساباً بنكياً بلا حساب، وأخرى لا تقتنع بالقليل، ولا تفوت فرصة لتعيير الزوج بقلة ماله وكسبه وعجزه عن مسايرة الآخرين الذين ينعمون ويلعبون بالمال لعباً، فيسكنون المساكن الفاخرة، ويلبسون من أفخم دور الأزياء العالمية، ويتطيبون بأرقى أنواع العطور، ولا تعرف إلا أن تنعم يداها بالدراهم، ولا يهمها كيف تأتي ومن أين ولا تنظر إلا لما في جيبه!
وأُخرى تحب زوجها حباً لا يتصور، ولكنها لا تنفك عن لومه على قلة حيلته، وتضييعه ماله، فتصمه بالعجز والتبديد و.. كان الشاعر العباسي أبو الحسن علي بن زريق البغدادي من الشعراء المجيدين الذين أثروا العصر المملوكي بإبداعهم الأدبي والشعري، وكانت له زوجة يحبها حباً جماً وتحبه حباً جماً، غير أنه كان له مال وفير اكتسبه ثم أضاعه ذلك أنه على حذقه للشعر وباعه فيه إلا أنه لم يكن ذا مهارة تكفيه أن يحفظ المال فضلاً عن أن يثريه، ولهذا كانت زوجته لا تضيع فرصة يمكن فيها أن تلومه على ضياع هذا المال إلا أوسعته تقريعاً وتعنيفاً.
فما كان منه إلا أن قرر السفر والابتعاد لعله يعوض ما فاته على الرغم من حبه لزوجته ولعياله، وضرب في مناكب الأرض سعياً ولكن بلا فائدة، وكان كثيراً ما يشتد به الحنين إلى زوجته الحبيبة.. كتب مأساته في قصيدة تذيب الحجر من رقتها في رسالة وجدت تحت وسادته بعد موته، فكانت أعظم ما كتب وأهم ما كتب وآخر ما كتب: العينية، والفراقية واليتيمة، العينية لأن قافيتها هي العين المضمومة، وكان من عادة العرب إطلاق اسم القافية على القصيدة والفراقية: لأن موضوعها الفراق واليتيمة لأن مؤرخي الأدب لم يذكروا له غير هذه القصيدة:
لا تَعذَلِيه فــــــــَإِنَّ العَذلَ يــــُولِعُهُ
قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِـــن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي لومـــــــــــه حَداً أضَرَّ بهِ
مِن حَيثَ قَــــدرتِ أَنَّ اللوم يَنفَعُهُ
فَاستَعملي الرفـــــــق فِي تَأنيبه بَدَل
مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كــــان مضطلَعاً بِالخَطب يَحمِلُهُ
فَضُيَّقت بِخُطُوبِ الدهـــــرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعــــــَةِ التَشتِيتِ أنّ لَهُ
مِنَ النَوى كُـــلَّ يَــــومٍ ما يُروعُــــهُ
مـــــــا آبَ مِن سَفرٍ إلا وَأَزعَجـــــــَهُ
رَأيُ إِلى سَفــــَر بــــالعَزمِ يَـــــزمَعُهُ
وَمـــــــــــا مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ
رزقـــــــــَاً وَلا دَعَةُ الإنسانِ تَقطَعُهُ
قَـــــــــد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ
لَـــــــم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ


ساحة النقاش