الاستفزاز الاعلامي

 

عندما قدم الدكتور:" ياسر منجي" تعبير الجحيم الفلسفي بتناوله التحليلي لأحد أهم أعمال الفنان "جايمس انسور" لبيان العلاقة المأسوية بين المتلونين و المتاجرين من البشر بأحد أفرادهم و هو قاب قوسين أو أدنى من بلوغ روحه حلقومه،  شرح كيف يتلذذون بسحق الآخر مهما كانت علاقتهم به و من هنا نشأت وحشية الأنا المغلوطة..و مهما كانت الألوان البراقة  الفاقعة على وجوه المهرجين إلا أن المحتضر لا يري في تلك الألوان إلا سواد المصير..بينما هم لا يكترثون بمآله قدر اكتراثهم بالمتعة اللحظية...

 

و من هنا تتضح العلاقات المتشابكة في حالة مرضية ذات علاقة وثيقة بين الإعلام الموجه و المرض النفسي بتقييمنا لعدد من الفضائيات، سواء كان في أيديولوجية الفضائية أو في طبيعة القضايا التي يهتم بها أحد البرامج أو في فلسفة المقدم و الضيف (الضيوف) معا..و ما نلبث أن نكتشف أننا في جحيم إعلامي و لسنا في معية رسالة هادفة للسلام ..

 

و هذا يربطنا بمقولة الروائي "جان بول سارتر"(الآخرون هم الجحيم) ..فنرى البرامج المختلفة التي تلتقطها الصحون المتناثرة من الفضائيات التي يعج بها العالم اليوم ..تتسابق و تتنافس في وحشية و همجية من أجل الفوز بكعكة يومية من المتاجرة بآلام و آهات فقراء الوطن و معذبيه... و هو في ذلك – إي الإعلام – يتصور في صورة القناة/المعد/المقدم/ الضيف.. أنهم يقدمون لقمة لجائع أو كسوة لعاري أو غطاء لمتشرد!!!

 

لكن شيئا من هذا لا يحدث بقدر ما تتم المتاجرة بالمرض و العوز و المشاكل الشخصية على مرأى من العالم أجمع في حالة أشبه ما تكون بتلفزيون الواقع يسرد أدق التفاصيل لمشاهدين و هم قلة مهتمين بالحدث و غالبية تشاهد لتضحك إن كانت من هواة الضحك و الفكاهة أو لتبكي إن كانوا من هواة البكاء علي كل شئ حتي و إن كانوا كما كتبت أحد المهتمات بهذا الشأن أنهم من الممكن توجيه دعوات لحفل عشاء باك، يذرفون فيه الدموع لأي سبب و يبللون مناديلهم و تسير قطرات الدمع انهارا علي خدودهم علهم يجدون اللذة في ذلك.

 

و يبرر الإعلام المغلوط ذلك بالحق في نقل الصورة كاملة، و إفساح المجال أمام كافة الآراء التي غالبا ما تكون موجهة، و تتسم بالتهميش والإقصاء للغير، فتتعمد إلغاء وجودية الآخر أو تقبيحه، و نقل فكرة الرغبة في الهدم عن طريق كسب تعاطف المشاهدين بذرف قليل من الدمع على مأساة آخر تعود بنا للمقدمة أعلاه في نموذج "انسور" و فيها يقود الضيف بترحيب من المذيع المشاهدين للانغلاقية و التمركز حول مفهوم الأنا الغليظ و من ثم كارثة عدم الإيمان بوجود الآخر و نفيه.

 

و يلي ذلك التعاطف المعلن للمعوز و المن عليه بحفنة آثمة من جنيهات لا يعلم مصدرها إلا الله و من تبرع بها لتسجل كاميرات التلفزة المشهد المؤثر لصاحب الحاجة و هو يتسلم مبلغ قد يسد رمقه أو يعالج طفله..أو ..أو.. و الدموع تنهم من عينيه ..يبكي فرحا مهللا ....في مشهد يجعله إماما للفقراء.. و بطلا للمساكين..فيقدم كل منهم استسهالا على المتاجرة بمرضه أو بفقره أو بقضيته..

 

و لكن أين هم و نحن من قوله صلي الله عليه و سلم: صدقة السر تطفئ غضب الرب...و هنا تقدم القنوات ما يتفق و مصالحها و تحجب ما يتعارض مع مصالحها السياسية القائمة على المتاجرة بعذاب الناس ومآسيهم, تحرص أشد الحرص على استمرار هذا العذاب والمآسي لضمان ازدهار تجارتها. و إذا تدخل البعض نقدا أو شجبا, جاء أصحاب الحناجر الصارخة وأجهضوا ردة الفعل بقصد المزايدة على البلد, والمتاجرة بالقضايا بالأساليب الغوغائية المعروفة.

 

غافلين عن الجانب الإنساني للضحية و المشاهد.. فحتى و إن قبل الضحية أن يظهر في سبيل ما يسد به رمقه.. كيف يقبل المشاهد هذا الوضع، أيضا يتغافل الإعلام عن حقيقة أن المشاهد يتألم كثيرا عند التعامل مع الكوارث و النكبات بهذه الطريقة, فالغالبية من الجمهور لم يفقدوا بعد إحساسهم بالآخرين وبآلامهم وجراحهم. بل إن الجمهور في كثير من الأحيان ما يضطر للتعامل مع الوسيلة الإعلامية بطريقة " الإقصاء " والتوقف عن مشاهدتها أو مطالعتها، كونها لم تحترم أبسط القواعد المهنية في تناول آلام الآخرين ومآسيهم.

 

نعتقد تماما أن للإعلام رسالة إنسانية, لكن لا يمكن أن يكون الإعلام هو ما عبر عنه "سارتر" بأنه الجحيم وفقا لقاعدته ...إننا نعيش في عالم مليء بالشر، ولهذا فإننا لا نستطيع أن نسيطر عليه إلا إذا كنا قساة ولوثنا أيدينا بالجريمة !!

 

هوامش: أحمد الجارالله- جمعية المترجمين العرب- الإقتصادية-صيد نت

 

  • Currently 109/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
36 تصويتات / 653 مشاهدة
نشرت فى 27 فبراير 2008 بواسطة mgramoun

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

16,279