مذاكرة الأوائل.. أشكال وألوان!

طلاب يؤدون الامتحانات

 

 

طويلُ الشعر "أكرته".. وغالبًا يضع عوينات "قعر كوباية".. وفي الأغلب أيضًا شخص منطوٍ ومنحني الظهر!!

 

هكذا ثبتتْ الصورة الذهنية لـِ "أوائل الدفعات في عقول كثير من الشباب.. وإن كانت تلك الصورة القاتمة تتغير تدريجيًا في الأذهان مع دخول الجامعة، والتعرف على أصدقاء بميول ومواهب عديدة، إلا أن الصورة تظل هكذا لدى الكثيرين أيضًا، ولمعرفة حقيقة تلك الصورة، قابلنا بعض الطلبة والطالبات الأوائل واستطلعنا آراءهم في طريقة مذاكرتهم، وبالتحديد أيام الامتحانات.

 

بداية يقول الطالب "مصطفى عزت" الأول على دفعته في كلية طب القاهرة، أنه طوال أيام العام يتابع لكن بمعدل بطيء لا يتجاوز ساعتين في اليوم، كما تمرّ أيام كثيرة بدون أن يذاكر، لكن في الشهر الأخير قبل الامتحان يتضاعف إحساسه بالقلق والخوف من الخروج من قائمة الأوائل، فيبدأ في "حفظ" المواد، بحيث يكون قبل الامتحان بأسبوعين قد أنهى ما يجب عليه القيام به فيشعر بالراحة، لأنه لا يستطيع المذاكرة في ظل الضغط العصبي.

 

ويختلف معه "عمرو رفاعي" الأول على دفعته بكلية الهندسة، حيث يقول إن المذاكرة أيام الامتحانات تعتمد أكثر على التلخيصات، إلا أنه أثناء العام الدراسي يكون قد ذاكر جيدًا كل المواد وتدرب كثيرًا على نوعية المسائل والقوانين، بينما تقتصر مراجعة أيام الامتحانات-لضيق الوقت- على الإطلالة على الامتحانات السابقة، ثم مراجعة المنهج مراجعة جيدة.

 

وفي كلية الإعلام، أكدت "ليلى"- أولى دفعتها أيضًا- أنها لا تبدأ مذاكرة الامتحانات إلا قبلها بأسبوع، بعد أن تكون قد أنهت التكليفات والأبحاث المطلوبة منها، حيث تقوم- بحسب وصفها- بعملية "جرد" للمواد تضع جدولاً كبيرًا فيه أسماء المواد والجزء المطلوب مذاكرته منها وعدد المحاضرات، وغالبًا تكتب عدد الصفحات لكي تتمكن من تقدير الوقت المطلوب لكل منها، ثم تبدأ في تقسيم المواد على الأيام المتبقية، كما أنها لا تذاكر أكثر من مادة واحدة في اليوم الواحد.

 

الطالبة "هاجر عبد الله" من أوائل كلية الآداب، تؤكد أيضًا أنها لا تبدأ إلا في "عنق الزجاجة"، ولا تبدأ الحفظ إلا في مذاكرة الامتحان، وكذلك الطالبة "فداء" خريجة كلية الإعلام  والأولى على دفعتها، لكنها تذكر أنها تذاكر كل شيء بتركيز، ثم تستريح 3 ساعات لتقرأ بعدها المنهج مرة أخرى قراءة سريعة.

 

حفظ أمْ "تشغيل مخ"؟!

وعن نوعية الاستذكار، قال "مصطفى" إنه بحسب المادة، لو أن المادة تحتاج الحفظ فإنه سيحفظ، أما لو كان بها مجال جيد للفهم فإنه لا يحفظ كل شيء، كما يقول إنه يستطيع الاستذكار والاستيعاب بسرعة، حيث يقضي زملائه يومًا كاملاً، فيما ينجزه هو في نصف يوم، لكنه يبقى بقية الوقت في تكرار ما أنجزه من المادة، وحين يصل لليلة الامتحان يكون قد أنهى كل ما عليه فيشعر بالراحة ويقضي تلك الليلة غالبًا بدون مذاكرة أو في قراءة خفيفة.

 

أمّا "ليلى عبد الرحمن" فإنها تذاكر بالألوان!!! حيث تقوم بتخطيط الموضوع مستخدمة الألوان "الأحمر- الأخضر- الأزرق" وكل لون يدل على مدى أهمية الفقرة.. ثم تقوم بقراءة الموضوع مرة أخرى وإعطاء كل فقرة أهميتها بحسب اللون المستخدم، ثم تقوم بتلخيص الموضوع في صفحة واضحة وترديدها أكثر من مرة حتى تطمئن لحفظها.

 

أما "هاجر" فهي تعتمد في "رسم الخرائط" هي طريقتها المفضلة حيث ترسم خريطة لكل لفصل، ثم خريطة للمادة، لربط الأجزاء ببعضها ويكون حفظها أسهل.

 

لا للتخمين

ويؤكد "مصطفى" مرة أخري أنه لا يعتمد سياسة التخمين على الإطلاق، لكن لو كانت هناك أشياء تكررت كثيرًا في الامتحانات السابقة فهو يحفظها أقوى من غيرها، لكن لا يدخل الامتحان وقد ترك أي جزء من المنهج، وكذا اتفقا معه "عمرو" و"ليلى"، لكنهما يضيفان أن التركيز على الأجزاء التي ركزّ عليها الأستاذ في محاضراته أمرٌ أساسي.

 

وتقول "فداء طه" إنها من متابعتها لسياق المنهج طوال العام والمحاضرات تستطيع تقدير أسئلة الامتحان وإلى حدٍّ ما تنجح في ذلك، لكنها لا تعتمد على ذلك وتذاكر أيضًا كل شيء.
وحين سُئل "مصطفى" عن تصرفه إزاء بعض الأجزاء التي لم يتمكن من مذاكرتها من قبل وحان امتحانها، أجاب أنه يبدأ بها إمّا دفعة واحدة، وإما يعطي لها كل يوم ساعتين في نهاية يوم المذاكرة، واتفق معه "عمرو" أيضًا في ذلك.

 

أيام الامتحانات.. عادات وتقاليد!

أما عن حياتهم أيام الامتحانات، وهل هناك عادات خاصة، يقول "مصطفى" إنه يمارس حياة طبيعية جدًا، بل ويخرج ويذهب لحفلات أو معارض أيام الامتحانات لو كان هناك متسع من الوقت.. كما أنه لا يأخذ معه أي كتب أو ورق في طريقه للجنة الامتحان، على العكس منه يقول "عمرو" أنه لا يقوم بأي نشاط للمذاكرة في يوم عودته من الامتحان، وبتعبير المهندسين يضيف: "أشعر أن مخي يحتاج لتفريغ الشحنات التي به"، كما لا يجد حرجًا في الاعتراف أنه ليلة الامتحان ينزع أسلاك الهاتف ويغلق الموبايل، حتى يكون اليوم "خالصًا" للمذاكرة.

 

المذاكرة على الأرض هي الطريقة المحببة لـ "ليلى"، وكذلك البدأ بالأذكار وإلا فتحس بـ "عدم البركة" وكذلك أحيانًا تلجأ إلى الاستخارة بأي الأجزاء تبدأ، ولكنها لا تغلق التليفون لأن معظم صديقاتها معها في الكلية ويعرفون أنها في فترة امتحانات، وتقول "هاجر" إنها تهتم بتغيير المكان المعتاد للمذاكرة أيام الامتحانات.

 

الطب النفسي يعترف

يؤكد د. محمد مهدي- رئيس قسم الطب النفسي بجامعة دمياط- على وجود مثل تلك النماذج المذكورة في بداية الموضوع، ويشير إلى أن الطالب المتفوق قد ينكبُّ على الكتب والمذاكرة، مضحيًا بأشياء أخرى كثيرة منها علاقاته الاجتماعية ومواهبه، فيصبح شخصًا انطوائيًا يحب العزلة.

 

ويشدد على أن هذا السلوك غير صحيّ بالمّرة، فحتى لو نجح هذا الطالب في الحصول على أعلى الدرجات فإن حياته العملية تكون مهددة بالفشل، بسبب اختزال شخصيته وضيق أفقه، واعتماده على الدراسة فحسب في تكوين ذاته، وأشار إلى أن الطالب الـ 20 أو 30 على الدفعة قد نجده أكثر تكاملاً من الطالب الأول.. لكنه ينفى أن يكون كل الطلبة الأوائل من هذه العينّة القاتمة، فهناك طلاب يمتلكون القدرة على الحفظ والاستذكار بصورة أكبر كما يوضح في الأسطر التالية.

 

12 نوع من الذكاء

كل الطلبة لديهم قابلية لأن يكونوا أوائل، هكذا أجاب د. مهدي، لكنه أشار إلى دراسة تمّ إعدادها تبين أن هناك 12 نوع من "الذكاءات" بينما لا يختبر نظام الامتحانات في الدول العربية إلا نوعين منها فقط، وهما اللفظي اللغوي والمنطقي الحسابي، بينما يغفل "ذكاءات" أخرى مثل الوجداني والتأملي الفلسفي والحركي الجسدي والاجتماعي.. إلخ.

 

وبالتالي فإن الطلبة الذين يمتلكون النوعين المشار إليهما يتفوقون أكثر، لكن بإمكان الآخرين أيضًا التفوق بمحاولة التأقلم مع نظام التقويم في بلادنا، وهذا في حد ذاته نوع من الذكاء، أن تتكيف مع واقعك وتنشط البضاعة المطلوبة، لكنه أشار إلى نوعية من الطلبة قد يمّرون في سنوات الدراسة بصعوبة لأنهم يمتلكون أنواعًا أخرى من الذكاءات، لكنهم ينجحون ويشتهرون في الحياة العملية، كأن يكونوا أدباء كبارًا أو تجارًا بارعين، عندما يستخدمون الذكاء الذي منحه الله إياهم، فالعقاد مثلاً أديب كبير لم يحصل سوى على الابتدائية!

 

ونوّه د. مهدي إلى خطورة نظام التعليم الحالي لأنه يقصر التفوق على نوع معين من الطلبة، ويخنق بالتالي فرص الإبداع والتطوير، وأشار إلى إحصائية عام 2003 تبين أنه تم تسجيل 600 براءة اختراع، مقابل 24 في كل الدول العربية مجتمعة!!

 

التفوق بمذاكرة الامتحان ممكنة.. ولكن!!

وبالرجوع مرة أخرى إلى ما ذكره بعض الأوائل في التحقيق، نجد أن كثيرًا منهم بالفعل لا يذاكر بالكمية الرهيبة التي يتخيلها البعض، وقد أكدّ د. مهدي أن هذا النموذج موجود بالفعل حيث فسّر ذلك أن هناك نوعين من الذاكرة، قصيرة المدى وبعيدة المدى.

 

والذاكرة القصيرة المدى تحتفظ بالعلوم بسرعة، لكنها محدودة جدًا قد لا تتعدى ساعات لدى البعض أو أيام قليلة لدى البعض الآخر، لذلك لا تفلح المذاكرة المكثفة قبل الامتحان إلا عندما تكون الأجزاء التي لم تقرأ من قبل قليلة، أما من يمارس هواية تأجيل المواد كلها إلى آخر أسبوعين أو شهر، فإنه أولاً يجد كمًّا كبيرًا للغاية يصعب تداركه، ولن تتسع له الذاكرة القصيرة، كما أن حالة القلق الطبيعية التي يصاب بها أي طالب قبيل الامتحانات تقلل أيضًا من كفاءة الحفظ والاستذكار.

 

أما الذاكرة طويلة المدى فهى قوية، فالأبحاث تشير إلى أن قراءة شيء ما بشكل سريع يُمكِّن الإنسان من استرجاع 20% منه بعد أسبوعين، وترتفع النسبة إلى 60% لو راجعها مرة واحدة، و 85% لو راجعها مرتين، وقد تصل إلى 100% لو راجعها 3 مرات.

 

فالذاكرة الطويلة المدى بإمكانها الاحتفاظ بكمّ كبير جدًا من المعلومات لفترات طويلة، بعكس الذاكرة الطويلة التي يعتمد عليها البعض، وقد يُفلح أحيانًا في مادة أو مادتين لكنه لن يستطيع أن يكون من المتفوقين على طول الخط إذا اتبع أسلوب المذاكرة وقت الامتحانات والذاكرة القصيرة فقط.

هذه هي قوانين الذاكرة، أما قوانين النسيان فمنها الضمور بعدم الاستخدام والعكس، وهو مبدأ ديني "إحياء العلم بالعمل" ولكنه يستخدم في العلوم، فكلما استخدمت ما تدرس وراجعته أكثر ثبت في ذهنك أكثر، كذلك التداخل القبلي والبعدي أحد قوانين النسيان، أن تتداخل المعلومة مع معلومة أخرى وردت بعد المذاكرة، أو أن تعوق كمية المعلومات وانشغال الذهن استقبال معلومات جديدة وهذا هو التداخل القبلي.

 

وفي النهاية يضيف د. مهدي أن فترات الاستراحة بين المذاكرة مطلوبة بشدة، يستلقي الطالب فيها على السرير أو المكتب، بدون مشاهدة تلفاز أو ممارسة أي نشاط ذهني، ثم معاودة المذاكرة مرة أخرى، وكذلك يشير إلى أن النوم مهم جدًا لتتم عملية تخزين المعلومات في الذاكرة الطويلة، ولذلك لو كان لدى الطالب جزء صعب فبإمكانه قراءته مباشرة قبل النوم فهذا يساهم في تثبيت المعلومات.

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 2470 مشاهدة
نشرت فى 5 فبراير 2006 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,067