authentication required
نساء فوق السحاب

        قبل أيام قالت عائلة الطيارة الأمريكية المشهورة اميليا غيرهارت إنها غير معنية - بعد اليوم - بتكذيب أو متابعة أي خبر يتعلق بنجاتها أو العثور عليها.. وكانت اميليا قد اختفت بلا اثر عام 1937 أثناء محاولتها الطيران حول العالم لأول مرة في التاريخ.. وقبل اختفائها كانت قد حققت بالفعل شهرة عالمية بفضل انجازاتها القياسية في عالم الطيران (لعل أشهرها عبور المحيط الهادئ لأول مرة بدون أي مساعدة). غير أنها اختفت تماما أثناء محاولتها الدوران حول الأرض فتحولت الى أسطورة لايكاد يمرعام بدون إعلان (جهة ما) العثور على جثتها أو آثار طائرتها. وفي كل مرة تهتم أسرتها بالخبر وتتابعه عن كثب ثم تكتشف زيفه وخداعه فتضطر لتكذيبه من جديد !!

وقصة اميليا هذه تذكرني بقصص كثيرة عن نساء جريئات حققن انجازات قياسية وساهمن في تطوير الطيران في بداية ظهوره. وقصتي المفضلة بهذا الخصوص تتعلق بشابة انجليزية تدعى إيمي جونسون حظيت بلقب (طيارة الامبراطورية / وأول مهندسة طيران في العالم).. ففي أحد ايام 1930 قرأت شيئا من قبيل (لم يحاول أي طيار الطيران من لندن إلى استراليا بسبب بعد المسافة وعدم وجود خرائط جوية خارج أوروبا).. وبدون سابق تخطيط أو خبرة قررت المحاولة فتقدمت بطلب المساعدة من وزير الطيران ثم من رئيس مجلس العموم ثم من وجهاء المجتمع - إلا أن الجميع كان يعتذر بلطف وينظر بإشفاق (بل ان وزير الطيران اكتفى بالتربيت على كتفها بدون قول شيء على الإطلاق)..

وحين لم تلق أي تجاوب اشترت طائرة «نص عمر» ب600 جنيه فقط وعدلتها بنفسها. وحتى موعد إقلاعها (في الخامس من مايو سنة 1930) لم يهتم بها أحد ولم تنشر عنها الصحف الانجليزية كلمة واحدة. وكانت فيينا أول محطة تهبط بها بعد لندن ، ثم طارت إلى استانبول وهناك استقبلها جمهور قليل وأعطتها فتاة تركية ورقة زرقاء رجتها أن لا تفتحها إلا بعد إقلاعها. وأثناء رحلتها إلى حلب تذكرت الورقة ففتحتها وقرأت عليها سطراً يقول بإنجليزية ضعيفة :

«أرجو أن تلقي بهذه الورقة في البحر ؛ فمن يرمي في البحر ورقة بلونه لا يغرق فيه أبدا». ابتسمت إيمي ووضعت الورقة في جيبها مجددا ونسيت الموضوع تماما...

ومن حلب وصلت إلى بغداد حيث اضطرتها عاصفة رملية للهبوط في الصحراء فكادت تموت من العطش. ثم واصلت طيرانها إلى طهران ، فبندر عباس ، فكراتشي ، وإسلام أباد.. وحين وصلت الى كلكتا كرمها سلاح الطيران الملكي - كما أعطاها رجل مشعوذ تعويذة لحمايتها من السقوط في البحر فلم تملك نفسها من الضحك ؛ غير أن الرجل العجوز قال بعصبية : الموقف لا يبعث على الضحك فأنا أعلم أنك لم ترم الورقة الزرقاء في البحر حتى الآن ، ثم اختفى بين الجموع وسط حيرة إيمي !!

وبعد مغادرة الهند وصلت الى اندونيسيا وهناك تاهت طائرتها وأشيع أنها غرقت في البحر إلا أنها فاجأت الجميع بهبوطها المتأخر في دارون في استراليا.. وبوصولها الى استراليا أنهت أول رحلة طيران من نوعها في التاريخ - وقطعت لأول مرة 12 ألف ميل في 19 يوم بطائرة عتيقة وبدون جهاز لاسلكي. وفي استراليا وضعت كأس سنوية باسمها مازالت تمنح حتى اليوم لأكثر الشبان شجاعة. وفي بريطانيا كالت لها الحكومة المديح (بعد نجاح رحلتها طبعا) وقررت تبني مغامراتها القادمة وعينتها «الطيارة الأولى» في الإمبراطورية !

وبعد تلك الرحلة حققت إيمي أرقاماً قياسية جديدة وجريئة (مثل الطيران من لندن الى رأس الرجاء الصالح بدون توقف).. غير أن طائرتها العتيقة تحطمت أمام الجماهير فجأة عام 1940 (وأين ؟) فوق نهر التيمز ولم يُعثر على جثتها أبدا.. وبعد خمس سنوات من البحث والتمشيط أعلنت الحكومة رسميا أن الفتاة «التي عبرت أوسع المحيطات وأكبر الصحاري» غرقت في نهر يعيش على ضفافه عشرة ملايين مواطن !!

.. أحد المتطوعين وجد بين حطام الطائرة ورقة زرقاء بالية قالت والدتها إنها لم تغادر جيبها منذ رحلتها لأستراليا !!

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 378 مشاهدة
نشرت فى 9 فبراير 2006 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,088