1

أرملة البحر العجوز..

 

من الطائرة ظهرت أضواء تلوح بالأفق كدلالة على قرب الوصول للمحطة الأخيرة لرحلة طيران طويلة... و ها هي الإسكندرية التي قيل عنها قديما و حكي عنها الحكاواتية أنها كانت عروسا للبحر الأبيض..أيام لم نعشها ... أو قد يكون عاشها قليل ممن يقرؤون هذا المقال قبل أن تتحول بأفعال فاعلين و جرم شياطين الصمت ممن سكتوا عن عمليات تجميل فاشلة قادها عشرات من المحافظين (على لقمة العيش..أو على الكرسي...أو سبوبة التهليب) فتحولت العروس من عروس جميلة المظهر زكية الرائحة متناسقة الجسم..لعجوز شمطاء... رائحتها كريهة... محدبة الظهر... رثة الثياب... تئن من كثرة الجراثيم.. و الميكروبات.. و الفيروسات التي تعيث فيها فسادا..فقضت على كل جميل.. و حولت كلا حديقة غناء.. لمقهى شيشة.. ذو أركان مظلمة لعشاق زمن العرفي و الكاسيت و الدم... و كل مبنى ذو طراز إيطالي..أو لندني.. أو حتى يوناني... لمبني مهبب الشكل... قذر اللون... ترزح أسفله عشرات المحلات الانفتاحية تصدع منها أصوات تضرب طبلات الآذان في مقتل ... و حوله إما أكشاك لبيع المكيفات باطنا و الحاجة الساقعة ظاهرا.. أو باعة جائلين يبيعون النظرات و الساعات الصينية للمغفلين بينما يبيعون أجسادا ضائعة لمحترفي التبضع...

 

هذا هو حال الإسكندرية من الأسفل.. أراها و أنا أخطوا بين جنباتها و بين شوارعها و أتذكر تلك المقالات التي قرأتها و تلك الأحاديث التي سمعتها عن العروس.. عن المنتزه.. عن كلية سان جورج... عن نادي سبورتنج... عن الحقانية.. عن الترماي.. عن الشوارع المبلطة بالبازلت.. التي تغسل قبيل فجر كل يوم ليصبح الناس غادين لأعمالهم بثياب نظيفة معظمها بدل كاملة للكتبة و الموظفين العموميين... أو ذوي الحلل الزرقاء للعمالة في الورش و الميناء و المصانع... تلك المدينة التي جمعت مدارسها يوما مشاهير العالم... ليكون شهداء على أن الأرملة.. العجوز.. الشمطاء.. كانت يوما ما بنتا تحتلى ثوب زفاف أبيض مطرزا بالفخامة و مخيطا بالذوق الرفيع....

 

أما حال الإسكندرية من الجو.. فهو لا يختلف كثيرا عن الأرض... شوارع مظلمة.. أو شبه مظلمة..قلما تجد طريقا مستقيما..بل..تري العجب من الجو..طرقات لا تختلف كثيرا عن الزج زاج...و للتخيل و أنت تشاهدها فكر المهندسين و الإستشارين الذين أشرفوا على بناء هذه الطرقات و هدم الصورة الجملية للعروس... بالكاد بعد جولتين بالطائرة ليلا استطعت أن أميز أن هناك طريقا دائريا منار جزء منه يطله على أحد أركانه هايبر ماركت..يكاد يكون الوحيد في معالم الإسكندرية الجديدة دليلا على أن هناك قلة تعمل من أجل البناء

 

2

القاهرة الكبرى..العذاب الأكبر..

 

شوارع القاهرة تمر الآن بظاهرة غريبة.... تجعلك تشك أن هناك خطأ ما يحدث... فبإمكانك الوصول من مصر الجديدة للتحرير ..خلال 10 دقائق.. أو للمهندسين خلال 15 دقيقة... الشوارع خالية من عشوائية القيادة نوعا ما... تساءلت ما الجديد..فكانت الإجابة هي حظر مرور سيارات النقل الثقيل و المتوسط خلال ساعات النهار في المدينة!!!! هل هذا اختراع... أم ابتكار مروري جديد؟!! هذا هو حال معظم بلاد العالم..فلماذا لا يطبق عندنا طالما وجدت عشرات اليافطات و اللوح علي جنبات مداخل القاهرة تحظر دخول سيارات النقل في الصباح؟!!أم يجب أن نعاني.. و نعاني.. و نصل لدرجة الألم... ثم اليأس ..حتى نطبق النظام و القانون.. ثم نصفق لهذا التطبيق و كأنه إنجازا لحضرة المسئول قد سهر الليالي من أجل راحة الموطن فتفتأ ذهنه عن هذا المقترح... عجبا لهؤلاء...

 

أما شوارع و طرقات القليوبية.. فالطريق الزراعي من بنها للقاهرة ..و رغم مشروعات التوسعة و التحسين القائمة..إلا أن المسافر أكاد اجزم انه يشعر خلال الثلاثين دقيقة و هي عمر الرحلة من بنها لشبرا و كأنه يعبر مقلب زبالة.. في طريق وعر.. شبه معبد... سيارات النقل تناطح السيارات الصغيرة و تجعلها ألعوبة..تسير في أقصي اليسار أما بسرعات عالية جدا ..أو بسرعات بطيئة جدا... رمل و طفلة .. و زلط.. و أحجار تتساقط من صناديقها المكدسة بأزود من الحملة فتصيب من تصيب و تخدش طلاء السيارات الأخرى في أحوال أفضل من أتصيبك زلطة كالشظية فتجعل زجاج سياراتك كنسيج عنكبوت عملاق؟!! و أوزان تلك السيارات جعل من الطريق و كأنك تسير في حقل ذرة... حدود و قنايات... مرتفعات و منخفضات.. مطبات هوائية ... و إسفلتية  من كل شكل و نوع... و عن الميكروباصات فحدث و لا حرج... طياران مقاتلين.. و كأنك تسبح في فضاء يجمعك بميكروباص أف 15 أو أف 16.. و ميكروباص آخر يجيد المناورة من نوع الميغ 21... لا تكاد تنفك من مفاداة أحمق.. حتى تجد أرعن يهدد حياتك و أسرتك بتصرف طائش...

 

و الجميع دون استثناء.. يجيدون تحييد بعضهم البعض.. فتجد مقدمة السيارة فقط..إن تجاوزتك..تنحرف عليك مجبرة إياك على أما الفرملة أو الانحراف للمسار الآخر... و ربنا يستر..ألا توجد سيارة خلفك..أو في المسار  الآخر حتي لا تكون احد ضحايا نزيف الإسفلت...

 

و الطريق بصفة عامة رغم أتساعه إلا أنه يضيق بأكوام القمامة... و التعديات من أصحاب الأكشاك و المطاعم... ناهيك عن عمليات الصرف بالجردل التي يمارسها بعض القاطنين على جنبات الطريق.. فيلقون بصرف منازلهم على قارعة الطريق فتتكفل السيارات المارة ببعثرته على السيارات و المارة ... ناهيك عما تسببه هذه المياه من تخريب متعمد لأرضية الطريق...

 

اليوم بالصدفة كنت في الجيزة.. و تحديدا في منطقة تعيش أحد عصور ما قبل التاريخ في كل شئ إلا الواقع.,.. و يطلق عليها البراجيل... لا حول و لا قوة إلا بالله مما شاهدته من بؤس و شقاء.. طرقات مهترئة ..لا تصلح حتى للبهائم.. أطنان من أرطال القمامة تحيط المزارع و تجاور المباني السكنية العشوائية.... عشوائية في كل شئ ..لا يوجد متر ممهد يصلح لراجل أن يخطوا فيه لا أن تسير عليه سيارة... أزقة.. حواري تطفح فيها المجاري.. و على ضفافها مقاهي يدخن فيها الرواد الشيشة.. و لا أدري هل هي معبأة بأنواع رخيصة من المكيفات ليكون كل نفس بمثابة حقنة مخدرة عن الواقع الأليم الذي يعيشه هؤلاء.. في غيبة من وزراء الأرقام و الإحصائيات و البرامج التليفزيونية..

 

2

ثورة الجياع...

 

ما حدث في المحلة لا يمكن عنونته إلا:ثورة الجياع.... كتبت في عام 2004 مقالا بعنوان (وهم الديمقراطية الأمريكية و سياسة الفوضى الخلاقة) و كأنني كنت أسافر بآلة الزمن لأربع من السنوات حتى يتحول السيناريو لحقيقة واقعة في المحلة.. بين جهات مشبوهة... تقبض و تنفذ لخطط موضوعة على موائد اللئام ليتقاسموا فيما بعد أرزاق الأيتام... و بين جماهير مكبوتة من غلاء الأسعار و قلة الحيلة.. و يصطبحوا بتقرير حكومي يتحدث عن ارتفاع معدل النمو.. و يتمسوا بتصريح وردي من وزير لا يصلح إلا لتأدية إعلانات معجون أسنان لابتسامته الدائمة التي تبرز نصاعة بياض أسنانه و كأن لسان حاله كله..تمام..و بين تلك الجهات المشبوهة.. و الجماهير المكبوتة تقع حكومة رجال المستحيل.. (لا أقصد بالطبع أنهم يصنعوا المستحيل.. بل من المستحيل أن تصدقهم) و ذلك لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.. و أجسادنا قد تقرحت من كثرة اللدغ و القرص و العض... و حل أية مشكلة تتطلب تدخل السيد الرئيس.. و كأن الحكومة مهمتها الوحيدة أن تصنع من كل قضية أزمة و من كل مشكلة معضلة تتطلب تدخل الرئيس لحلها...

 

في نهاية العام 2007 و بداية العام 2008 كتبت ثلاث مقالات مسلسلة بعنوان (طريق الآلام).. و تحدثت فيها عن التغيرات في الأسعار و الأزمة الغذائية التي داهمت العالم اجمع بواسطة عصابة من الأغنياء.. و تحدثت أيضا عن ثورة الجياع..التي ستحدث في مصر ما لم تتدخل الحكومة لوضع آليات لمواجهة الانكماش في المعروض العالمي من السلع الأساسية مما جعل السعر يرتفع ارتفاع جنونيا.. و لتكون ظاهرة الاحتباس الحراري و ارتفاع سعر البترول جناحي ضغط على المواطن البسيط..فتتحول الدول المتقدمة لما يعرف بالوقود الحيوي ليشارك الفقير نصيبا في لقمته من الذرة و القمح...و تحدثت عن وجوب تشكيل مساهمات مجتمعية لتراقب جشع التجار و تقوم باستيراد السلع لتوزعه بسعر التكلفة أو بهامش ربح بسيط لا يجعل الفقير يشيط.. لكن الحكومة تركت البسطاء يتقاتلون من أجل رغيف الخبز.. و يدخلون جمعية من أجل شراء ما كان يعرف بكيلو اللحم..ليجدوا أنفسهم ينهقون بعد أن أكتشفوا أن جشع التجار و كسل و إهمال الحكومة جعلهم يأكلون لحم الحمير بسعر 45 جنيه للكيلو... و هنيئا للعربجية فقد أصبحوا من رجال الأمن الغذائي و الحكومة و رجالها الظرفاء يتهافتون على الإعلام..من أجل الحديث عن إشادة مؤسسة دولية بنسب النمو.. أو الحديث عن البطالة.. الآخذة في الاختفاء ...مع أن هناك أزمة في كراسي المقاهي بسببهم.. أو الحديث عن تنفيذ البرنامج الانتخابي كمسئولية رئيسية للحكومة.. و الرئيس هو من يقوم بنفسه بحل الأزمات.. كطوابير الخبز و تدخله بالأمر للشرطة و الجيش في حل المشكلة.. أو الإعفاءات الجمركية عن السلع الأساسية التي تسد رمق المواطن الفقير..

 

الحكومة ليس لها مهمة رسمية أو قومية أراها إلا زيادة الإحباط و تشويه القدر الباقي من صورة طيبة للقيادة السياسية...

 

المهم أن ما كنت و غيري نخشاه قد حدث.. و ما الحدث إلا شرارة البداية.. أو محاولة لنزع فتيل القنبلة الموقوتة..قنبلة الجوع و البطالة... و كنت أتصور أن الحكومة ستواكب الحدث و تبحث في الأسباب في عجالة لترتق فتق العوز و الحاجة... لكن نفاجأ في نفس يوم الأحداث الدامية بتصريحات لا تقل دموية... أحدهم و هو نائب المدينة يقرر أن الجياع ليسوا من المحلة.. و طبقا لنظريته الجديدة فالطبع أنهم ليسوا مصريين... و بالتالي فهم كائنات فضائية خضر اللون أنزلتهم صحون فضائية ذات أنوار متوهجة ليلا ليقوموا بفعلتهم الشنعاء... و الآخر وزير القنابل الموقوتة في تصريح عنتري يقرر بتحدي سافر مستفز أن لن يقوم بتثبيت العمالة المؤقتة لأنهم نتاج الواسطة... أكثر من أربعمائة ألف عامل نتاج الواسطة .. و من هؤلاء من يتم تعينهم في مراحل متتابعة علي سنوات مرت في مصالح بعينها بواسطة إعلانات رسمية و بمسابقات منظمة وفقا لقوانين العمل السائدة وقتها و التي لا تتوافق مع هوي وزير الويرلس... و الإنترنت...و المواقع الإلكترونية للحكومة الإلكترونية التي لا تعترف بالبراجيل... أو منشية ناصر.. أو عزبة الهجانة..أو العشوائيات المتناثرة هنا و هناك..بل تعترف بمشتركي الدي أس أل.. و أصحاب الهواتف البي دي أيه...

 

إن تلك التصريحات المستفزة..لا تختلف كثيرا عن تصريحات سابقة ولدت نوعا من الإحباط.. و اليأس..لدي عامة الشعب فأصبح الكره و الحقد و الغيظ هم أسلحة خفيفة...للمواطن المغلوب على أمره ..بينما الشغب و التخريب أصبح الأسلحة الثقيلة له بعد أن فاض به الكيل.. و هو يشاهد يوميا أن الدنيا ربيع و الحياة لونها بمبي على ألسنة الوزراء..بينما الجو زمهريرا يغسل المواطن عرقا في طوابير الخبز.. و الحياة لونها أسود بسبب لحم الحمير و جشع التجار و غلاء الأسعار الذي يتحرك بسرعة تفوق مؤشر البورصة فقط للأعلى..

 

3

المحليات...

 

انتهت هوجة الانتخابات المحلية مبكرا بعد أن خرجت جماعة الإخوان مبكرا من اللعبة... و بقي أشكال و ألوان لا علاقة لهم بالسياسة من بعيد أو قريب سوي أنهم هتيفة سابقين أو خريجي مدارس البلطجة لاحتراف اللعبة الانتخابية... قام الحزب الوطني مشكورا بالتخلص من غالبية الشخصيات المحترمة الباقية و أتي بأشكال و ألوان تتفق مع المرحلة القادمة و هي التخليص علي ذرات متبقية من الأمل في المستقبل و لتنهي على أية مضادات حيوية لأعراض الإحباط ...أمر على جدران المدارس فأجد صورا لشخصيات لا تختلف كثيرا عن أبو عتلة و سنجة و جنزير... أين ذهب الشرفاء.. أو بقيتهم أن كان لهم بقية...سؤال كانت أجابته أن لا مكان للمنحازين للحق أو للفقر و الفقراء..لا مكان لمن يجرؤ على قول لا.. و أن الزمن القادم زمن المنبطحين و للمعقبين بنعم على كل تصريح لوزير لا يملك من قراراته ما يخدم به الموطن بقدر ما يخدم به أصحاب المصالح و الانتهازيين...

 

 

 

 

  • Currently 135/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
45 تصويتات / 726 مشاهدة
نشرت فى 10 إبريل 2008 بواسطة mgramoun

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

16,279