من هذه المقولة التاريخية و تاكيدا على النضال و الكفاح المستمر و المتأجج للصحافيين على مدار أكثر من قرن و ترادف ذلك مع التطور الهائل فى كافة العلوم، وعلى رأسها تكنولوجيا الطباعة و الاتصالات، أصبح في مقدور الصحافة التعامل مع الخبر بطريقة أكثر جرأة و حرية و حيادية، إذ لم يعد هناك معلومة أو خبر من الممكن إخفاؤه!!. و تقاطع ذلك مع تزايد الوعي بين القراء و المتابعين فى سعيهم الحثيث نحو نيل المزيد من السلطات والصلاحيات و رغبتهم أن يعيشوا حياتهم بحرية.
و المواطنين و الجماهير يعلمون أنهم محكومين وفق قوانين السلطة التشريعية و يدها التي تسمي السلطة التنفيذية، و يد الحكم هي اليد الطولي. لكنهم لا يريدون من حكامهم أن يحكموا بمعزل عنهم، يريدون المشاركة الجماهيرية وفقا لقواعد الدستور و القوانين المنظمة للحياة السياسية في مصر. و هنا يبرز دور الصحافة للمساهمة في التواصل الإخباري و المشاركة في تبصير هؤلاء بما تفعله الحكومة و تسليط الضوء على الأحداث للمساعدة على زيادة التوقعات والآمال الاجتماعية. مما يحمل المسئولية على الصحافة الحرة والمستقلة والتي تستطيع أن تحكم على ممارسة المسئولين سلطاتهم وصلاحياتهم. و من هنا نشأت تسمية السلطة الرابعة لتضاف لمسميات مهنة المتاعب. كثير من القراء و محترفي الصحافة علي يقين بأن مهنة الصحافة تتطلب: - الموهبة قبل الشهادة... و الأمانة قبل الواسطة و المحسوبية.. و الجد و الاجتهاد قبل اسم المؤسسة الصحفية التي يعمل بها الصحفي. - و يلي الموهبة وجود داعم أصيل و رافد راسخ للصحفي و هو العلم والتخصص والثقافة. ولن أكون متشائما عندما أصف بعضا ممن يعملون فى الصحافة بأنهم مجرد سائقي ميكروباص ـ مع كامل التقدير لكل منهما و لمهنة كل منهما- ولكنني أقولها وبمرارة إنني أشعر بالكثير من الألم والأسف جراء الكثير من الممارسات التي يقوم بها بعض من يدعون أنهم صحافيون وهم في الواقع غير ذلك. و عبر ما أطلق عليه "ثقافة الاستسهال" و هي مرادف لعدم بذل الجهد المناسب للفوز بسبق صحافي أو خبر طازج من مصادره السليمة أثرت تلك الثقافة على الجودة و المحتوى و على الصحافيين بشكل عام.
إن الصحافي الحقيقي هو الذي وجدت لديها الموهبة مصقولة بالتعليم و الثقافة و أجتاز مراحل العمل الصحافي ليصل لدرجة الصحفي الحقيقي و يتساءل البعض عن دور نقابة الصحفيين, وما الذي يجب عليها فعله؟ هل يجب عليها أن تعيد النظر في شروط عضويتها، أم تفتح الباب و بحرية لمزيد من المواهب المصقولة.. و عليها أن تعقد دورات تأهيلية أو أعادة تأهيل لراغبي ممارسة العمل الصحافي من آن لآخر, ومن ثم تخضع عضوية النقابة لاختبارات و مقابلات من لجان متخصصة من آن لآخر لبيان صلاحية الصحفي من عدمه؟!! ليكون ذلك بمثابة البوابة التي يمكن للصحافيين الدخول من خلالها. و من خلالها يمكن الحد من دخول من هب ودب إلى بلاط صاحبة الجلالة. الصحافة كيف نحميها من أبنائها؟
تكمن مشكلة الصحافة اليوم في: - انعدام المهنية والبعد عن التخصص والمسؤولية. مما يدفع البعض لاختراع الإثارة بأي شكل من الأشكال حتى لو كان ذلك على حساب أشخاص آخرين أو على حساب اقتصاد البلد أو حتى أمنه. - عدم وجود معايير أساسية للفصل بين مفهوم الانتقاد الوظيفي و المهني و التجني الشخصي، و أدوات للتعريف بمفهوم الإثارة والمبالغة، و تحديد الفوارق بين الإثارة الإيجابية التي هي من السمات الأساسية للعمل الصحافي والإثارة السلبية التي تتنافى مع القيم والأخلاق المهنية في العمل الصحافي. لقد سمح الصحافيين لغيرهم بالتدخل فى صميم عمل مهنتهم بعد أن تخلوا عن كثير من مبادئ الصحافة و حولوها لتجارة رابحة في المقام الأول و الأخير ... لدرجة أن عدد غير قليل من الصحافيين يجوز تسميتهم بشعراء بلاط الخليفة.... فهم يمدحون حين يقبضون...و يذمون حين ُيتجاهلون... يدلون برأيهم في كل موضوع و كأنهم الموسوعة العلمية الثقافية العسكرية التاريخية... دون احترام للتخصص أو لدراسة ما سيتم أبداء الرأي فيه أو حتى الاعتذار للجهل بطبيعة الموضوع... فتجدهم يتقولون بما لم يكونا عليه من الشاهدين و يهرفون بما يسمعون و يخيل لبعض القراء أن هؤلاء يتخيلون أكثر مما يقرؤون.
قد يكون هناك تجاوز فيما ذكرته، و لكنه تجاوز لا يغض الطرف عن الحقيقة التي أجبرتني على الكتابة في هذا الخصوص للمرة الثالثة، فهناك خلل حقيقي في الصحافة، و الكثير لم يعد يشعر أن ما يكتب فى الصحف أو ما ينتجه الصحافيين من أعمال تمت للصحافة بصلة، يشعرون معها –حقيقة- بالتربص، و العدوانية التي تصل لدرجة محاولة خطف و تضليل الرأي العام.
إن مهنة الصحافة و قد بدأت عوامل التصدع تضربها في مقتل و تسبب ذلك فى فقدان الثقة فى الصحافة و بدأت نزعة الكره تطغى على البعض، و أصبح لكل صحفي مجموعة من المؤيدين و مجموعة من المعادين،، كل حسب ميوله و إنتمائاته.
حتى انعدمت الثقة تماما بين القارئ و الصحفي من جهة و بين الصحفي و الصحفي من جهة أخري.
علاوة على بروز دور الإعلام الإلكتروني الذي سمح للجميع بالحديث و التناول و التعاطي و ساعد على تهميش الصحافة المطبوعة، إضافة لكثر المحطات و برامجها الإعلامية و التي تعتمد على المواهب الصحفية من مختلف التيارات.
كذلك وجود فساد إداري و استغلال رؤساء مجالس الإدارات لها، و الهيمنة الحزبية على بعض الصحف، و كذلك هيمنة جماعة الإخوان المحظورة على النقابة و على نسبة لا يستهان بها من الصحافيين..
كل ذلك رسخ لدى القارئ أن الصحافة تخلت عن دورها الحيادي فى ألقاء الضوء على الخبر و الحادث فعلا،، و بدلت أسلوب عملها لصناعة الخبر و فبركته و الاعتماد على نوعية من الأدلة التي لا يعتد بها - كشهود العيان مثلا – الذين يدلون بشهادة تتفق و وجهة نظرهم.
و نجد على الساحة الآن صحفا صفراء التي تتخذا من الإثارة و التهويل مبدءا و تشجع على الاحتقان والإثارة وتقود فى النهاية إلى المواجهة .
وأخرى سوداء و تتولى مهمة نشر وجهة نظر أحادية دون منطق أو تحليل...
و حتى حمراء و هي التي حملت لواء النزول للأدنى ... استجابة لرغبات و شهوات البعض و أصبح مبدأ الارتقاء المهني لديها حبيس الأدراج وفق معادلة كمية التوزيع تساوى فرص البقاء.
وحتى تلك التي نجت من محاولات التلوين أصابها مرض الحياد السلبي بعد تضاءل دورها و أصبحت بمعزل عن التأثير و الاستقلالية. إن للصحافة دور هام فى نقل و توصيل المعلومة و تسليط الضوء على الحدث ليشعر معه المواطن و القارئ بالأمن و الثقة، بدلا من الشعور بالعزلة و اليأس.
و تبرز ضرورة وجود صحافة مهنية محترمة و مسئولة تتمتع بحرية مقننة بقانون الدولة و أخلاق و أعراف المجتمع حتى لا يصل الحد بتلك الحرية للاعتداء على الآخرين والتجريح...لكن الانتقاد و التقييم الموضوعي لأداء المسئولين و توضيح المآخذ عليهم للرأي العام وإبراز احتياجات، وآمال، وتطلعات، وآمال المجتمع. ونحن في مصر إذا كنا نهدف لبناء مجتمعا قويا مستنيراً، علينا أن نحترم الرأي الآخر وألاّ نعمل على وأده. و يؤكد على تلك الضرورة تلك المسئولية الملقاة على عاتق الصحافة بحماية المجتمع من الانتهازيين و الفوضويين من خلال الموضوعية، وتوخي الدقة، والانحياز لمصالح الوطن والمواطنين.
لقد أتفق الصحافيون على بعض المبادئ نابعة من قناعة أساسية هي أن مهمة الصحافة هي "تزويد الناس بالمعلومات التي يحتاجونها كي يبقوا أحرارا قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم". والمبادئ هي:
1. الواجب الأول للصحافة هو نشر الحقيقة.
2. ولاء الصحافة الأول هو للمواطنين.
3. جوهر الصحافة نظام المصداقية والتحقق من صحة المعلومات بعدالة و شفافية.
4. يجب أن يتمتع الصحافيون بالاستقلالية عن أولئك الذين يقومون بتغطيتهم أو الكتابة عنهم.
5. يجب أن تبقى الصحافة رقيبا مستقلا على السلطة و تلتزم الحياد دون ظلم لطرف أو انحياز لآخر.
6. يجب أن تكون الصحافة منتدى للنقد العام والتفاهم.
7. على الصحافة أن تسعى لجعل القضايا الهامة ممتعة ومفيدة معتمدة على فنون الصحافة و أسلوب الكتابة الأمثل.
8. يجب أن تحافظ الصحافة على شمولية الأخبار وتوازنها.
9. يجب أن تُتاح الفرصة للصحافيين كي يقوموا بعملهم وفقا لما تمليه عليه ضمائرهم و تطوير أنفسهم و طريقة تناولهم للخبر بشكل يخدم القارئ.
10. ضرورة اهتمام الدولة بالصحفيين وتوفير مناخ عمل مناسب يحفزهم على العمل بشكل أفضل و إلغاء القيود والتعقيدات التي تقف حائلاً دون تسجيل الصحفيين بالنقابة.
11. العمل على إدماج مفهوم المواطنة فى أجندة جميع الصحف الوطنية، واهتمام منظمات المجتمع المدني بتقديم دورات تدريبية نوعية لشباب الصحفيين المبتدئين و العمل على زيادة وعى الصحفيين حول مفهوم المواطنة.
وطالما لم نأخذ بزمام المبادرة حتى اللحظة و لم يقم المسئولين عن النقابة بدورهم الحقيقي فى الحفاظ على المهنة و تطويرها سيبقي التحدي الحقيقي قائما ... هو كيفية "أحياء الصحافة المحترمة" وإنقاذها من أجل المحافظة على الديمقراطية و حمايتها بتقديم المعلومات الوافية الدقيقة الصادقة الحرة والمستقلة.
-----------------------------------------------------------------
هوامش:
(مقومات الصحافة) بيل كوفتش وتوم روزِنسستيل - نيويورك 2001
ورشة عمل "دور الصحافة الاقليمية فى ترسيخ مفهوم المواطنة" - منظمة كونراد ادينور- الأسكندرية 2007
خالد عبد الرحيم المعينا- رئيس تحرير "عرب نيوز" 29/04/1427هـ
عبد الرحمن عبد القادر - 02/10/1427هـ


ساحة النقاش