وهذه المحاكمة تثبت أن الفساد المالي والإداري ظاهرة موجودة في أي مجتمع ومؤسسة عالمية .. ولكن الفرق الحقيقي يكمن في وجود - أو عدم وجود - آلية لمكافحة هذا الفساد والحد من تغلغله وانتشاره. ففي الدول المتقدمة تتوفر آليات فعالة وشفافيات مطلقة تكفل فضح مظاهر الفساد ومكافحة ظهوره وتوسعه .. أما في الدول النامية فيؤدي احتكار السلطات وغياب الأجهزة الرقابية إلى طغيان الفساد بكافة اشكاله - لدرجة دخوله ضمن أساليب الإدارة ذاتها (!!)
فقضية الفساد المالي في شركة انرون مثلا كان لابد أن تفضح (عاجلا أم أجلا) بسبب وجود هيئات رقابية مستقلة وفصل حقيقي بين السلطات في المؤسسة ذاتها .. وفي المقابل لا يتمتع العالم الثالث - ولا حتى الانظمة الاشتراكية العتيقة - بمثل هذه الميزة فينتشر الفساد كالورم الخبيث ويصبح بالتدريج جزءاً من طريقة الإدارة نفسها (لدرجة أن منظمة الشفافية الدولية قالت في آخر تقرير لها أن تسعة من بين كل عشر دول نامية لاتملك آليات حقيقية لكبح فساد المسؤولين فيها) ...
لهذا السبب بالذات لانسمع إلا بفضائح الدول المتقدمة كونها تُكشف بصفة دورية - وارتباطها بعدد شاذ من الأشخاص.. وفي المقابل تبدو الأمورهادئة ومستقرة في المجتمعات المتخلفة لوجود اتفاق غير مكتوب - بين أعضاء المجموعة - على الصمت والمحاباة «وعدم عض بعضهم البعض» !!
... ونشير هنا إلى أن الفساد واستغلال السلطة هما الطبيعة المتوقعة (لأي مجموعة بشرية) تُترك بلا رقيب أو حسيب . وكان المؤرخ العربي ابن خلدون أول من نبه لهذه الحقيقة العجيبة وحذر من طغيان الفساد في حال بقي المسؤولون في مناصبهم لفترة طويلة وترابطت مصالحهم بمرور الزمن .. ففي بيئة مغلقة كهذا تتشكل بنية فساد صامتة (ولوبي مصالح) يصعب اختراقه أو كشفه من الخارج ويقاوم أي محاولة لتغييره أو إعادة هيكلته ..
واليوم تثبت نظريات الإدارة مقولة ابن خلدون وتؤكد أن الاستمرار في المنصب لفترة طويلة يساهم في ترسيخ الصلاحيات الفردية وتغليب المصلحة الشخصية على الرسالة المهنية .. وحين يمتد الزمن لأكثر من ذلك (وتنضب أفكار المسؤول تماما) يتحول لحالة من اللامبالاة وينعزل عاطفيا واخلاقيا عما يحدث في دائرته .. وفي هذه المرحلة بالذات يتزايد اعتماده على «موظفين مقربين» أقل كفاءة وخبرة (بحيث يصبح السكرتيرأهم من المسؤول وفخامة المكتب أهم من مستوى الأداء)!
... غير أنني - من جهه أخرى - أنبه إلى الدور الخفي لأخلاقيات المجتمع ونظرته لقضية الفساد ذاتها ؛ ففي المجتمعات النامية مثلا يسلم عامة الناس بفساد المسؤولين وينظرون للأمر كقضية محسومة وظاهرة يصعب مكافحتها .. بل يلاحظ أن معظم الدول النامية وضعت (أسوة بالدول المتقدمة) أنظمة لمكافحة الفساد الإداري ولكن المسؤولين عن تنفيذ هذه الأنظمة يميلون لمبدأ «الستر» و«عفا الله عما سلف» و«جميل الدنيا يظهر قبل الآخرة» !!
ومن أخلاقيات العمل السيئة - التي نراها في مجتمعنا العربي بالذات - ظاهرة المحسوبية ومحاباة الأقارب وتوريث المناصب .. ولو نظمت حملات رقابية فعالة ومخلصة لفوجئنا بمستوى القرابة وصلة الرحم التي تجمع بين الموظفين في أي دائرة - لدرجة تحول بعضها لمجلس قبلي مغلق . وحين يتغلب مبدأ القرابة والتزكية (على مبدأ الكفاءة والموهبة) يصبح تدني الإنتاجية وانعدام الكفاءة صفة ملازمة وسمة ظاهرة في مؤسسة وإدارة !!
- إذاً :
حين نسمع مرة أخرى بفضيحة مثل «انرون» يجب أن نحزن على أنفسنا نحن .. فالمجتمع الذي لا يطهر نفسه بصفة دورية - ومستمرة - يتآكل من الداخل وينهار بطريقة بطيئة وصامتة !


ساحة النقاش