امريكا واسرائيل خاطئين
<!-- / icon and title --><!-- message -->
في أواخر شهر أغسطس الماضي‏,‏ وأوائل شهر أيلول‏,‏ أجرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية استطلاعا واسعا في إسرائيل حول ما سمته خطة الانفصال بين إسرائيل والفلسطينيين‏,‏ علي إثر انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة‏.‏ وقد نشرت الصحيفة هذا الاستطلاع وكان من أهم نتائجه أن غالبية الشعب الإسرائيلي موافق علي استكمال الانسحاب من بعض وليس من جميع مستوطنات الضفة الغربية‏,‏ وأن هذه الأغلبية الإسرائيلية تعتقد‏(‏ بنسبة‏68,4%)‏ أن الهجمات علي إسرائيل سوف تستأنف من القطاع بعد الانسحاب‏.‏ وينتهي الاستطلاع بالقول‏:‏ إن شارون هو رئيس الوزراء الأكثر قدرة علي إدارة البلاد بما يحقق المطالب والشروط الإسرائيلية‏,‏ والأكثر أهلية لاستقطاب ثقة الناس‏.‏ نال شارون‏35%‏ ونال منافسه في الليكود نيتانياهو‏16,6%‏ وشمعون بيريز‏15,2%‏ وباراك‏3,8%.‏

نستنتج من هذا الاستطلاع أن غالبية الشعب الإسرائيلي تريد الاحتفاظ بأكبر مساحة من الأرض الفلسطينية المحتلة في حرب‏1967.‏

وسواء كان الشعب هو الذي يريد ذلك‏,‏ أم قادته العسكريون الذين يعرفون أن قوة إسرائيل قادرة علي تحقيق هذا المطلب الشعبي‏..‏ فإن شارون حمل نتائج هذا الاستطلاع معه إلي نيويورك وأعلن في الأمم المتحدة أمام أكثر من‏180‏ دولة‏(‏ لم يقاطع العرب الخطاب ويخرجوا من القاعة‏)‏ ان إسرائيل لن تخرج من كل ما احتلته في حرب‏1967,‏ خصوصا من القدس الموحدة والعاصمة الأبدية لإسرائيل‏.‏

طبعا العرب يعرفون جيدا أن شارون قادر علي قول ما قال‏,‏ وتنفيذه حرفيا‏..‏ وأكثر من حرفي‏,‏ والعرب يعرفون أيضا أنهم غير قادرين ـ الآن ـ علي منع شارون من تحقيق شروطه‏,‏ لكنهم يعرفون أيضا أنهم ـ وبكامل حريتهم إرادتهم ـ منحوا الولايات المتحدة ثقتهم كي تنقذ الشرق الأوسط من لعبة الحرب فتسعي‏,‏ بل تفرض السلام العادل والشامل المعني علي مطلبها هي‏..‏ وهو الأرض مقابل السلام‏.‏

والعرب يعرفون‏,‏ وأمريكا تعرف‏,‏ وإسرائيل تعرف‏..‏ أنه إذا أصرت الشعوب العربية علي استرجاع ما احتلته إسرائيل في‏1967‏ وكذلك في‏1948,‏ فسوف تعجز الحكومات العربية عن مخالفة شعوبها لسنوات طويلة‏.‏ وبالتالي‏,‏ فإن هذه الحكومات سوف تلجأ‏,‏ مرغمة أو راضية‏,‏ إلي سباق تسلح جديد‏,‏ ومحاولة الانتصار علي إسرائيل من جديد وتعكير الأمن والسلام الدوليين‏.‏

ويعرف العرب جيدا أن انتصارهم ليس واردا الآن‏,‏ لكنه ممكن بعد حين‏.‏ وإذا كان مستحيلا بعد حين‏,‏ فهو علي الأقل سوف يشكل من جديد بؤرة من التوتر العسكري والسياسي والأمني الذي سيؤثر حتما علي مصالح الولايات المتحدة‏,‏ وعلي وجودها ونفوذها في الشرق الأوسط‏.‏

ولذلك وضع العرب ثقتهم بأمريكا‏..‏ وقالوا إن‏90%‏ من أوراق اللعبة بيدها‏.‏ وهم يقصدون بذلك أنهم ليسوا عاجزين عن محاربة إسرائيل‏,‏ أيا كانت قدراتها‏,‏ وبلغت معداتها‏,‏ بل هم عاجزون عن محاربة أمريكا التي لا تريد‏,‏ ولا تنوي أن تترك إسرائيل في هذا البحر العربي المتلاطم‏.‏

وعندما قرر العرب‏,‏ منذ مشروع روجرز‏1970‏ أن يتركوا لواشنطن البحث عن الحل الشامل وتطبيقه‏..‏ إلي مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أعلنه في قمة بيروت سنة‏2000‏ والذي ملخصه‏:‏ السلام الكامل مقابل التطبيع الكامل‏..‏ أي‏:‏ الأرض كلها مقابل السلام كله وهذا هو مشروع أمريكا أيضا في مقولة‏(‏ الأرض مقابل السلام‏)‏ كانوا في الواقع‏,‏ يحاولون التقرب من أمريكا لأنها تؤمن بالحرية والسلام‏,‏ أو لأنها قوية كل القوي‏..‏ أو لأنها لا تريد أن تتخلي عن حماية إسرائيل‏.‏ لكن العرب يرون من واشنطن اليوم ما يخيب آمالهم ويزيد من إحباطهم‏.‏ فأمريكا هي التي أسهمت في وضع خارطة الطريق‏,‏ وأمريكا هي التي رعت واستضافت اتفاق أوسلو‏,‏ وهي التي قالت لشارون ان يوقف ضرب الانتفاضة‏,‏ وأن يمتنع عن بناء جدار الفصل العنصري‏,‏ وهي اخترعت مبدأ الأرض مقابل السلام‏,‏ وهي تريد أن يكون أمنها القومي في مأمن من أخطار الحروب العربية ـ الإسرائيلية‏.‏

لكنها سكتت عندما خرقت إسرائيل كل الاتفاقات‏,‏ وكل القوانين والقرارات الدولية‏,‏ والثنائية والثلاثية والرباعية‏.‏ وسكتت عندما أعلن شارون أنه يريد القدس عاصمة لإسرائيل‏,‏ ويريد الإبقاء علي معظم مستعمراته في الضفة الغربية‏,‏ ولا يريد عودة اللاجئين ولا حق العودة‏.‏

وهذا يعني أن أمريكا لا تريد السلام الدائم‏,‏ بل السلام الناقص في الشرق الأوسط‏..‏ تماما كما هي فاعلة في العراق‏..‏ فلا هي احتلته الاحتلال الكامل‏..‏ ولا هي خرجت منه منتصرة أو حتي مهزومة‏.‏

وإذا كان هذا ما تريده أمريكا في البلاد العربية‏..‏ وما تريده إسرائيل في فلسطين والجوار‏,‏ فمن واجبنا أن نلفت نظر الإدارة الأمريكية إلي أن ما تريده إسرائيل قد يبدو ممكنا لسنوات قليلة مقبلة‏,‏ أو لسنوات عديدة مقبلة‏,‏ لكنه لن يبقي سائدا إلي الأبد‏,‏ وسوف يري الأمريكيون والإسرائيليون أنهم ارتكبوا خطأ جسيما عندما دخلوا بلادنا عنوة‏..‏ وسيرتكبون خطأ أكبر عندما يخرجون منها غير منتصرين‏..‏ فالحياة تسير إلي الأمام ولا تسير إلي الوراء‏..‏ ومن المؤسف أن واشنطن تحكم علي العالم العربي بالموت‏..‏ وهو مازال حيا يرزق‏
  • Currently 34/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
12 تصويتات / 314 مشاهدة
نشرت فى 28 سبتمبر 2005 بواسطة mervat

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

384,778