<!-- instancebegineditable name="h2" --><!articleheader>
هل تتحول مصر ديمقراطيا ؟ بقلم: د. <!endarticleheader><!-- instanceendeditable --> | |
|
|
ليس هناك خلاف علي أن مصر تشهد حراكا سياسيا فاعلا. ولكن هل سيؤدي هذا الحراك السياسي بالضرورة إلي حالة من التحول الديمقراطي؟ وكيف يمكن توصيف ما يحدث في مصر الآن علي ضوء أدبيات ونماذج التحول الديمقراطي التي تحققت في دول أخري في أوروبا الشرقية وأسيا وأمريكا اللاتينية؟ الاجابة المباشرة علي هذا التساؤل هي أنه ليس كل التحولات السياسية تؤدي بالضرورة إلي تحقيق الديمقراطية في نهاية الأمر. فمن مجموع ما يقرب من100 دولة مرت بحالة التحول من نظم تسلطية إلي نظم أكثر إنفتاحا خلال السنوات القليلة الماضية, تمكنت عشرون دولة منها فقط في المضي في بناء نظم ديمقراطية ناجحة. بل أن الحالة الشائعة بين الدول التي بدأت مسيرة الانفتاح السياسي هي ما يطلق عليه توماس كاروثرس حالة' المنطقة الرمادية', أي فترة ما بين الديمقراطية الكاملة والديكتاتورية الفجة. وهي فترة تبدأ بالانفتاح السياسي للنظام التسلطي والانتقال لتأسيس نظام جديد مستقر ليس ديمقراطيا بالضرورة. وعادة ما يأتي هذا التحول الفوقي كنتيجة لإحساس النخبة السياسية الحاكمة بنقص شرعيتها وصعوبة استمرارها في انتهاج سياسات قمعية لمدة طويلة دون مشروعية, أو نتيجة للضغوط المتصاعدة من المعارضة الداخلية والمجتمع الدولي, أو بسبب أزمات إقتصادية تؤثر علي استقرار النظام, أو لحاجة النخب الحاكمة لضمان استمراريتها وبقائها في السلطة لفترات أطول علي أساس جديد من الشرعية. وفي مثل هذه الحالات لا تكون الديمقراطية هي القيمة العليا وانما الحاجة الي التقليل من الضغوط علي النخب الحاكمة واكتساب رضاء ودعم القوي الخارجية.
وفي فترة الانفتاح السياسي, يقوم النظام بتقديم تنازلات للمعارضة, ويسمح بمساحة أكبر من الحريات, ويتبني سياسات أقل قمعا, ويقوم باستبدال بعض عناصر الحرس القديم بعناصر تبدو وكأنها إصلاحية معتدلة. ولكن النظام نفسه لا يتغير ويظل يحافظ علي سماته التسلطية والقمعية وهيمنته علي العملية السياسية. وعادة ما تجري إنتخابات وبصورة دورية, تضمن النخب السياسية النصر فيها دائما. وبالتالي لا تشكل الانتخابات في هذه الفترة فرصة حقيقية لتدوال السلطة, أكثر من إتاحتها الفرصة لتشكيل وتفعيل الفضاء السياسي وتمكين قوي المعارضة من تنمية قدراتها وخبراتها, خاصة تلك التي عانت من التهميش والقمع من قبل النظام لفترات طويلة. إذن فالتحول عن الحكم الواحد التسلطي لا يعني بالضرورة التقدم نحو الديمقراطية, وإنما قد تنشأ حالة من الهيمنة الأحادية علي موازين القوة السياسية, أي سيطرة جهة أو قوة واحدة( حزب حاكم, رئيس متسلط, حركة سياسية, أو أسرة حاكمة) علي النظام السياسي بصورة لا تسمح بالمنافسة السياسية الحقيقية أو تداول السلطة. وتتميز هذه الحالة بوجود مساحة محدودة وربما ملحوظة من الحراك السياسي, ولكن تحت سيطرة وإرادة قوة واحدة تحاول أن تتحكم في نتائج مسار الانفتاح. فمثلا تتوفر بعض ملامح الحياة الديمقراطية في تلك النظم: مساحة للتعبير السياسي للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني, انتخابات بصورة منتظمة, وحتي دساتير ديمقراطية. ولكن علي الجانب الآخر, تعاني عملية الحراك السياسي من مشاكل كبيرة مثل ضعف المشاركة السياسية( ربما خلال عملية التصويت), ضعف وتشتت أحزاب المعارضة, عدم تمثيل مصالح المواطنين, سوء إستخدام القانون من قبل النظام, انتخابات مشكوك في نزاهتها, ضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة, وأداء حكومي ضعيف. ومن مشاكل هذه الحالة أيضا تماهي الحزب الحاكم والدولة بكافة مواردها ومحاولة الحزب وضع تلك الموارد تحت تصرفه, محاولات السيطرة علي النظام القضائي والحيلولة دون استقلاليته, تجيير الانتخابات لصالح النخبة الحاكمة وتحويلها إلي'عملية مسرحية مقنعة للحصول علي تأييد المجتمع الدولي.' كما تجد أحزاب المعارضة صعوبة في الحصول علي مصداقية بسبب بعدها عن مواقع السلطة وموارد الدولة. وتؤدي سيطرة قوة واحدة علي السلطة إلي تنامي الفساد وبروز طبقة من الرأسمالية اللصيقة بالسلطة والمقربة منها. وبسبب تلك النواقص فإن هذه النظم يمكن أن تحظي بالاستقرار والاستمرارية, حيث أن الخروج من هذه الحالة لا يتم بسهولة, وإن يكن ليس مستحيلا. هناك سيناريوهات متعددة لما يمكن أن تقود إليه عملية الانفتاح السياسي:1- النجاح في التحول إلي نظام ديمقراطي حقيقي,2- الردة إلي نظام حكم قد يكون أكثر قمعا وقسوة من النظام التسلطي السابق,3- حالة من التخبط تنشأ نتيجة لتدوال حكومات متعاقبة الحكم دون أن تستطيع أي منها تقديم حلول مقبولة وناجحة لمشكلة بناء مؤسسات جديدة للسلطة,4- مواجهات واسعة وعنيفة تسمح لقوي متشددة أن تحدث تغييرا واسعا يتجاوز المجال السياسي( تغيير إجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي جذري).
وقبل الدخول في عملية تبين أي من هذه الاحتمالات أقرب للحالة المصرية, قد يكون من المفيد إلقاء الضوء علي نماذج ثلاث دول تحولت تدريجيا من سلطة الحزب الواحد إلي نظام أكثر ديمقراطية, وإن يكن ماتزال تعاني عملية التحول من بعض القصور. تلك الدول هي المكسيك وكوريا الجنوبية وتايوان, وربما تشترك معهم الحالة المصرية في سيطرة الحزب الحاكم علي العملية السياسية, والتحول التدريجي الطويل البطئ نسبيا( استغرقت تلك الدول حوالي40 عاما للانتقال من نظام سلطوي إلي نظام مفتوح), ووجود معارضة سياسية ضعيفة ومقسمة, وإجراء إنتخابات بصورة دورية ولكن بأساليب قللت من مصداقيتها, وانتشار الفساد وضعف الأداء الحكومي. وكان المفتاح الأساسي في عملية التحول هو تمكن أحزاب المعارضة بعد عدة عقود الضغط والصراع من تحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية, منهية بذلك السيطرة الأحادية للحزب الحاكم في تلك البلدان. واشتركت تلك الدول في بعض العوامل مثل:
أولا: التاريخ الطويل من الانتخابات( لمدة50 عاما تقريبا في كل بلد) التي هدفت إلي دعم شرعية نظام الحزب الواحد وسلطة النخب الحاكمة وامتصاص ضغط المعارضة والمجتمع الدولي. إلا أن هذه الانتخابات شابها التزوير والترهيب والرشوة واستخدام مؤسسات الدولة لدعم مرشحي الحزب الحاكم والسيطرة التامة علي وسائل الاعلام. ولكن في النهاية تمكنت المعاضة من الفوز في الانتخابات الرئاسية وإنهاء حكم الحزب الواحد( فوز كيم داي زونج في كوريا1997, وتشين شوي بيان في تايوان عام2000, وفينسنت فوكس في المكسيك عام2000).
ثانيا: وجود أحزاب معارضة طوال تلك العقود من السيطرة الأحادية علي الحكم, وحرص النظام علي إبقاءها ولكن مع اضعافها لإعطاء الانتخابات المزورة صورة تنافسية مقبولة للرأي العام الخارجي.
ثالثا: إجراء اصلاحات في القوانين الانتخابية بشكل تدريجي نتيجة للضغوط الداخلية والخارجية, واضطرار تلك النظم للاستجابة, لتخفيف حدة الضغوط عليها وللظهور بصورة ديمقراطية أمام الخارج, مع الاحتفاظ في نفس الوقت بسيطرتها علي العملية السياسية( المكسيك من عام1977 حتي1996, تايوان من1980 حتي1986, كوريا في عام1987). ففي عام1977 في المكسيك سمحت الاصلاحات الانتخابية بمشاركة الأحزاب اليسارية, وتخصيص100 مقعد للمعارضة من مقاعد مجلس النواب الـ400, إلا أنه جري تقسيمها بشكل نسبي للحد من عدد كل منها. كما سمح لأحزاب المعارضة بالظهور أمام وسائل الاعلام. وفي عام1994 سمح بتشكيل لجنة قومية للانتخابات وتحديد الانفاق علي الحملات الانتخابية. وتحولت تلك اللجنة عام1996 الي هيئة مستقلة تماما عن الدولة وتم زيادة حجم إنفاق الأحزاب السياسية علي الحملات الانتخابية وحصص الأحزاب في وسائل الاعلام. وفي كوريا تم إجراء تعديل دستوري عام1987 سمح لأول مرة بإجراء انتخابات مباشرة لرئاسة الجمهورية, فاز فيها مرشح الحزب الحاكم الرئيس رو بنسبة36.6% بعد أن فشلت أحزاب المعارضة في الاتفاق حول مرشح واحد لها. وفي تايو ان كان أهم الإجراءات هو قرار الرئيس شينج كيو عام1987 بانهاء حالة الطوارئ التي استمرت قرابة40 عاما, تمكن بعدها الأحزاب السياسية من المنافسة في أول انتخابات رئاسية تنافسية عام1989. وقد كانت تلك الاصلاحات الانتخابية مدخلا رئيسيا لأحزاب المعارضة بعد ذلك لتحقيق انتصارات علي مستوي الانتخابات المحلية والرئاسية.
رابعا: الفساد والتزوير. كان من الممكن أن تبقي النظم الحاكمة في مواقعها في السلطة لولا أن بدأ الفساد ينخر في قوتها. فقد أفسدت النظم الثلاثة في المكسيك وكوريا وتايوان العملية الانتخابية بصورة كبيرة, حيث شابها شراء الأصوات وتقديم الهدايا والولائم وحشو الصناديق بالبطاقات الانتخابية المزورة ورشوة الناخبين وشحنهم في أتوبيسات الي مراكز الاقتراع والتلاعب بالكمبيوتر في عمليات فرز الأصوات والسيطرة علي الإعلام وحتي اعتقال مرشحين من المعارضة( كوريا) وتداخل أجهزة الدولة والحزب وجمع حزب الدولة مبالغ طائلة لتمويل حملته الانتخابية والسيطرة علي البوليس وحتي الجيش لتسيير العملية الانخابية وتبديل النتائج. وتدريجيا مع تنامي قوة أحزاب المعارضة وارتفاع وتيرة الغضب الشعبي بدأت الانظمة في تلك الدول في الوقوع في الكثير من الأخطاء والمشاكل, خاصة مع كشف حالات الفساد بين قيادات الدولة العليا( أخو الرئيس في المكسيك, والرئيس وابنه في كوريا).
خامسا, الانشقاقات عن الحزب الحاكم. بدأت عناصر من الاحزاب الحاكمة في الانشقاق وتكوين أحزاب خاصة بهم لاستشعارهم بتنامي ضعف سلطة الحزب الواحد واحتمال انهيار النظام واحتجاجا علي الممارسات الفاسدة والسياسات التسلطية. كما شجعت الاصلاحات الانتخابية مسألة الانشقاقات بعد أن زادت هذه الاصلاحات من فرص الفوز بصورة نزيهة في انتخابات تنافسية. ومثلت تلك الانشقاقات القشة التي قصمت ظهر الهيمنة الأحادية علي السلطة وكسرت احتكار الحزب الحاكم علي الأصوات في الانتخابات الرئاسية.
سادسا, ظهور شخصيات كارزمية بين صفوف المعارضة. تمتعت احزاب المعارضة في الدول الثلاث بقيادة كارزمية قادرة علي اقناع الشعب بإحداث التغيير والتصدي للفساد وجعل نظام الحكم اكثر ديمقراطية. ولعب التاريخ السياسي لهذه الشخصيات ومواقفها المبدئية وقدراتها القيادية دورا كبيرا في حصولها علي التأييد الشعبي الذي مكنها من الدخول في منافسة حقيقة مع الحزب الحاكم. فقد كان لكيم داي زونج رصيد طويل كمناصر للديمقراطية في كوريا( حصل علي جائزة نوبل للسلام عام2000), وعرف شين شوي بيان كمقاتل عنيد, وكان قد حكم عليه نظام الحزب الواحد في تايوان بالاعدام بتهمة التحريض, كما تمتع فوكس في المكسيك برؤية استراتيجية حيث ركز حملته الانتخابية علي التغيير مما أمن له تأييد الشباب والمثقفين والناخبين في المدن الرئيسية, إضافة إلي نجاحه في الحصول علي تأييد قطاعات عريضة من مختلف التيارات السياسية. إذن فقد كانت هناك ستة عناصر رئيسية وراء عملية التحول في تلك البلدان تفاعلت لإحداث الانتقال من نظام تسلطي إلي نظام أكثر ديمقراطية. والسؤال الآن هو أين حالة مصر من تلك النماذج, مع الإقرار بأن لكل بلد خصوصيته وأن تكرار التجارب الانسانية بصورة حرفية يكاد يكون أمرا مستحيلا. أيضا هناك العامل الخارجي الذي لعب دورا كبيرا في تحول هذه البلدان.
بدأت مصر حالة الانفتاح السياسي منذ قرابة الثلاثين عاما. أي أننا مازلنا في مرحلة انتقالية, تبدو وكأنها تأخذ شكل الحالة الدائمة. ولهذه الوضعية دلالات واضحة. فمع الإقرار بتطور بعض جوانب الحياة السياسية( انفتاح سياسي يسمح بمساحة من التعددية والحراك السياسي, وتعديل بعض القوانين, والسماح بصدور الصحف المعارضة والمستقلة, والتعبير عن الرأي), إلا أن هذا الانفتاح لا يسمح بالتنافس الحقيقي حول السلطة أو المساس بالبني السياسية التي يمكن أن تحدث نقلة نوعية نحو الديمقراطية, كالبرلمان أو الجهاز القضائي أو أجهزة الحكم المحلي. كما أن الأحزاب السياسية القائمة ظلت علي حالة من الضعف والتفرق لاتسمح لها بالتأثير في القرار السياسي أو الحصول علي تنازلات مرضية حول عملية الاصلاح.( راجع تفاصيل جولات الحوار الوطني وعملية تعديل المادة76 من الدستور). وكذلك الحال بالنسبة لما يسمي بالمجتمع المدني, فهو ما يزال غير واضح المبادئ أو العناصر, فمدنيته(civility) غير ظاهرة بعد, كما أن قدرته علي تمثيل قطاعات واسعة من المجتمع لا تزال محدودة. فمنظمات مجتمعنا المدني أمامها الكثير حتي تصبح حقا مجتمعية ومدنية. الدلالة الواضحة والتخوف الكبير في نفس الوقت, هو أن تصبح حالة الانتقال السياسي أو التحول' الديمقراطي' الذي تمر به مصر الآن هي الحالة السياسية الطبيعية والمستقرة, أي أن تدخل مصر في' المنطقة الرمادية' و'الهمينة الأحادية للسلطة'- علي حسب وصف كاروثرس- تمتد إلي ما بعد الولاية الخامسة. أي أن تصبح عملية التحول غاية في حد ذاتها وفترة مستقرة وليست وسيلة للوصول إلي نظام ديمقراطي. وما يزيد من هذ التخوف هو إستمرار ميزان القوي علي حالة علي مدار الثلاثين عاما الماضية في صالح الدولة والحزب الحاكم وعدم قدرة القوي السياسية الأخري علي إحداث تغيير نوعي في موازين القوي بحيث تتمكن من فرض مطالبها الاصلاحية والحصول علي تنازلات جوهرية ازاء تلك المطالب.
ليس مؤشر التحول من نظام تسلطي يسمح بقدر من الانفراج السياسي إلي نظام ديمقراطي حقيقي هو إجراء فقط إنتخابات تنافسية يخرج منها النظام القائم فائزا باستمرار وحائزا بصك الشرعية من المجتمع الدولي, بل المحك هو توسيع مساحات المنافسة السياسية الفعالة, ومنح سلطات حقيقة للمواطنين, وتفعيل مؤسسات الدولة التشريعية والرقابية, وبالخصوص البرلمان والقضاء, للحد من تجاوزات السلطة التنفيذية. وهذا لن يحدث إلا إذا تخلت النخبة السياسية الحاكمة طواعية عن بعض سلطاتها, الأمر الذي يصعب تصوره دون ضغوط قوية تستدعي هذا التنازل, أو بسبب( تغير موازين القوي) أي ظهور أطراف ديمقراطية حقيقية ذات شعبية عريضة ورؤية قيادية وتنظيم جيد تستطيع الضغط علي النخب السياسية لتوسيع دوائر المنافسة وكسر الهيمنة علي السلطة والعملية السياسية. هناك قوتان فقط من الداخل يمكن لهما أن تمارسا هذا الضغط: وهما الحركات الاجتماعية العريضة, والأحزاب السياسية. هذه هي التشكيلات الأساسية التي يمكن أن تحدث تغييرا في موازين القوي. وهذا يعني أن تظل مصر تنتظر حتي تقوي التجمعات الاجتماعية والسياسية الجديدة( كفاية وأخواتها من التجمعات التغييرية والتحالفات المؤقتة) التي لم تستطع حتي الآن أن تتواصل بفاعلية مع القطاعات الشعبية الواسعة فهي ماتزال نخبوية, وذات طبيعة إنتقالية- تحالفية هشة لا تسمح لها بالتطور كجبهات متماسكة تحظي بالرؤية الواضحة لطبيعة النظام السياسي في المستقبل. وبالرغم من ذلك فلا يمكن التقليل من أهمية الدور الذي تلعبه هذه التجمعات في تحريك بعض قطاعات الشارع السياسي والتعبير عن مطالب سياسية واجتماعية بصورة مركزة.
فيما يخص الأحزاب السياسية, فهنا تكمن المشكلة الرئيسية في عملية التحول التي تشهدها مصر حاليا. فهي أحزاب أفقرتها سياسة الهيمنة الاحادية علي السلطة علي مدار العقود السابقة, ووصلت الي حالة من الضعف حيث أصبحت هي بدورها تساهم في إفقار الحياة السياسية في مصر. وأظهرت الانتخابات الرئاسية الاخيرة العديد من المؤشرات علي ذلك, حيث حصل7 مرشحين مجتمعين علي2% فقط من أصوات الناخبين, وأدلي23% فقط من الناخبين بأصواتهم, وامتنعت الغالبية العظمي77% عن المشاركة. كما فشلت هذه الاحزاب في الدفع بمرشح واحد تسانده جميعا. بل علي العكس اتسم موقفها من الانتخابات بالتخبط: فالبعض شارك والبعض قاطع والبعض شارك دون أن يشارك! ولعل ظهور الحركات الاحتجاجية التلقائية في الآونة الأخيرة مؤشر علي حاجة قطاعات في الشارع السياسي الي تجاوز الممارسات الحزبية المحدودة وتجاوز القصور الواضح في أداء الأحزاب. فقد عجزت الاحزاب القائمة حتي الآن عن تقديم رؤية استراتيجية للتغيير, وعن تقديم قيادات كارزمية تحظي بثقة وتأييد قطاعات عريضة من الشعب, وتفشت حالة عدم الثقة فيما بينها وعدم القدرة علي التنسيق والتحالف. ولعل هذه إحدي سمات الحياة الحزبية في مصر حتي قبل الثورة, فقد اتسمت التجربة الحزبية تاريخيا بالضعف والانقسام وعدم الثقة بين الأحزاب( الوفد وأحزاب الأقلية آنذاك- الإخوان وأحزاب الأقلية الحاليون أيضا).
لن يحدث أي تحول فعال وتقدم نحو نظام ديمقراطي حقيقي إلا بتغير في موازين القوي السياسية. ما زالت السلطة السياسية في مصر قوية وتستطيع أن تتحكم في رسم اجندة التحول السياسي وضبط إيقاعه. فالتغير في ميزان القوي إذن لن يتم إلا بنجاح المعارضة في زيادة قوتها وفاعليتها ووصولها الي مستوي يصعب فيه علي السلطة تحقيق انتصارات سياسية سهلة أو حسم الامر لصالحها كليا. وهذا أمر بديهي ولكنه قد يكون صعب التنفيذ. حيث يتطلب بالأساس كسر الهيمنة الأحادية علي السلطة عن طريق تكوين مراكز قوي شعبية بديلة أو متجددة( احزاب فاعلة تحظي بقيادات علي درجة عالية من الكفاءة والنزاهة والفاعلية والقبول لدي الجماهير- حركات اجتماعية احتجاجية مساندة- رؤية استراتيجية واضحة للتغيير- وضوح شكل النظام السياسي المنشود مستقبلا- القدرة علي ربط قضية الإصلاح بطموحات وحاجات الطبقات العريضة من الشعب). كما يتطلب أيضا الإصرار علي انهاء حالة التماهي بين الدولة والحزب, والإصرار علي إصلاحات بنيوية فاعلة( قوانين الانتخابات والأحزاب, رفع حالة الطوارئ, انتخابات حرة نزيهة, الإصلاحات الدستورية, استقلالية القضاء ومناصرة القضاة في مطالبهم الإصلاحية). وكل هذا معروف ويتم المطالبة به علي صفحات الجرائد المستقلة بصورة يومية. مما يدفعني الي التحول الي نقطة أراها محورية اختم بها هذا المقال وهي الحاجة الملحة الي موقف موحد بين أحزاب وتيارات المعارضة وترشيد الحراك السياسي الحالي.
وتطرح هذه النقطة مسألة التخوف من الاخوان المسلمين( أو إدماج الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية) والاصرار علي تهميشهم من قبل النظام وأكثر أحزاب المعارضة, بما في ذلك الليبراليون أو' الاصلاحيون' في مصر. فيبدو الامر وكأن هناك بعض القوي السياسية و'الاصلاحية' في المعارضة علي استعداد لتأجيل الدفع بالعملية الاصلاحية تخوفا من تحقيق التيارات الإسلامية الفوز في المرحلة القادمة. فالاعتراض علي المرجعية الاسلامية للإخوان ليس في محله, لأن لكل حزب الحق في تبني البرنامج الفكري والسياسي الذي لا يتناقض مع القيم الاساسية للمجتمع أو الدستور. والناخب هو الحكم. ولعل هذه أحد مساوئ الديمقراطية. ولكن انكار هذا الحق يتناقض بصورة مباشرة مع أبسط مبادئ الديمقراطية. وقد تكون هذه فرصة أن يفكر الاخوان بجدية في التحول من حركة اسلامية رئيسية الي حركة وطنية رئيسية تجمع بين الالتزام بالنظام الديمقراطي والحريات العامة الخاصة والمبادئ الاسلامية. كما أن سؤال ماذا لو وصل الاسلاميون للحكم بطريقة ديمقراطية, ثم أنقلبوا بعد ذلك علي قواعد الديمقراطية, هو سؤال مشروع, ولكن الدافع من ورائه ربما هو شعور الاحزاب العلمانية بضعفها وعدم قدرتها- علي الرغم من تمترس الكثير من عناصرها داخل أجهزة الدولة- علي منافسة الاخوان جماهيريا, وإستعدادها لتأجيل حسم المسألة الديمقراطية حتي يصبح ميزان التأييد الشعبي وربما الدولي في صالحها. القضية الجوهرية هنا ليست الإخوان وما بطن من نواياهم, بالرغم من أهمية ذلك, وإنما القضية التي ينبغي التركيز عليها في المقام الأول هي تكوين اتفاق عام حول القواعد الحاكمة للعملية السياسية مستقبلا, وتأسيس جبهة واسعة من قوي المعارضة الهامة تصر علي توفير ضمانات دستورية وقانونية ومؤسساتية تحول دون السماح لأي طرف كان- إخوانا أو حزبا وطنيا أو جنرالا أو ليبراليا- بتغيير قواعد اللعبة السياسية بعد الوصول إلي الحكم أو التعسف في أستخدام السلطة. والضامن هنا لا ينبغي أن يكون المؤسسة العسكرية, وإنما التوافق العام حول قواعد العملية السياسية, ومؤسسة القضاء, والمجتمع الدولي. | | |
ساحة النقاش