د.طارق قابيل

استخدم كل حواسيب العالم عبر حاسوبك الشخصي

هل فكرت أن تستثمر حاسبك الشخصي ومصاريف الاتصال بالإنترنت في مشروع مفيد؟ هل تخيلت أن هناك من يريد أن يدفع لك مقابلا ماديا للأوقات التي تقضيها في قراءة بريدك الإلكتروني، ومتابعة ما يستجد من أخبار، أو عندما تتصفح المواقع الإلكترونية التي تفضلها أو أثناء مشاهدتك للأفلام وسماع الموسيقى واللعب أون لاين؟! هذا ليس حلما بل سيصبح قريباً حقيقة ملموسة.

من المعروف أن هناك تزايدا كبيرا في سرعة المعالجات التي تزود بها الحاسبات الشخصية، كما أن القدرات التخزينية للأقراص الصلبة تتزايد طرديا مع الوقت؛ لذا أصبحت قدرات الحاسبات الشخصية أعلى بكثير من احتياجات الغالبية العظمى من المستخدمين العاديين للكمبيوتر.

لهذا فكر العلماء في استغلال هذه القدرة العالية المهدرة لهذه الأجهزة عن طريق برامج تعمل كحافظات للشاشة، وتقوم بحل المعادلات أثناء توقف المستخدم عن العمل على الكمبيوتر. وبرغم نجاح الفكرة فإن عدم تحمس الأفراد للمشاركة تطوعا أدى إلى تبخر الآمال المرتبطة بهذه التقنية.

كما فكر علماء آخرون في استغلال هذه القدرات بالتطفل على الأجهزة الشخصية المرتبطة بشبكة الإنترنت، وظهرت تجربة جديدة سميت "بالحاسبات الطفيلية" وهي برمجيات تعتمد على استغلال قدرات جميع الحاسبات المرتبطة بشبكة الإنترنت بدون علم أصحابها، ولكن على ما يبدو فإن التقدم في هذا المجال أصبح محفوفا بالمخاطر أيضا بعد التقدم في برمجيات التأمين الشبكي، ولهذا فما زالت الآمال معقودة على نظام المشاركة الاختيارية التي يشارك فيها الجميع طواعية، ويجني جميع المشاركين ثمار عملهم، ومشاركتهم في هذا المشروع الكبير.

"مقياس الإنترنت"

ويجري حاليا العمل على قدم وساق في المختبرات ومراكز البحوث العالمية لإعداد اتفاقيات جديدة للشبكات تسمح بظهور نظام تشغيل جديد يغطّي شبكة الإنترنت بكاملها، يستثمر كل المساحات التخزينية، وسرعة ملايين من معالجات الحاسبات الشخصية المرتبطة بالإنترنت، ويصهرها جميعا ليصنع منها "حاسوبا عالميا" افتراضيا، ويجلبها إلى أطراف أصابع كل مشترك.

يقود هذه البحوث "إيان فوستر" و"كارل كيسيلمان" من معهد المعلوماتية في جامعة جنوب كاليفورنيا. ويمكن أن يتحقق هذا المشروع الطموح باستخدام نظام تشغيل مشابه للإنترنت يمتلك قدراتها، والنظام المقترح يعرف بـنظام تشغيل على "مقياس الإنترنت" Internet-scale operating system (ISOS) ليكون "الصمغ" اللازم لربط جميع القدرات التخزينية واستغلال معالجات ملايين الحاسبات الشخصية المستقلة.

ولم يصل المبرمجون إلى نظام تشغيل ISOS حتى الآن، لكن هناك برمجيات كثيرة خطت خطوات طويلة في هذا الطريق. فعلى سبيل المثال أنتج المطوّرون عددا من البرمجيات قريبة الشبه من هذا البرنامج، مثل برمجيات "نظير لنظير" (الند للند)، وغيرها من البرمجيات التي تحاول استغلال الإمكانات الكبيرة للأجهزة المتصلة بالإنترنت. كما يجري الآن تطوير أسلوب جديد لتخزين البيانات والمعلومات يطلق عليه الخبراء اسم "‏التخزين الذكي"،‏ ويستهدف هذا الأسلوب رفع سرعة تبادل الملفات والمعلومات عبر شبكات المعلومات المختلفة، وإتاحة قدر أكبر من التأمين والحماية للمعلومات المخزنة داخل الحاسبات الخادمة. ‏وكالعادة فبرمجيات اليوم هي نقطة الانطلاق لبرامج الغد، لكن لسوء الحظ ما زال خلق تطبيقات "مقياس الإنترنت" يشكل تحديا بارزا للمطورين.

حاسبات "ضوء القمر"

علمتنا التجربة أن المطورين سيخوضون هذا التحدي، لكن يجب عليهم بذل الكثير من الجهد لتهيئة جميع الأمور التقنية الصعبة، مثل إنشاء قاعدة بيانات للمستعملين، وتقسيم المهام الصغيرة عليهم، وتخصيص مساحات التخزين واتفاقيات الاتصال، وجدولة العمليات الأخرى التي لا تعد ولا تحصى. وإذا أصبحت تقنيات "مقياس الإنترنت" ISOS اتجاها عاما في عالم الكمبيوتر والاتصالات، فسيتم إنشاء بنية تحتية قوية للتعامل مع هذه التقنيات بشكل نهائي، يزوّد فيها كل كمبيوتر بنظام تشغيل موحد في بيئة موحدة تمتد بطول الكرة الأرضية، وتنصهر فيها الحاسبات الشخصية جميعها لتعمل كحاسب افتراضي بقدرات لم يعهدها العالم من قبل.

ويشتمل نظام ISOS على حزمة رقيقة من البرمجيات (وكيل ISOS) التي تنصب على كلّ حاسب "مضيف" بالإضافة إلى نظام تنسيق مركزي central coordinating system ينصب على واحد أو أكثر من الحاسبات الخادمة. وتوفر هذه البرمجيات الوظائف الرئيسية للتخصيص، وجدولة المصادر لكلّ مهمة، ومعالجة الاتصال بين الحاسبات الرئيسية، وتقرّر التعويض المطلوب لمالكي المصادر المتنوعة بشكل كفء وإنصاف شديد.

ويمكن استخدام هذه النظام العالمي الذي أطلق عليه بعض الخبراء نظام "ضوء القمر" Moonlighting في معالجة البيانات مثل: محاكاة الطبيعة، تحليل الموجات الإذاعية، التحليل الوراثي، الرسومات والعروض المالية. أو في توزيع الخدمات على الإنترنت مثل: أنظمة تخزين الملفات، قواعد البيانات، استضافة مواقع الويب، والعروض الإعلامية (مثل عرض الفيديو على الإنترنت) بالإضافة إلى محرّكات البحث المتقدمة.

ومن المتوقع أن تغير هذه التقنيات الأفكار السائدة، وسيكون بإمكان أي مشترك في هذه التقنيات استعمال جميع المصادر المتوفرة عبر الإنترنت. فهناك حاليا أكثر من 150 مليون حاسب مضيف تتصل بالإنترنت، والعدد ينمو تصاعديا. لذلك فتقنية مثل ISOS يمكن أن تزوّد كل مشترك بحاسب افتراضي تصل سرعته إلى حوالي 150 مليون ضعف السرعة الأصلية لحاسبه، فضلا عن توافر قدرات تخزين عالية لا يمكن تخيلها.

حتى عندما يتقاسم المشتركون قدرات هذا الحاسب الافتراضي فستكون النتيجة في جميع الأحوال مشجعة، وسيحصل كل مشترك على حاسب أرخص وأسرع وأكبر من حاسبه الخاص بملايين المرات.

وبالطبع تصطدم هذه الفكرة المبدعة بالعديد من العقبات. فالبيئة التي سيعمل بها هذا النظام متباينة، فالمضيّفون لديهم أنواع مختلفة من المعالجات وأنظمة التشغيل والذاكرة والأقراص الصلبة، ويتصلون بالإنترنت بطرق مختلفة. كما يتوافر لبعض المضيفين برامج الحماية وبرامج تعيق الارتباطات القادمة من الخارج. أيضا سيحد من نجاح هذه التقنية أمزجة وعادات المستخدمين الخاصة؛ فيجب أن يحترم البرنامج القيود التي يفرضها المشاركون، مثل سماح المضيف باستعمال حاسبه في الليل فقط أو التعامل مع أنواع معينة من الطلبات.

ويجب أن يتوقع المخططون لمثل هذه البرمجيات الثغرات الأمنية التي توفرها هذه البرمجيات للمستعملين الفضوليين والخبثاء والذين يحاولون عرقلة وخداع أو غشّ النظام. وكلّ هذه المشاكل لها تأثير سلبي على نجاح البرنامج؛ لهذا يجب الاستعداد لها.

أما عن التعاملات بين المشتركين في هذه الشبكة وكيفيه تعويض الأشخاص المنتجين فيمكن التعامل بأموال حقيقية أو بأموال افتراضية، أو يتم الاشتراك بنظام للمقايضة الذي يحصل فيه المشارك على خدمات مجانية، مثل استضافة مواقع الويب وتخزين الملفات مقابل السماح باستعمال معالج الحاسب.

ويجري حاليا ربط العشرات من الحاسبات الشبكية الموزّعة حول العالم للحصول علي قدرات حسابية لم يسبق لها مثيل، وتشارك فيها المؤسسة القومية للعلوم الأمريكية، ويلقى الدعم من الشركات الصناعية الكبرى، مثل "آي بي إم"، و"صن مايكروسيستمز"، و"مايكروسوفت"، لصناعة أكبر حاسب عملاق على وجه الأرض قادر على إجراء حوالي 21 تريليون عملية "نقطة-عائمة" في الثانية (floating-point operations) مما يجعله أحد أسرع الأنظمة الحسابية في التاريخ.

أهم العلماء والمشاريع البحثية في مجال الاستعمال الشبكي للحاسبات

الباحث

المشروع

"أندرو تشين "

مجموعة عمل النظير للنظير (الند للند)

"أندرو جرمشاو"

برامج الشبكة التجارية

ميرون ليفني

النظام المفتوح المصدري لتسخير محطات العمل الفرعية العاطلة

ستيفن تويك

صندوق عدّة جلوبوس

ويمكن أن تدير النظام بكامله منظمة مموّلة من قبل الحكومة أو من بعض الشركات متعددة الجنسيات. ويمكن للشركات العربية المشاركة في تطوير مثل هذا النظام، ويمكن للمطورين والمبرمجين والدارسين الاطلاع على أحدث الدراسات في هذا المجال على شبكة الإنترنت.                       

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 289 مشاهدة
نشرت فى 23 ديسمبر 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,072