بعد فضيحة انهيار بنك التجارة والاعتماد الدولي في العام 1991 والآثار المدوية لها على النظام المصرفي العالمي ، بدأت حملة منظمة لإعادة النظر في القوانين وأنظمة الرقابة على البنوك في جميع أنحاء العالم ،
ولكن في تموز 1997 انهار بنك الاتحاد الأوروبي في أنتيجوا وقام مدراء البنك بالإختفاء جنبا إلى جنب مع ودائع العملاء ، وعلى الرغم من صغر حجم بنك الاتحاد الأوروبي مقارنة ببنك الاعتماد والتجارة الدولي إلا أن هذه الحالة أثبتت بأن النظام المصرفي والقوانين المنظمة لعمل البنوك ما زالت تحوي العديد من الثغرات التي يمكن استغلالها . وتشكل حالة بنك الاتحاد الأوروبي في أنتيجوا نموذجا ممتازا لدور الوحدات المصرفية الخارجية ( الأفشور ) وملاذات السرية المصرفية في تسهيل الأنشطة الإجرامية . ولقد ظهر بنك الاتحاد وكأنه بنك المستقبل لعملائه بإعلانه عن قبول الايداعات عبر شبكة الإنترنت وبضمان السرية الكاملة لعملائه إضافة لتحمله كافة المصاريف المتعلقة بفتح وإدارة حسابات العملاء وكذلك بعرضه لنسبة فائدة ممتازة وصلت إلى 91ر9% على شهادات الإيداع ذات المليون دولار سنويا . ولقد تم تسجيل بنك الاتحاد الأوروبي ( European Union Bank ) كبنك أفشور في انتجوا في الثامن من حزيران 1994 ، في الثامن عشر من آب 1994 قام بتغيير أسمه إلى ( European Union Bank Inc. ) .
وكانت الشركة الأم لهذا البنك هي ( Swiss Investment Association SA ) وهي شركة دولية مسجلة في جزر البهاماس . ولقد قام اثنان من الروس هما : الكسندر كونانكين و ميخائيل كودوروفسكي بتأسيس هذا البنك والذين قاما بالتعريف على أنفسهم بأنهم من مسئولي بنك ( Menatep Bank Of Moscow ) ولعل أحد المؤشرات على الشكوك في أصل البنك تمثلت في أن كونانكين أحد المؤسسين ، كان شخصية مثيرة للجدل حيث زعم أنه هرب في عام 1992 بعد اختلاسه 1ر8 مليون دولار أمريكي من ( Exchange Bank ) في موسكو . وفي السابع والعشرين من شباط 1995 أصدر مجلس محافظي النظام الفيدرالي الأمريكي مذكرة سرية قال فيها بأن البنك المركزي في بريطانيا قد أعلمه بأن كونانكين قام بزيارة انتيجوا في كانون ثاني عام 1995 والتقى مسؤولين في حكومة انتجوا بطلب مساعدتهم في إبقاء ملكية بنك ( Menatep ) الروسي لبنك الاتحاد الأوروبي ، سرية ، الأمر الذي نفاه كوناكين أما كودروفيسكي الذي كان أحد كبار مسئولي بنك ( Menatep ) فقد نفى ملكية بنك ( Menatep ) لبنك الاتحاد ، بل وذهب إلى حد نفي الادعاءات حول علاقة بنكه بالجريمة المنظمة .
وقد قام البنك في أيلول بإنشاء الموقع الخاص به على شبكة الإنترنت وأعلن أنه أول بنك يتمكن عملاؤه من فتح وإدارة حساباتهم من أي مكان في العالم يتواجدون فيه ، وفي تموز 1996 أعلن اللورد مانكروفت رئيس البنك وأحد أعضاء مجلس اللوردات البريطاني بأن البنك يعتزم طلب تمويل إضافي عبر بيعه لحصص وأسهم على شبكة الإنترنت وفي هذا الوقت بلغت ودائع البنك 8ر2 مليون دولار أمريكي ، كما كان هناك أكثر من 144 حسابا مفتوحا مع عملاء من 43 دولة مختلفة وكانت أكبر الإيداعات في ذلك الوقت تساوي 400000 دولار أمريكي . ولقد أكد مانكروفت بأن التعامل مع بنك الاتحاد الأوروبي له العديد من المزايا ومن ضمنها التهرب الضريبي كأحد وسائل جذب العملاء وفي الوقت نفسه نفى ضلوع البنك في أية عمليات غسيل الأموال وأدعى بأن البنك قام بتوظيف أحد المسؤولين السابقين في وزارة العدل الأمريكية لضمان نزاهة تعاملات البنك . ومن المؤشرات على تورط البنك في عمليات غسيل الأموال إعلانه الواضح على شبكة الإنترنت والموجه للعملاء الراغبين بتفادي الضرائب أو إيجاد ملاذ مالي لأموالهم القذرة بعيدا عن انظار السلطات الأمنية وقد تضمن الاعلان بأن العملاء سوف يحظون بأعلى درجات الأمن والسرية إضافة لإنعدام التكاليف تقريبا كما يمكنهم الحصول على سلسلة كبيرة من خدمات الافشور المصرفية من أي مكان في العالم بما فيها الحسابات المرقمة حيث أن هوية العميل الحقيقية معروفة فقط من قبل أحد مسئولي البنك أو الحسابات المشفرة وهي حسابات مرقمة ولكنها تدار بواسطة كلمة السر بدلا من التوقيع ، كما يمكن للعملاء تنفيذ عملياتهم التجارية على شبكة الإنترنت بموجب قانون انتيجوا التجاري الذي لا يشترط معرفة أسماء حملة الأسهم أو المالكين . ولم يكن من المستغرب أن تثير حالة هذا البنك الكثير من الشكوك لدى أجهزة مكافحة الجريمة المنظمة إضافة للجهات الرقابية الأخرى والخاصة .
وفي تقريره الصادر في 31 تموز 1995 ، قال تقرير مكتب "Coopers & Lybrand " للتدقيق ، بأن البيانات المالية المقدمة من البنك لا تعكس الوضع الحقيقي له ، ولقد سبق انهيار البنك الكثير من المؤشرات والتي منها قيام حكومة انتجوا ونتيجة للضغط الدولي بالتحرك لمعالجة وضع البنك . وفي الوقت نفسه حذر تقرير دولي بأن انتيجوا لا تقوم بالرقابة على القطاع المصرفي وبأن البنوك في هذه الجزيرة هي عبارة عن " لوحة نحاسية على الحائط أو غرفة تتواجد فيها آلة فاكس أو جهاز كمبيوتر " كما ظهر مقال في الواشنطن يوست أثار شكوك مشابهة و بدا من الواضح أن الرقابة المصرفية غير كافية ولا يتم الاجتهاد الواجب للتحقق من المؤسسين طالما أثبتوا ملكيتهم لمبلغ المليون دولار أمريكي اللازم لتأسيس وإنشاء البنك .
وفي ربيع 1997 قامت الدائرة المالية التابعة لولاية إيداهو الأمريكية بإصدار مذكرة شديدة اللهجة تطلب فيها من بنك الاتحاد الأوروبي التوقف على قبول آية إيداعات من مواطني الولاية ، ومن الواضح أن ولاية ايداهو لا تملك أية سلطة قانونية لتطبيق مذكرتها ولكن شكلت هذه المذكرة مؤشرا أخر على سوء وضع البنك ، وبأنه لا يوجد أية ضمانات لودائع العملاء فيه
.
ويبدو أن حكومة أنتيجوا نفسها كانت تتعرض للعديد من الضغوطات إذ قامت بإغلاق خمسة بنوك روسية وأوكرانية و قامت وزارة المالية بتحذير بنك ا لاتحاد بأن "وضعه ليس جيدا " ومع ذلك استمر البنك في تلقي الايداعات مما دفع وزارة المالية لتحذير المستثمرين بتوخي أقصى درجات الحيطة في تعاملهم مع هذا البنك . وقبل أسابيع قليلة من انهيار البنك قامت حكومة أنتيجوا بالطلب من أحد مكاتب التدقيق ، التفتيش على أعمال البنك كما قام مكتب المخدرات وغسيل الأموال الوطني التابع للحكومة بإصدار مذكرة خاصة بالاحتيال حول البنك.
ولعل جميع هذه المؤشرات والإجراءات هي التي دفعت بمؤسسي البنك إلى الهرب إلى كندا مع ودائع البنك .


ساحة النقاش