Global

الأثاث الكلاسيكي القديم

اتفق المؤرخون وعلماء الآثار على إطلاق مصطلح «كلاسيكي» على العصور التي سادت فيها المؤثرات الهلينية - اليونانية (الإغريقية) والرومانية القديمة، وتعد الحضارة الهلينية اليونانية المصدر الرئيس للعلوم والفنون في الحضارة الغربية الحديثة.

أ. الأثاث عند الأتروسكيين: الأتروسكيون [ر] شعب قديم هاجر من مواطنه في آسيا الصغرى واستوطن إيطالية حيث أقام حضارة مميزة وترك آثاراً عظيمة ترجع إلى ما بين القرن العاشر والقرن الثالث قبل الميلاد. وتبدي النواويس (ج ناووس) الإتروسكية المصنوعة من الطين المشوي صور نساء ورجال يضطجعون على أرائك متطاولة من خشب ذوات قوائم مربعة مدهونة أو مطعمة بأشكال تشبه أشجار النخيل والأزهار من معدن ثمين أو أحجار كريمة، وتبدو قائمتا الأريكة من جهة الرأس أطول من القائمتين من جهة القدمين، وقد زخرف رأساهما بعقد مزدوج. كما عثر على شمعدانات طويلة ثلاثية الأرجل، وعلى قواعد ثلاثية الأرجل أيضاً تحمل مراجل من البرونز. وفي متحف اللوفر ناووس مزخرف على قوائم مستطيلة، وكرسي من البرونز من ذلك العهد.

ب - الأثاث عند اليونان: اعتاد اليونانيون القدامى في أوائل حضارتهم ممارسة مناشطهم وحياتهم اليومية في العراء وفي الساحات والمباني العامة، أما المنزل فكان للنوم والراحة فقط. وكان المنزل يتألف من عدة غرف تضم أثاثاً قليلاً يتألف من مقاعد وسرر وصناديق للملابس والأواني، وكانت تراعى في تصميم قطع الأثاث النواحي العملية أكثر من النواحي الجمالية. ويعد القرن الخامس قبل الميلاد العصر الذهبي لبلاد اليونان، وفيه أنتجت أروع قطع الأثاث التي تنسب إليهم. وقد كان للنقوش والرسوم الجدارية والأواني الزخرفية والنصوص الأدبية اليونانية التي حفظت إلى اليوم الفضل في معرفة تفصيلات أكثر عن الأثاث اليوناني ومنها عن الأثاث المصري والسوري القديمين.

استعمل اليونان في صناعة الأثاث الخشب والبرونز والحجر وزينوا قطعهم بزخارف من طاقات الأزهار وأوراق الأقنثوس acanthus وأشكال نباتية وحيوانية أخرى، وكان «بسطاء» الناس يقتنون في بيوتهم مقاعد ثلاثية الأرجل وطاولات غير متقنة الصنع، أما أكثر المواطنين ثراء فكانوا يقتنون أرائك من خشب أو مرمر مصممة وفق الطراز

الأتروسكي فوقها حشيات ووسائد مغلفة بقماش حريري، وتدل الرسوم الموجودة على أواني الأزهار على أن هذه الأرائك كانت للرجال فقط، يضطجعون فوقها على جنوبهم وتخدمهم النساء. ويتبين من المنحوتات اليونانية ورسوم الأواني وجود أنواع كثيرة من الأثاث القديم، لعل أبرزها الطاولات وصناديق الملابس وعلب الزينة والأرائك والكراسي. وقد طور اليونانيون ثلاثة أنماط من هذه الكراسي هي: الكرسي الملكي (كرسي العرش) Thronos وهو كرسي قائم بذراعين له صفة رسمية ويزين غالباً بأشكال تمثل أبا الهول والغرفين Griffin (حيوان خرافي نصفه نسر ونصفه سبع) والكرسي العادي Klismos وهو أخف من الأول وله قوائم محنية ومسند ظهر عال كثير التقعر.

وأما الكرسي الثالث فمقعد مربع Diphros من دون ظهر أو مساند له قوائم مخروطة متصالبة أو تصل بينها عوارض، وثمة مقعد مماثل أدق صنعة وقابل للطي يدعى Diphros Okladias. ويمكن القول إن الأثاث اليوناني تأثر بالأنماط المصرية والرافدية كما يلاحظ من الصناديق المزخرفة بقوائم السباع والطاولات المستديرة المحمولة على ثلاث قوائم غزلانية منحوتة كانت شائعة في اليونان، ويلاحظ هذا التأثير أيضاً في أشكال الأرائك الأولى التي تشبه الأسرة المصرية شكلاً ونمطاً. وكانت قوائمها تشبه قوائم الحيوانات ذوات المخالب أو الحوافر ومزخرفة برسوم محززة أو نحت نافر حلزوني. ومنذ القرن السادس قبل الميلاد غدت القوائم بارزة عن قاعدة الأريكة، ثم أصبحت لوحاً في أعلى السرير وآخر عند القدمين أخفض من الأول. وكلاهما مزخرف بنحت نافر يحمل ميداليات برونزية أو تماثيل نصفية لآلهة أو أطفال أو رؤوس طيور أو حيوانات.

ج- الأثاث عند الرومان: اقتبس الرومان أثاثهم عن الإغريق والإتروسكيين والمصريين وشعوب المشرق وطوروه حتى غدا مميزاً خاصاً بهم، وقد أتاحت لهم الثروات التي غنموها من مستعمراتهم العيش بترف والمبالغة في زخرفة بيوتهم وأثاثهم، ونقلوا عن شعوب تلك البلاد الكثير مما كان عندهم، واستخدم الرومان في صناعة أثاثهم الخشب والبرونز والحديد والرخام، وبرع حرفيوهم في الزخرفة والنقش والتصوير والطلي بالذهب وتنزيل المعادن الثمينة والمرمر والعاج وقواقع السلاحف وقشور الخشب وأعمال الفسيفساء. ويدل إسرافهم في هذا المجال على أنهم كانوا يرون في الأثاث امتداداً لفن العمارة والنحت.

وعلى النقيض من المنزل اليوناني كانت غرف المنزل الروماني مصممة وفق الوظيفة المخصصة لها، فثمة غرف معدة للاستقبال والاحتفالات الرسمية، وغرف أخرى مخصصة للمعيشة اليومية أو النوم، وتدل السرر والخزائن الجدارية على أنها من المكونات الثابتة في الغرفة، وهذا ما تثبته خرائب بومبي Pompeii وهيركولانيوم Herculaneum في جنوبي إيطالية، وقد عثر في بومبي على فسيفساء جدارية تصور أشكال الأثاث المستعمل في المنازل الرومانية، كما صورت قطع الأثاث على شواهد القبور وحجارة النواويس، وحفظت بعض القطع المصنوعة من المرمر أو البرونز، لكن جميع قطع الأثاث الخشبية فقدت.

ومع أن الرومان استوحوا أكثر أنماط أثاثهم ممن سبقهم فقد أدخلوا عليها تنويعات مهمة، وابتكروا أنماطاً جديدة. فقد عدلوا شكل الأريكة اليونانية مثلاً بأن أضافوا إليها ظهراً مرتفعاً ومسنداً أو مسندين جانبيين مرتفعين، وابتكروا الأريكة النصف دائرية Sigma التي تستعمل في حفلات الترفيه وتتسع لثلاثة أشخاص.

أما الكراسي فقد تنوعت أنماطها وأشكالها، وأكثرها استعمالاً المقاعد المربعة الثابتة من دون ظهر، وقد طور الرومان الكرسي الملكي اليوناني فغدا أصغر حجماً وله مسندان للذراعين وظهر مستدير من قطعة واحدة مع المسندين وجلسته مربعة أو نصف دائرية وقوائمه على هيئة قوائم الحيوانات، وهو الكرسي المعروف باسم «سوليوم» Solium ومخصص لذوي المكانة الرفيعة. كذلك طور الرومان الكرسي «كليسموس» اليوناني فجعلوه أغلظ بنية وسموه «كاثدرا» Cathedra وصار مخصصاً للنساء أساساً. وثمة كرسي آخر كان مخصصاً للقضاة وأصحاب المناصب يدعى سرج «كورول» Sella Curulis ومقتبس عن اليونان، وهو كرسي قابل للنقل لـه إطار متصالب على شكل X وقوائم محنية وعليه حشية صغيرة مغلفة بالجلد أو بقماش ثمين.

كانت الطاولات الرومانية أكثر تنوعاً من اليونانية، وأكثرها شيوعاً الطاولة المستديرة أو المستطيلة المحمولة على ثلاث قوائم أو أربع، والطاولة المستديرة أو المربعة المحمولة على قاعدة واحدة في الوسط. وكانت قوائم الطاولات عموماً على هيئة قوائم الحيوانات أو هيئة حيوانات مجنحة أو طيور، وقد عثر في مصر على طاولة من العصر الروماني من خشب مزخرفة برؤوس إوز رشيقة الأعناق تبرز من حزمة من أوراق الأقنثوس وتحتها قوائم وعل ذوات أظلاف دقيقة الصنع (محفوظة في متحف بروكسل).

ومن أهم إسهامات الرومان في تطور الأثاث ابتكارهم الخزانة ذات البابين المطورة عن الصناديق المصرية واليونانية، وكانت تصنع من الخشب أو المعدن المطعم والمزخرف وتستخدم أصلاً لحفظ الدروع والأسلحة فعرفت باسم أرماريوم (armoire) armarium ثم صارت تستعمل لحفظ الأشياء الثمينة والنقود والأدوات المنزلية، ولحفظ الكتب.

عدد زيارات الموقع

147,082