قال تعالى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ آرْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

هل فكرت يوما أن تعيش دقائق في قبرك الذي سيكون مآلك؟ بالطبع لا!!! ماذا عن؟ هل تخيلت يوما كيف يعيش أصحاب القبور؟ بالطبع لا...

هل لدينا معرفة أو علم بأحوال القبور و ساكنيها إلا ما ورد في ديننا الحنيف، لكن مالنا لا نتخيل هذا القبر و نقارن بين أعمالنا و حسابنا، بين ما ننتظره من ملائكة القبر و بين ما سيقومون به دون رحمة أو شفقة.. بين ما سنسأل عنه و بين ما سنجيب عليه...

 أشياء كثيرة دارت في ذهني و أنا الذي أعاني من مشكلة تنفس و ضيق في الصدر من الأماكن الضيقة... و لكني عشت 25 دقيقة كاملة في قبر مكيف الهواء إنارته كاملة.. كان ذلك لعمل أشعة الرنين المغناطيسي لألم ألم بي لم يستطع الأطباء تشخيصه أو معرفة سببه!!، او حتي ما هيته؟؟، فإذا باحدهم يطلب تلك الأشعة مقسما بالله إنها التي ستبين السبب و تبطل العجب... صدقتهم و ذهبت مسيرا لا مخيرا... تحملني قدماي ..لا أيادي الأقارب و الأنساب... خلعت ملابسي و أرتديت ما يشبه الإزار و دلفت لغرفة الأشعة و إذا بجهاز أسطواني ضخم به فتحة أنبوبية.. و كأنه القبر قد أنتفض من باطن الأرض فإذا به رأسا على عقب أمامي ..سيناريو غريب أن تحاول الهرب من القبر من باطن الأرض..فإذا به يأتي إليك علي السطح ...قام المختص بتغطية رأسي و جزء من وجهي و أمرني بالرقود... و دون أن ينزلني أحد للحد فإذا بي أصعد لأستلقي على وسادة إسفنجية حنية طرية..و بدأت رحلة الموت التخيلية، فقد بدأ الأنبوب يسحب للداخل و انا ممدد ومربوط الجسم..أمرني الطبيب بوضع يدي علي صدري على هيئة المصلين...

تجمدت أطرافي من البرودة.. و تجمد صدري عن التنفس... و بدأت رحلة معانة ..25 دقيقة و كأنها 25 سنة..تذكرت كل ما فعلته.. من خير رغم كثره.. و من شره رغم قلته.. و لكن بدت سيئاتي كأنها الجبال أراها... و بدا كل خير فعلته.. و كأنه سراب في سفوح تلك الجبال.. آه يا ربي ..ماذا سأفعل.. هل ستتخلي عني.. و الإجابة أسرع من الصوت..لماذا يتخلى عنك الله.. بل عملك هو الذي يتخلي عنك.. آه من حجم المصيبة.. ماذا لوكنت قد بالغت في الآثام... تالله لكنت مت بالفعل من هول الموقف.. و لكنت في جهنم او في حفرة منها على الأقل طالما كنت بقبري... دارت بي الذاكرة كدوران رأس الفيديو.. احداث متلاحقة... الخير فيها بدا قليل  و الشر بدا اكثر.. أتهافت على أية موقف إيجابي.. تصورت أن يكون جزاءه حسنة..فجأة تذكرت أن الحسنة بعشرة أمثالها... تمنيت لو أن معي آلة حاسبة.. احسب بها عدد الحسنات التي قمت بجمعها ..و أضربها في عشرة.. و أتمني أن تكون في سبعمائة ضعف.. و أتهييء لأطرح منها السيئات .. و كأنني للتو خرجت من  أمتحان نهاية العام.. و أحاول تجميع الدرجات التي سأحظي بها متمنيا التفوق.. لكن هيهيات ..هنا ليس محل جمع و طرح.. قسمة و ضرب... بل أنني طريح القبر... و علي وشك الضرب على أصوات الفرقعات و الذبذبات و كأنها مؤثرات صوتية تؤكد أنني ميت لا محالة و أن عذاب القبر وشيك علي يد ممن لا يخاف أو يخشي إلا الله.. ممن لا يسمع و لا يجب إلا من الله و إلي الله...

 

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم « إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله قال : فيقال له : إنظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم فبراهما جميعاً

وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرحل ؟ فيقول: لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقيلين» متفق عليه

 

حاولت أن اغمض عيناي ...و قبل أن أنجح في جر جفوني لأسفل..سمعت صوت جرار.. و إذا بالمختص يقول لي حمدا لله على السلامة.. حاولت ان أحرك قدماي لأهرب من قبري المكيف...لكنهما كانا أثقل من حجري صوان... أستجمعت قواي على ان أنطق و لو بحرف لا بكلمة.. لكني عجزت عن الكلام.. و خرجت من هناك بعيد دقائق.. لتؤكد لي الحياة بعد أن شهدت قبل عدة شهور موت أسرة كاملة من اقربائي.. و اليوم كنت في مكان يشبه و لا يشبه القبر في ذات الوقت... أنها أي الحياة... حقيرة... لا عظمة فيها..ضعيفة لا قوة بها... جلها شرور لا خير فيها إلا العمل الصالح... لا يبقي فيها من ذكرى إلا العبرة..و لاتبقي فيها من صورة جميل لمن توسم في نفسه من الجمال..إلا حفنة تراب..

أتيــت القبور فساءلتــــــها        أين المعظم والمحتقر ؟

وأين المــــذل بسلــــــطانه        وأين القوي على ما قدر؟

تفانوا جميعاً فما مــــــخبر        وماتوا جميعاً ومات الخير

فيا سائلي عن اناس مضوا       أما لك فيما مضى معتبر؟

تروح وتغدو بنات الــــثرى       فتمحو محاسن تلك الصور

 

  • Currently 165/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
55 تصويتات / 399 مشاهدة
نشرت فى 22 يونيو 2008 بواسطة mgramoun

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

16,279