سنتجاوز سؤال البدايات في الرواية وهو السؤال الذي يملك أكثر من إجابة تبقى في مجملها قابلة لإعادة النظر لانطلاقها أصلا من وجهات نظر خاصة بنشوء هذا الجنس،وكذا باعتبار أن معظم منظري الرواية هم روائيون " يفكرون في ممارستهم ويبررون موقفهم الإيديولوجي أو تقنيتهم الأدبية" (1)، وسيكون الامر أعقد فيما يخص الرواية العربية.غير أن هذا ليس السبب في تجاوزنا لقضية النشأة بل لأن ما يهمنا هو العلاقة التي ربطت الرواية بالتاريخ لتنشئ نوعا خاصا عرف بالرواية التاريخية.

إن الموضوع الأساسي للتاريخ هو الواقع بينما واقع الرواية متخيلها كمبنى أساسي. وقبل أن تمنحنا الرواية التاريخية اندماجا للواقع بالمتخيل، نتساءل مع جيرار جينات عن إمكانية إلغاء أحد العنصرين(الواقع/المتخيل) من بنية كل من التاريخ والرواية خاصة وأن لكل منهما علاقة بالتعبير، الحدث والإنسان ، يقول جنيت: " هل وجد يوما ما متخيل محض ؟ ولا-متخيل محض؟ " وبإمكان جملة طارق علي التالية أن تلخص الإجابة:"الخيال عند الروائي مقدس والحقيقة مجال للانتهاك ، ولا بد أن العكس صحيح عندالمؤرخ " (2). إلا أن السبيل الوحيد للتفريق يبقى طغيان أحد العنصرين على الآخر، والذي يحدد المسافة والمجال، فالتاريخ يحتمي بماهو حقيقي، ويحاول تلمس الوقائع والمجريات التي حدثت فعلا، بينما الرواية تشتغل على مساحات الخيال، ذلك أن ما يحددها ليس"سماتها الشكلية بقدر ما تتحدد بمدلولها ، المرتبط عادة بفكرة المتخيل " (3)، محاولة الإيهام بالواقع إلا أنها تتفاداه حتى ُتبقي على كينونتها ونسقها الخاص، رغم أنها لا تخلو من حقيقة هي الأخرى.

إن علاقة التاريخ بالرواية علاقة وطيدة، حيث "تزامن صعود الرواية الأوروبية، في القرن التاسع عشر,مع صعود"علم التاريخ"اتكأ الطرفان على مقولة الإنسان الباحث عن أصوله" (4). لكن العلاقة الحقة هي التي استوعبت فيها الرواية بنية التاريخ وضمتها إلى هذا التضام بانهيار نابليون"تقريبا" Lukacs نسيجها الخاص الداخلي، وقد حدد لوكاتش، في مطلع القرن التاسع عشر، مع ظهور رواية وولترسكوت "ويفرلي" عام 1814 (5) وإن كان ذلك لا ينفي وجود أسلاف لها قبل هذا التاريخ.

لقد أنتج الزمن الأوروبي- خاصة- التاريخ، وأنتج رواية تستدعي هذا التاريخ لتبقيه حيا ولتجعل سيطرتها عليه متكررة و متجددة . فماذا عن الزمن العربي بالمقابل ومن ثمة الرواية العربية.

لقد أصبح الاهتمام بالنصوص السردية في الوطن العربي اليوم كبيرا وواسعا، وبالرواية على وجه الخصوص سواء من حيث الكتابة أو الإهتمام النقدي وحين نقول النقد فإننا نقول بشكل أو بآخر القراءة بكل مستوياتهاإلى حد جعل بعض النقاد يعتبرونها" ديوان العرب في القرن العشرين"(6).

المصدر: 1-برنار فاليط، النص الروائي ،تر: رشيد بن حدو،المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1992. ،ص27. 2-طارق علي :"تأملات في الرواية والتاريخ" ،ندوة الرواية والتاريخ دار الكتب القطرية. 2005 ،ص30. 3-. برنار فاليط، النص الروائي،ص 06. 4- فيصل دراج الرواية وتأويل التاريخ، ص 5. 5-جورج لوكاتش، الرواية التاريخية، تر: صالح جواد الكاظم ،دار الطليعة، بيروت، 1978. ص11. 6- عبد الله إبراهيم السردية، العربية الحديثةالمركز الثقافي العربي ،ط:1/ 2003، ص 297 .
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 239 مشاهدة
نشرت فى 7 يونيو 2015 بواسطة marwa15

عدد زيارات الموقع

4,973