كيفية ظهور مكونات معينة للعدوان في سلوك الطفل النامي


قد أثار الباحث ليونارد دوب وزملاؤه اهتماماً كبيراً بالعدوانية. فقد قاموا بصياغة مبدأ محدد للسلوك يربط بين الإحباط والعدوان. فإن شكلاً ما من أشكال الإحباط يسبق السلوك العدواني، وإن كانت الإحباطات لا تؤدي دائماً إلى العدوان (ولكنها تنحو نحو ذلك) لأن سلوكاً آخر مثل المطاوعة) قد يتصارع معها أو يتعارض مع التعبير عنها. وأظهرت الأبحاث حول تطبيق هذا المبدأ أنه مُجدٍ. لكن فرض الإحباط ـ العدوان لا يعالج عدداً من أمثلة العدوانية بطريقة مباشرة. فمثلاً، عندما يشعر بعض الناس بالإحباط فإنهم قد يعبرون عن العدوان بصورة أسرع مما يفعل البعض الآخر: فهل يرجع هذا فقط إلى الإحباطات السابقة (بما فيها العقوبات)، أم أن المكافآت المحبذة للعدوان قد لعبت دورها؟ ومثال آخر، بعض الناس عدوانيون بدون إثارة واضحة: فهل هذا شكل مختلف من السلوك العدواني (سادية، مثلاً، مقابل النزعة الانتقامية)؟ وهل ما زالت هناك أشكال أخرى للعدوانية يتعلم الناس اللجوء إليها ـ عدوان مقبول اجتماعياً بدلاً من العدوان ضد المجتمع، والعدوان المازح بدلاً من العدوان الجاد وهكذا؟ ..
وما زال هناك الكثير من البحث الذي يتحتم إجراؤه لتحديد كيفية استثارة العدوان: هل العدوان المقترن بالغضب أقل فاعلية في إثارة العدوان المضاد من العدوان المقترن بتعقل هادئ؟ هل للظلم نفس فعالية الضرب الجسماني في إثارة العدوان؟ هل تقوم نية الشخص الآخر بدور هام في إثارة العدوان؟. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الظروف الاجتماعية التي يستدل فيها على وجود النية السيئة؟، وما هو تأثير الثقة أو عدم الثقة المتبادلة على تفسير عمل عدواني؟
وقد حفزت أسئلة من هذا النوع على اجراء دراسات متنوعة حول العدوان في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، كيف يلتقط الطفل أثناء نموه الميول والسلوك العدواني للمحيطين به ويدمجها في ميوله وسلوكه هو؟. وقد كشف روبرت سيزر وزملاؤه عن بعض الأجوبة الملفتة للنظر بصدد بعض الأطفال الأمريكيين. فقد اكتشف سيزر أن الأطفال ذوي العدوانية الظاهرة غالباً ما يكونون من أسر يسود فيها التسامح بشأن القواعد الحاكمة للعدوانية، ولكن العقوبات المفروضة فيها على الطفل النشيط في عدوانيته شديدة. وعلى العكس، فإن الأطفال الأقل عدوانية كانت تواجههم قواعد شديدة ضد العدوان (تعمل على منعه)، ولكن وسائل التعامل معه غير عقابية. ويبدو أن القواعد المتسامحة تسهم في زيادة عدوانية الطفل أكثر مما تفعل العقوبات الصارمة. إن المعلومات التي ذكرناها الآن قد استقاها سيرز من البيانات التي أدلت بها الأمهات أنفسهن، ويجب أن تطبق بصورة مبدئية فقط على مجالات أوسع في المعطيات.
وتتبع سيرز بعد ذلك عدداً أكبر من هؤلاء الأطفال أنفسهم وقاس عدوانيتهم مرة أخرى عندما بلغوا سن المراهقة. وقد وضع ي الاعتبار خلال كتابة استبيانه أشكالاً عديدة من العنف الممكن وقوعه في سن الثانية عشرة: مثل العدوان المضاد للمجتمع، العدوان المخفف، العدوان على النفس، والعدوان المسقط. وطبقاً لما ورد في دراسة المتابعة هذه، فنه حينما يستمر الوالدان في ممارسة نفس الضغوط على الأطفال، فإن التسامح الزائد لا يزال يؤدي إلى عدوانية شديدة مضادة للمجتمع في سن الثانية عشرة؛ ومع ذلك، فإن الأطفال المعرضين لعقاب شديد ينحون الآن إلى أن يكونوا من بين الأقل عدوانية تجاه المجتمع.
ويؤيد هذا التغير الظاهر في أثر العقاب بين السادسة والثانية عشرة نظرية هامة ومفيدة نشأت مؤخراً. إن المشكلة التي يواجهها الأطفال حينما تكون لديهم نزعات عدوانية بينما يخشون في الوقت نفسه مغبة القيام بها ينتج عنها حالة تسمى دافع الصراع. وحينما يكن الصراع كبيراً بسبب تاريخ طويل من التعرض للعقاب، تظهر نزعة قوية أو متفجرة نحو العدوانية في سن السادسة. ولكن لأن الأطفال الذين بلغوا الثانية عشرة وكانوا قد تعرضوا لعقاب شديد ينحون إلى ن يكونوا من بين الأقل عدوانية، فإنه يفترض أن استمرار العقاب قد خفض الصراع إذ أدى بالأطفال، في الواقع، إلى التخلي عن العدوان المضاد للمجتمع نتيجة للكف الشديد للغاية الذي أصبح الآن مرتبطاً به.
وقد طبق مبدأ وجود دافع أو توتر ناجم عن الصراع في الكثير من المجالات بصورة مستقلة. فوجد فرتيز هايدر أن دافع الصراع فعال في مجال أفكار، واستخدم ليون فستنجر دافع الصراع لتحليل آثار التنافر (النفسي) الذي يعقب اتخاذ قرار. كما استخدم شارلز أوسجود دافع الصراع في دراسة التنافر الناتج عن الضغوط المختلفة التي تعمل على تغيير الاتجاهات. وتوجد صور وتضمينات أخرى لنفس هذا المبدأ في أعمال علماء النفس الآخرين. وباختصار، فان دافع الصراع بسياقاته وصياغاته المتنوعة ذو صلة وثيقة بصفة عامة بكل مراحل دراسة عملية التنشئة الاجتماعية. وفي الواقع، إن إحدى المشكلات النظرية الأساسية التي تواجه علماء النفس الاجتماعيين الآن هي تحديد المؤثر الأقوى على السلوك البشري. هل هو خفض دافع الصراع (للبحث عن الاتساق الداخلي)، أم هل هو الآثار المباشرة للثواب والعقاب.
ويختلف العدوان المخفف عن العدوان المضاد للمجتمع. وينحو العدوان المخفف عند الأطفال في الثانية عشرة إلى أن يحدث من أكثرهم تعرضاً للعقاب والذين عاشوا أيضاً في ظل قواعد متسامحة بالنسبة للعدوان. ويبرز هذا النمط من العدوان المقبول بدرجة أكبر في سن الثانية عشرة عندما يكون السلوك العدواني قد كبت قبل ذلك من خلال أساليب العقاب الناجحة، بحيث لا يمكن أن يطلق له العنان إلا في شكل مخفف. وغالباً ما يقترن العدوان المخفف بالقلق من جراء السلوك العدواني وببعض الميل تجاه العدوان على النفس.
وأوضح سيرز كذلك وجود فروق جنسية في الميول العدوانية. فالأولاد الأمريكيون يلجأون أكثر إلى العنف المضاد للمجتمع، بينما تلجأ البنات إلى العدوان المخفف. والبنات الأمريكيات عموماً أقل إظهاراً للعدوان من الأولاد؛ كما أن البنات يعانين من قلق أكثر من جراء سلوكهن العدواني. وربما كانت هذه الفروق وراثية، أو ربما تعكس الطرق المختلفة لتنشئة الأولاد والبنات في أميركا.
من الواضح، إذن، أن العدوان ليس ظاهرة واحدة بسيطة. إلا أن دراسة سيرز تعطينا بصيرة سيكولوجية في العدوانية. وهي تكسبنا كذلك أفكاراً حول كيفية ظهور مكونات معينة للعدوان في سلوك الطفل النامي.

  • Currently 99/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
33 تصويتات / 483 مشاهدة
نشرت فى 13 فبراير 2006 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,049