مصادر الكاتب

 

 

يعتمد الكاتب الدرامي ( سواء أكان كاتبا مسرحيا أو اذاعيا أو سينمائيا أو تليفزيونيا ) على عدة مصادر لاستلهام موضوع عمله ، و أهم هذه المصادر :

 

1-   المصدر التاريخي ،

2-    المصدر الأسطوري ،

3-    المصدر الواقعي ،

4-    المصدر الشعبي ،

5-    المصدر الخيالي .

 

أولا – المصدر التاريخي :

أول عمل درامي كامل وصلنا من تراث المسرح الاغريقي ، كان مسرحية ( الفرس ) للكاتب الاغريقي أيسخيلوس .. هذه المسرحية اعتمدت اعتمادا أساسيا على التاريخ كمصدر لموضوعها .

يستلهم الكاتب موضوعا تاريخيا ما ، بشرط ألا يختلف مع الأصل التاريخي في الخطوط العريضة للاحداث اذا كانت معالجته معالجة واقعية .. أما اذا كانت المعالجة معالجة درامية فانتازية ، فان الكاتب وقتئذ يخرج عن دائرة الالتزام بحرفية الأحداث التاريخية ، فيدمج بين صلاح الدين الأيوبي مثلا ، و شخصية فرعونية مثل الملك مينا ، أو شخصية معاصرة تخوض معركة مثل حرب أكتوبر 1973 .

و من أشهر المسرحيات التي استلهم كتابها موضوعاتها من التاريخ : مسرحيتي ادوارد السادس و هنري الخامس لشكسبير ، و مسرحية مصرع كليوباترا لأحمد شوقي .. و غيرها .

 

ثانيا – المصدر الأسطوري :

 

و هو من أشهر مصادر الكتابة الدرامية قديما ؛ اعتمد عليه كل كتاب التراجيديا عند كل من الاغريق خلال القرن الخامس قبل الميلاد  أمثال أيسخيلوس و سوفوكليس و يوربيديس ، و الفرنسيين في القرن السابع عشر الميلادي أمثال كورني و راسين ..

و بالرغم من أن المصدر الأسطوري كان واحدا ، الا أن كتاب التراجيديا عند الاغريق و الفرنسيين كانوا يقدمون معالجات درامية مختلفة عند كل كاتب . تبعا للمعالجة و الرؤية الفكرية و الدرامية التي يعالج بها تراجيديته .

 

 

ثالثا - المصدر الواقعي :

 

     هو المصدر الذي يمكن أن ندرج تحته عدة مصادر فرعية ، هي :

1- الحوادث المنشورة في الصحف السيارة ،

2- التجارب الشخصية للكاتب ،

3- التجارب الشخصية لأناس يعيشون في محيط الكاتب الاجتماعي ،

 

و يعتبر هذا المصدر من أشهر المصادر التي يعتمد عليها الكاتب في استلهام موضوعات دراماته في العصر الحديث ..

 

رابعا - المصدر الشعبي :

خلال العصر الحديث ، لجأ كتاب الدراما الى المصدر الشعبي كمصدر من مصادر استلهام موضوعات الدراما ، و من أهم مكونات هذا المصدر :

1-   الحكايات الشعبية ( مثل حكايات ألف ليلة وليلة ) التي اعتمد عليها ألفريد فرج مثلا في مسرحيتيه ( بقبق الكسلان ) و ( رحمة و أميرالغابة المسحورة ) .

2-    الموال القصصي : مثل موال حسن و نعيمة ، و موال أدهم الشرقاوي . و قد استلهم شوقي عبد الحكيم مثلا الموضوع الأول في مسرحية حسن و نعيمة .

 

 

خامسا - المصدر الخيالي :

و هو المصدر الذي يعتمد فيه الكاتب على خياله البحت . و فيه نرى كائنا غير بشرية تم صبغتها بالصبغة الانسانية ؛ كالحيوانات أو النباتات .. و أحيانا يجنح الكاتب الى استنطاق كائنات متخيلة ككائنات الفضاء مثلا أو أعماق البحار ..

و قد يعتمد الكاتب على سلوك خيالي لانسان ؛ مثل الفيلم الأمريكي ( وحدي في المنزل ) ؛ الذي نرى فيه طفلا لم يتجاوز العام و النصف يصارع عصابة خطيرة و يقضي عليها .

 

 

 

ماقبل الكتابة

 

 

قبل أن يشرع الكاتب في مسك قلمه ليخطه على صفحة بيضاء ، معلنا بذلك كتابة عمله الدرامي ، فلابد و أن يكون قبل كل شئ محتشدا بالعالم الدرامي الذي فكر فيه و رآه في مخيلته رأي العين .

فالكاتب يكون قد حدد الموضوع الذي قرر معالجته دراميا .. هذا التحديد قد يستغرق وقتا طويلا في تحديد الحدث Action أولا ؛ سواء كان مصدره تاريخي أو أسطوريا ، أو غير ذلك من المصادر التي عرفناها . و في ذلك الحدث ،  نجد أسماء شخصيات : تسلك سلوكا محددا و تخوض معارك حياتية من أجل الحصول على شئ ما .. و في سبيلها الى تحقيق هدفها ، فانها تستعين بأصقاء ، كما تعادي بعض الشخصيات فيكونون لها أعداء . و لكل شخصية من هذه الشخصية ( سواء صادقت البطل أو عادته ) مجموعة من المواصفات الجسمية و الاجتماعية و النفسية .. يقوم الكاتب بوضع هذه الحكاية في مخيلته بشخصياتها و أماكنها و زمانها .. يعايشه .. حتى يصل الى درجة يشعر فيها أنه يعرف هذه الشخصيات معرفة عن قرب ، و يشعر بحالة المكان و الزمان كأنه عاش فيه من قبل . و يظل الكاتب حاملا لعالم الحكاية في مخيلته ، حتى يصل الى الوقت الذي يشعر فيه أنه يجب أن يخرج هذا العالم الى النور في صورة درامية حية . و يشبه بعض الكتاب المخضرمين هذه الحالة بحالة المخاض ، حيث يخرج المولود الى النور .

 

 

من مخيلة الكاتب الى الورق

 

بعدها يبدأ الكاتب – بشكل منطقي – في تصميم الشكل الموضوعي لدرامته ؛ معتمدا على تقاليد الكتابة في عصره ؛ فيبدأ في وضع خطة للأحداث على الورق معتمدا على البناء الدرامي الذي نذكره كالتالي :[

 

أولا – حبكة العمل الدرامي :

و نعني بالحبكة : ترتيب الأحداث كما تقع في المسرحية ، و خلالها يضع الكاتب تصورا أو خطة يوضح فيها مسار الشخصية الرئيسة و الهدف الذي تسعى اليه و من تعاونه من شخصيات و من تعوقه أو تعارضه ، بحيث تبدو خريطة الحدث واضحة أمام عينيه .. ثم يبدأ الكاتب في تقسيم هذه الخطة الى وحدات ، تشكل كل منها موقفا ، و يبدأ في كتابة كل موقف ، معتمدا على معايشته لكل شخصية في هذا الموقف الدرامي او ذاك حتى ينهي جميع مواقف المسرحية معتمدا على مراحل الحبكة الرئيسة ، و هي

 

1- مرحلة التمهيد ،

2- مرحلة التعقيد ,

3- مرحلة الحل .

 

 

 

 

1- مرحلة التمهيد :

 

و تمثل مرحلة التمهيد خطوة هامة من خطوات الكتابة الدرامية ؛ ذلك لأن الكاتب يعرض خلالها العناصر التالية :

أ- نوع المسرحية ( مأساة – ملهاة ) ،

ب- القضية الأساسية المطروحة خلال المسرحية ،

ج- أهم ملامح الشخصيات الأساسية .

 

ففي الأسطر الأولى ، و ربما من وصف المنظر المسرحي في صدر المسرحية ، يمكن أن يوحي الكاتب بالنوع المسرحي ، فأحيانا نجد وصفا لمنظر مسرحي كئيب ليوحي بمأساوية ما سنتلقاه بعد قليل ، مثل وصف سجن أو قبو في بيت قديم .. الخ . كما يمكن أن نلمح الطابع الملهاوي للمسرحية من خلال المنظر المسرحي أيضا ، حيث تشيع ألوان مبهجه و مناظر تسر العين .

و اذا تأملنا صدر مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس لوجدنا الصلوات و الشكوى التي يؤديها حكماء طيبة أمام الملك أويب يشكونه سوء الأحوال بمدينتهم .. و هذا يشي لنا بأننا ازاء مسرحية مأساوية .

كما تحتوي مرحلة التمهيد أيضا على عرض القضية الأساسية المطروحة خلال المسرحية ؛ حيث نرى خلالها طرحا فكريا مكثفا للموضوع المسرحية الذي ستشغله المسرحية كلها فيما بعد . و يمكن أن نتذكر ذلك من خلال نموذجنا الدرامي مسرحية أوديب ملكا لسوفوكليس ؛ حيث نعلم أن القضية الأساسية للمسرحية هو وجود طاعون في مدينة طيبة نتيجة لرجس ألم بها ، بعد مقتل لايوس الملك السابق لها .

اضافة الى ما تقدم ، تحتوي مرحلة التمهيد أيضا على استعراض الملامح الأساسية لشخصيات المسرحية الرئيسة ، و فيها يتم التعرف عن قرب على هذه الشخصيات بشكل درامي ، أي عن طريق أفعالها ..  ففي مسرحية أوديب ملكا نرى ملمح الكبر الجملة الأولى التي يخاطب فيها حكماء طيبة ، بقوله : أي أبنائي .. ثم يبدأ في استعراض مآثره و قدرته على ازاحة الهولة عن الطريق المؤدية الى طيبة . هذه النغمة التي يتكلم بها ، تؤسس لما يمكن أن نراه عليه طوال المسرحية ، و تكون دافعا موضوعيا لنهايته المأساوية .

و تنتهي مرحلة التمهيد ، و بالتالي تبدأ مرحلة التعقيد ، بما نطلق عليه ( الوصول و الغياب ) ، و نعني به وصول شخصية أو شئ أو فكرة و غيابها ، و بالوصول أو الغياب يبدأ الحدث ، و بالتالي يبدأ عنصر التوتر و التشويق .

ففي مسرحية أوديب ملكا  ، ما كان الحدث يبدأ لولا وصول كريون بخبر سبب الطاعون الذي اجتاح مدينة طيبة .. و مع وصول كريون بهذا الخبر ، يبدأ حدث المسرحية في التشكل و يتطور عبر سلسلة من تساؤلات أوديب التي لا تنتهي الا بمأساته .

تستمر مرحلة التعقيد بمستوياتها المختلفة صانعة التشويق بما يصحبه من توتر ، و عند مستوى ذروة التعقيد ، التي يقوم فيها المؤلف بجمع كافة الخيوط في جديلة واحدة .

و حينما تصل مرحلة التعقيد الى الذروة ؛ حيث النهاية القصوى لعقدة و التي تفضي بعدها للمرحلة النهائية في الحبكة وهي مرحلة الحل .

و خلال مرحلة الحل يقوم الكاتب بحل جديلة الحدث – خطا خطا – و بشكل منطقي و مستقى من داخل الحدث نفسه ، لا من خارجه .. و بشكل درامي ؛ فاذا كان الكاتب ينتقل – خلال الحدث – من موقف الى موقف آخر معتمدا على منطق الضرورة أو منطق الاحتمال ، فان مرحلة الحل يجب أن تكون النتيجة المنطقية لكل ما سبق ، اعتمادا على ملامح الشخصيات و مقومات الفعل الدرامي .

و من الضروري أن ننوه الى أهمية ألا يترك الكاتب أية أسئلة معلقة بلا اجابة ، الا اذا كان مقصودا .

 

ثانيا – الشخصيات : 

 

تظل الشخصية الدرامية حبيسة الكاتب الدرامي ، ثم تتحول الى طورها الثاني وهو الدور ، و أخيرا تتحول الى شخصية مرة أخرى و لكن من لحم ودم هذه المرة خلال الأداء التمثيلي .

و للشخية الدرامية جملة من الملامح ، هي :

 

·       الملمح الجسدى للشخصية ،

·       الملمح الاجتماعي للشخصية ،

·       الملمح النفسي للشخصية ،

·       الملمح الدرامي للشخصية .

 

و يتم تصوير الشخصية بداءة من خلال صورتها المادية : رجل / امرأة ، بدين / رفيع ، طويل / قصير ، سليم / معاق .. الخ . و لكل من تلك الصفات دلالاتها التي تفيد في الفعل الدرامي الذي تجتاحه الشخصية .فالشخصية القوية لابد أن يكون لها مميزات جسمية أو بدنية تؤهلها لذلك ، كما أن الشخصيات الضعيفة تبدي ما لها من ضعف بدني في التصور التقليدي العام الذي يتفق فيه غالبية البشر . كما أن سلوك المرأة يختلف بالضرورة عن سلوك الرجل تجاه الأحداث ؛ فالمرأة – كما هو معروف عنها – تفكر بعاطفتها ، في حين ينظر الرجل الى العالم – في الغالب الأعم – من منظور العقل .

أما الملمح الاجتماعي ، سواء كان تعبيرا عن طبقة اجتماعية للشخصية مثل العبد و الأمير و الملك ، فان الشخصية تتحرك في محيط طبقتها الاجتماعية ، كما أن الظروف المالية للشخصية تمثل محركا أيضا لسلوك الشخصية . و هناك العامل الثقافي للشخصية ؛ فالطبيب يفكر بطريقة مختلفة عن بائع الحلوى المتجول ، و المثقف يتحرك بطريقة مختلفة في العالم الدرامي عن الجاهل .

أما العامل النفسي ، فيمكن وصفه بأنه نتيجة منطقية للملحين السابقين ( الاجتماعي و البدني ) ، كما يبين بشكل خاص في درامات ابسن .

ويبقى الملمح الدرامي ؛ و هو يعني الوظيفة الدرامية للشخصية في العمل الدرامي بوجه عام ، و في الموقف الدرامي بوجه خاص . و علينا أن نبرر وجود الشخصية في أي موقف درامي تظهر فيه ، و أن يكون لها وظيفة درامية محددة و واضحة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: الكاتب نفسه
  • Currently 73/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 2029 مشاهدة
نشرت فى 30 نوفمبر 2010 بواسطة masrahy

ساحة النقاش

د.عصام الدين أبوالعلا

masrahy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,451