جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
كيف تتدرج في الحرف القيادية؟
|
|
عندما قرر الدكتور هنري توماس كتابة التاريخ، تاريخ الحضارة، بأسلوب جديد، روى هذا التاريخ بلسان نخبة من الرجال والنساء الذين كان لهم أثرهم في إغناء التراث الحضاري، فبدأ بموسى حتى انتهى بغاندي، مروراً بقادة الفكر وزعماء السياسة وكبار الفاتحين وأصحاب الرسالات الدينية، وقال في تقديم هؤلاء القادة إلى القراء انهم كانوا يملكون سرّ القيادة، وكانوا من ذوي المخيلات المولّدة. سواء كان الزعيم رجل أعمال أو سياسياً أو أستاذاً، أو رجل دين فهو مدين بزعامته لمخيلته العجيبة. فالمخيلة كانت ولا تزال أساس التفوق. والزعماء الذين استنطقهم هنري توماس في كتابه تاريخ البشرية غذوا أحلاماً لو تحققت لتغير معها وجه العالم وسير التاريخ. ألم يحلم بيريكليس بعالم يعيش فيه الناس متآخين في كنف الديمقراطية الحقة؟ وأفلاطون ألم يضع نصب عينيه، وهو بعد تلميذ يرد مناهل المعرفة والعلم، تحقيق المجتمع الأفضل وتنشئة المواطن الصالح؟ والمسيح عندما اتخذ من المحبة شعاراً له ألم يتخيل عالماً يسوده الإخاء؟ ألم يجعل لوثر مثله الأعلى الحرية الدينية، وسبينوزا الحرية الفكرية، وكارل ماركس الحرية السياسية. لم يكن هؤلاء خياليين، بل كانوا واسعي الأفق، متوقدي الذهن، مهرتهم مخيلتهم بقدرة عجيبة على دفع الآخرين إلى العمل. وقيادة الجماهير فن لا يحذقه إلا الموهوبون، المؤهلون للزعامة. سئل نابوليون: بأية قوة سحرية تدفع برجالك إلى الموت؟ .. فأجاب: (بقوة الكلمة). ما قدم الامبراطور الفاتح إلى جنوده أكثر من امكانية الموت في ساحات بعيدة عن الوطن، ومع هذا كانوا يمضون إلى لقاء الموت بجذل وحماسة لأن القائد الكبير عرف كيف يشغل مخيلاتهم بصور رائعة وألفاظ ساحرة. فقبل حملة إيطاليا قال مخاطباً جنوده في وقتك اتن فرنسا تعاني أزمة طعام: (إني منطلق بكم إلى أخصب السهول في الدنيا، وستجدون في إيطاليا المجد والسؤدد والثروة). وفي مصر قال لهم مشيراً إلى الأهرام: (أيها الجنود، إن أربعين قرناً تنظر إليكم من هذه الأهرام). ومن أهم مرتكزات الزعامة أن يفهم الانسان نفسية الآخرين ليسهل عليه التلاعب بأفئدتهم وتوجيههم وقيادتهم. فإذا استطعت إدارة مشروع تكون مؤهلاً لتسيير جماعة من الناس، وهذا يعني أنك مؤهل للزعامة. كان جون روكفلر يقول: (عندما اختار معاونيَّ اؤثر منهم مَن كان ذا مواهب، ولا سيما موهبة التأثير في الآخرين وقيادتهم). والزعيم الزعيم هو مَن استطاع تنشئة زعماء آخرين، أي مَن كان قادراً على الاختيار والتوجيه وعلى إلهام الذين يعملون معه. فجميع رجال الأعمال الذين نجحوا عرفوا كيف يحيطون أنفسهم بمعاونين قادرين على الاختيار والتوجيه. عندما سلم نابوليون إلى نفر من الضباط الشبان عصا المارشالية عاتبه بعض أصدقائه على إغفاله شأن الضباط القدماء، فكان جواب الامبراطور: (اكتشفت في الضباط الشبان مواهب ليس للقدماء شيء منها. فكل واحد من المارشالات الجدد يصلح لأن يكون نابوليون، والزعيم الحقيقي هو مَن يحيط نفسه بمعاونين لهم قماشة الزعماء). أنا أسمّي نابوليون وأمثاله (مكتشفي المزايا)، وأسمّي رجال الأعمال الذين يتذمرون دائماً من شركائهم أو معاونيهم (مكتشفي العيوب). ذلك أن في كل منّا مزايا وعيوباً، والزعيم الحقيقي هو مَن اكتشف المزايا وأنماها، أما الذين لا عمل لهم إلا انتقاد عيوب العاملين وإياهم، فإن الأنانية تشدّ على عيونهم عصابة سوداء فلا يرون إلا ما يحبون رؤيته: العيوب. لدى الناس فكرة خاطئة عن الزعيم أو الرئيس ـ كل رئيس ـ : فهو في نظرهم رجل قاسي الملامح دائم العبوس، ينظر إلى الآخرين من علُ، إنها صورة بشعة للطاغية، للرئيس الذي اتخذ من القوةوحدها مرتكزاً لزعامته. كان جورج واشنطن جم الأدب، متواضعاً، وكان نابوليون يمازح جنوده ويجالسهم ويواكلهم، وكان المسيح يغسل أرجل تلاميذه ويلاعب صغارهم، وكان النبي العربي مضرب المثل في ديمقراطيته. في أميركا شركة جبارة تدعى شركة الصلب المتحدة، ويديرها أربعة رجال لم يتخطّ كبيرهم العقد الرابع. ويعمل الرؤساء والمرؤوسون في جو يسوده الود والتفاهم المتبادل، لأن المديرين الأربعة أبعد الناس عن الغطرسة والنزعة إلى التحكم، يشيعون في المصانع والورشات والمكاتب المرح والسرور. وفي العام 1939م انتقد أحد أعضاء مجلس الادارة هذا الجو الذي يسود الشركة فأجابه اندرو كارنيجي أحد المديرين الأربعة قائلاً: (ربحت الشركة هذا العام ستة ملايين وربع المليون، فإذا استطعت إقناعي بأننا نضاعف الربح في العام المقبل بفضل العبوس والغطرسة فإننا نحن المديرين الأربعة نتخلى عن مراكزنا لرجال يفهمون الإدارة غير ما نفهمها نحن). فاعتذر الرجل، وامتدح مجلس الادارة من طريقة المديرين الأربعة في تسيير أعمال الشركة. استمعت منذ أشهر إلى محاضرة لأستاذ في جامعة هارفرد موضوعها: (كيف تبلغ مرتبة القادة؟) ومما قاله ان الزعيم أو القائد (بمعناها المطلق) يتحلى بصفات عشر هي: 1 ـ القدرة على اتخاذ مقررات مرتكزة على الوقائع لا على العواطف والمؤثرات، 2 ـ بعد النظر، 3 ـ العدالة، 4 ـ سعة لاصدر، 5 ـ الإقدام، 6 ـ الذماء وحضور البديهة، 7 ـ البت السريع، 8 ـ حسن التصرف، 9 ـ سعة الأفق، 10 ـ الشجاعة وعندي أن الشجاعة هي في رأس السجايا التي يجب أن يتحلى بها مَن يطمح إلى ادارة عمل أو قيادة جماعة من الناس. وقد سئل أفلاطون: (مَن ترشح لرئاسة الجمهورية الفضلى؟) فأجاب: (أرشح الرجل الذي يواجه الصعاب برباطة جأش ولا ينكص على عقبيه تهيباً أو تخاذلاً). وقال نابوليون في تعريف الزعيم أو الرئيس: (إنه الرجل الذي يسير قدماً نحو الهدف مهما يقم في طريقه من عقبات). ومن تحصيل الحاصل القول إن تذليل العقبات والخروج من المآزق الحرجة أمران لا يمكن تصورهما بدون المخيلة النشيطة. فبفضل المخيلة يستطيع المرء أن يرى ما وراء المصاعب الماثلة، وأن يتذرع بالصبر ويكافح كفاح المؤمن بقدرته على بلوغ النمشتهى بفضل شجاعته وصبره وثقته بنفسه. والشجاع ليس دائماً شجاعاً بالفطرة. فالشجاعة من السجايا التي يمكن اكتسابها بالمران. ويمكنني الجزم، على ضوء اختباراتي ودراساتي الطويلة، بأن الأولاد الشجعان قلائل جداً، وانهم يكتسبون هذه السجية تدريجاً في البيت والمدرسة والمجتمع. ومَن يتتبع النشاط البشري في شتى الميادين يرَ أن معظم الذين يتولون القيادة هم من الكهول، وهذا يعني أنزمام القيادة ينتهي إلى مَن ينتهي إليهم بعد مران طويل. أعرف رجلاً بعيد النظر عمل على إنماء ملكة القيادة عند ولده منذ نعومة أظفار هذا الولد. فقد أتاح له الفرص للتوجيه، فكان الولد على التوالي رئيس فريق رياضي ورئيس الكشاف والسباح الأول. وبعد خروجه من المدرسة أصاب في مديان الأعمال نجاحاً كبيراً، وفي الحرب الأخيرة كان في عداد المبرزين، كل هذا لأنه تدرج في حرفة القيادة والتوجيه. ـ حيثما وجدت اعتبر نفسك دائماً مؤهلاً للقيادة والتوجيه. ـ اتقن فن التأثير في مَن يحيطون بك وكسب ثقتهم. ـ اعرف نفسك فيسهل عليك اكتشاف سجايا الآخرين وعيوبهم.
|
ساحة النقاش