بتاريخ : الإثنين 04-04-2011 07:23 مساء
عـمرو موسـى.. الطاووس المشتاق للرئاسة! شريف عبدالغني
قبل سنوات كانت زميلتي التي تغطى شؤون جامعة الدول العربية، ذاهبة بتأفف لحضور مؤتمر صحافي للأمين العام للجامعة عمرو موسى. سر التأفف يرجع إلى أنها لن تستطيع نشر أي خبر عن المؤتمر، إذ يصر الأمين العام -عبر مستشاريه- على حضور جميع الصحافيين المندوبين بالجامعة مؤتمراته، حتى لو كان من بين هؤلاء -كحال زميلتنا- من يعملون في مطبوعات شهرية أو أسبوعية لا تهتم بالتغطية الخبرية، كون الصحف اليومية «تحرق» الأخبار على الجميع. كانت الزميلة تدرك أن حضورها مؤتمرات موسى مع الكثير من الصحافيين مجرد ديكور يجمّل شكل الأمين العام، ويرضى غروره. فهو -حسب وصفها- يعشق الظهور بمظهر الطاووس وسط الصحافيين، ينفش ريشه عليهم، ويستعرض حركات يديه تحت العدسات والكاميرات، ويفتح مكلمته أمام الميكروفونات، ولا مانع من بعض «الهزار» مثل قوله: «أينما تكونوا يدرككم شحاته» في إشارة إلى مطاردة مراسل إذاعي له للحصول على تصريحات.
موسى ذو الـ «75 عاما» يطرح نفسه هذه الأيام رمزا لمصر الجديدة ورئيسها المقبل بعد ثورة أشعل شرارتها شباب دون الثلاثين. يعتمد على شعبية زائفة صنعها له مواطن على باب الله اسمه شعبان عبدالرحيم غنى له: «بحب عمرو موسى.. وبكره إسرائيل»، بعدما تأثر هو وشاعره الخصوصي مدرس الابتدائي إسلام خليل بـ «بـُـقين» عنتريين أطلقهما الرجل حينما كان وزيراً للخارجية ضد تل أبيب. ترك شعبان وتابعه إسلام العنان لعواطفهما مثل غالبية المصريين، ولم يحكما العقل الذي يقول إن موسى كان يهاجم الإسرائيليين بالنهار ثم يأخذهم بالأحضان ليلا، وأن الوزارة في عهده كانت كما هي أيام سلفه مثلما بقيت على حالها في كنف خلفه، لأن كل وزرائها كالعادة مجرد منفذين لأوامر «سيادة الرئيس مبارك». الفارق الوحيد بينه وبين نظرائه هو الذكاء. فقد كان ينفذ بطريقته وبشكل يجعله يبدو صاحب قرار، بينما الآخرون يظهرون على حقيقتهم.. مجرد سكرتارية لرئيس الدولة. صدق الرجل كذبة شعبان، بل وصدقها مبارك ليخلع موسى من الوزارة، لكنه لم ينس مواقف وزير خارجيته المخلصة ومنها الدعوة إلى عقد مؤتمر في شرم الشيخ في محاولة مستميتة وفاشلة لإنجاح صديقهما شيمون بيريز ضد منافسه نتنياهو في إسرائيل، فكافأ مبارك موسى بالمكان الذي يتسق مع مواهبه ووضعه على رأس «المكلمة» المعروفة إداريا باسم الجامعة العربية.
هناك لم يضف الرجل جديدا. ظلت مدافع الشجب ودانات الاستنكار وطلقات الإدانة تخرج من مقرها الكائن في ميدان التحرير بقلب القاهرة، فتحدث ضجيجا لكنها لا تنتج طحينا. من الظلم تحميله كل المآسي العربية، لكن الأمين العام لم يفعل أي شيء أبداً إزاء غزو العراق وانقسامه إلى عدة كيانات ولا تفتيت السودان أو تشرذم الصومال، بشكل بدا وكأنه يريد زيادة عدد الدول العربية وبالتالي يزداد عدد المندوبين في «مكلمته» لتوسيع قاعدة مستمعيه!
عبقرية موسى زادت تجلياتها هذه الأيام، سواء على المستوى المحلي أو العربي، فمحلياً أكد موسى أن حملته الانتخابية سوف تبدأ من صعيد مصر، لأنه يحتاج لاهتمام خاص، وقال: «لدي تعاطف كبير نحو الصعيد»، لكنه بدلا من أن يذهب إلى البسطاء يكسب ودهم، فقد أرسل وفدا يمثله -بحسب صحيفة الأخبار الحكومية- إلى فلول الحزب الوطني بمحافظة بني سويف للتنسيق حول خوضه انتخابات الرئاسة «مما أثار استياء الأهالي» بحسب الصحيفة. أما عربيا فقد احترف «تمييع» المواقف بحيث تكون النتائج دائماً في صالحه شخصياً. مع بداية ربيع الثورات العربية في تونس اتبع نفس الطريقة وحاول إمساك العصا من المنتصف، لكن بمجرد رحيل زين العابدين بن علي، غازل موسى الشعوب والشارع المصري تحديدا ووجّه كلمة مؤثرة لبقية الزعماء العرب في القمة الاقتصادية بشرم الشيخ يحذّرهم فيها من احتمال انتقال «ثورة الياسمين» لبلدانهم ما لم يسارعوا إلى إصلاحات جذرية في أنظمة الحكم، ولا ندري هل كان يتحدث بلسانه الشخصي أو بلسان المرشح الرئاسي المنتظر في مصر، أم بلسان منصبه كأمين عام للجامعة العربية، وأظن أن صلاحيات هذا المنصب تفرض عليه أن يتحدث باسم المجموع العربي الرسمي وليس باسمه شخصياً.
أما مواقفه من الثورة المصرية، فتداخلت وتشابكت لكنها كانت كالعادة تحمل بوصلة مصلحته وحده، لم نكن نعرف ماذا يريد بالضبط، فقد ظل طوال الوقت حريصا على شعرة معاوية مع حسني مبارك، امتدادا لما سبق وصرح به أنه سوف يدلي بصوته لمبارك في حالة ترشحه للرئاسة لفترة جديدة، هذه الشعرة منعته في البداية من إبداء رأيه فيما يحدث في ميدان التحرير، ثم ما لبث أن تخلّص من سطوة التبعية لمبارك بعد أن تأكد أن سقوط الرجل أصبح حتميا، فصرح وقتها أنه «مستعد لخدمة مصر في أي موقع»، رداً على سؤال لقناة «العربية» عمّا إذا كان في نيته الترشّح لرئاسة مصر. وفي اللحظة قبل الأخيرة لتنحي الرئيس المخلوع نزل موسى إلى المتظاهرين، لكي لا يقال إنه غيّر موقفه تجاه رئيسه السابق بعد رحيله وليس قبله. والموقف نفسه فعله في الثورة الليبية، حيث انحاز للثوار في النهاية بعد التأكد من تشكيل تحالف دولي ضد القذافي.
نظرة إلى اثنين من منافسي موسى المحتملين تكشف الفرق بين معادن الرجال، فالدكتور محمد البرادعي رفض كل إغراءات مبارك بتعيينه وزيرا للخارجية أكثر من مرة، وساهم بقوة في اندلاع الثورة المصرية منذ إعلانه أنه قادم للتغيير وبدء حملات توقيعات لترشيحه، ولذلك ناله النصيب الأكبر من حملات تشويه منحطة نفذها أذناب مبارك ووصل الأمر إلى وضعه على رأس قائمة اغتيالات، أما الثاني وهو المستشار الجليل هشام البسطويسي فقد واجه النظام المخلوع في عز عنفوانه وكشف تزويره للانتخابات، ودفع الثمن أيضا بـ «تطفيشه» من البلاد.
أما موسى فلم يتخذ موقفا وقت الشدة، ولم يدفع ثمنا لقضية ناضل من أجلها، وكل هدفه أن يحمل الـ «c.v» الخاص به عبارة «الرئيس المصري» حتى ولو لمدة أسبوع واحد.


ساحة النقاش