|
أصل اليوم للنقطتين الأخيرتين في هذه السلسلة حول الوسائل التي من شأنها أن تضمن أكبر قدر ممكن من النجاح لمشروع الشبكة الثالثة للتليفون المحمول, والنقطة الأولي هي قواعد اختيار الجهة التي ستنفذ الشبكة وتديرها, والثانية كيفية بناء علاقات تفاعل وتعاون واقعية ومنصفة بين الشبكة الجديدة والشبكات القائمة فيما يتعلق باستخدام بعض أوجه البنية الأساسية والمزايا والخدمات المتاحة حاليا, ولابد من التأكيد مجددا علي أن تناولنا لهاتين النقطتين ـ كما كان الحال مع النقاط السابقة ـ ينطلق من قاعدة سبق ذكرها مرارا من قبل وهي أن النجاح المطلوب في هذا المشروع لا يقاس فقط بالتمكن من جذب مجموعة مستثمرين يفوزون به وينشئون شبكة ثالثة تقدم خدمات بعينها لعدد ما من المواطنين, وتحقق لأصحابها قدرا مرضيا من الربح عاجلا أو آجلا, ولكنه نجاح يقاس بمدي قدرة الشبكة الثالثة علي تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي من أجله اتخذت الدولة قرارها بإنشائها, والمتمثل في بناء بيئة تنافسية أوسع بين مقدمي خدمة التليفون المحمول وكبح الممارسات الضارة بالمستخدمين, ورفع مستوي جودة الخدمة وتطبيق سياسة سعرية أكثر كفاءة وعدلا وإتاحة قدر معقول من فرص العمل والرواج بقطاع الاتصالات ككل.
فيما يتعلق بالنقطة الأولي تشير المواد المنشورة حول المشروع بموقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلي أن الجهاز يأخذ بمفهوم المزايدة كأسلوب أو منهج عام لاختيار الطرف المنفذ للشبكة والمتعارف عليه أن المزايدة ـ كمعيار للمفاضلة بين الأطراف المتقدمة لمشروع ما ـ تقوم علي إرساء المشروع للطرف الذي يطرح أعلي سعر, أي يكون المعيار الأكثر أهمية في حسم المفاضلة هو السعر وليس المستوي الفني والتقني للمتقدمين, ومن الناحية النظرية يري الكثيرون أن هذا المنهج يحقق ارتقاء في الكفاءة والجودة السائدة بالسوق أو بين المتنافسين.
بيد أن اللجوء إلي منهج المزايدة في هذا المشروع بالذات تحوطه الكثير من عوامل القلق وتعترضه العديد من المزالق الخطرة; لأن المشروع كما سبق القول ذو طبيعة مختلفة ويحتاج تفكيرا مختلفا في كل شيء بما في ذلك أسلوب اختيار الطرف المنفذ, ومصدر القلق هنا أن منهج المزايدة قد ينتهي باختيار مستثمر يدفع سعرا عاليا, ثم ينشئ ويدير شبكة ترسخ الوضع القائم بدلا من تغييره وتحسينه, وهو ما يتعارض مع الهدف الاستراتيجي للمشروع, ويمكننا أن نسوق بعض الجوانب المقلقة في منهج المزايدة علي سبيل المثال لا الحصر كالتالي:
ـ إن الاحتكام للسعر كوسيلة أساسية للمفاضلة بين العروض قد يؤدي إلي فوز طرف أقل في مستواه الفني والتكنولوجي وفي خبراته العملية مقارنة ببعض الأطراف الأخري الأعلي في قدراتها التقنية وخبراتها العملية, والأقل في قدراتها المادية, مما قد يدفع للسوق بطرف يملك المال ولا يستطيع تشغيل وإدارة الشبكة بالجودة والكفاءة المطلوبة.
ـ في ظل نقص المعلومات الدقيقة عن السوق المصرية وفرص الربحية بها, قد لا يتمكن بعض المتقدمين من وضع تقدير واقعي لقيمة الرخصة والمشروع, وبالتالي يعرضون أسعارا أعلي من القيمة الحقيقية للرخصة وهو أمر سيدفعهم ـ بعد تسديد قيمة الرخصة وتشغيل الشبكة وقراءة الواقع الحقيقي ـ إلي تنفيذ ممارسات هدفها تعويض الزيادة غير الواقعية في قيمة الرخصة, ودون شك ستكون هذه الممارسات غير معنية كثيرا بتحقيق الهدف الاستراتيجي للمشروع.
ـ قد يري البعض أن الجهات المعنية بالبت في المزايدة ستأخذ في اعتبارها التقييم الفني إلي جانب السعر, ولكن مادامت اليد الطولي في التقييم لمعيار السعر, فإنه حتي في حالة فوز طرف متفوق ماديا ومؤهل فنيا سيظل هناك احتمال بأن هذا الطرف سيسعي بعد الفوز بالمزايدة إلي وضع استراتيجية هدفها استعادة استثماراته وتحقيق مكاسب مادية سريعة يكون مهيئا بعدها للانسحاب وعدم الاستمرار في أي لحظة, وليس وضع استرايجية تقوم علي فكرة الاستمرار في السوق, وهذا الوضع سيضر مستقبلا بأوضاع السوق بل قد يؤثر سلبيا علي الاقتصاد القومي ومناخ الاستثمار بالبلاد.
ـ إن الاعتماد علي منهج المزايدة ربما يقلص من فرص المنافسة المتاحة أمام بعض الأطراف التي تتوافر لديها القدرات الفنية والتكنولوجية العالية, ولكن لا تمتلك في الوقت نفسه الوفرة النقدية التي أتيحت لأطراف أخري بسبب ظروف ليست ناجمة عن براعتها وقوة أدائها في مجال الاتصالات, وإنما ناجمة عن متغيرات عالمية مختلفة كالقفزات المتوالية في أسعار البترول.
هذه النقاط ـ وغيرها الكثير ـ تثير العديد من التساؤلات وتلقي بظلال من الشك حول مدي كفاءة وجدارة منهج المزايدة وما يرتبط به من قواعد في اختيار الطرف الأنسب لتنفيذ المشروع, وإذا كان القرار قد اتخذ باتباع هذا المنهج ولا رجعة فيه فلا بأس, ولكن علي الجهات المعنية أن تتروي وتتوخي المزيد من الحرص وتضيف المزيد من القواعد التي لا تجعل من المزايدة نقطة بداية لانزلاق المشروع إلي ما لا تحمد عقباه.. ومن القواعد المقترحة في هذا السياق:
ـ وضع شروط ومواصفات تقنية وتسويقية دقيقة وصارمة يتعين توافرها في الأطراف المتقدمة للمزايدة; لتعمل كمعيار له ثقله جنبا إلي جنب مع معيار السعر, وأن تعلن هذه المواصفات والشروط بشفافية ووضوح بما يضمن مستوي من الجدارة والتأهيل الفني والتكنولوجي والخبرة العملية لدي المتقدمين يناسب متطلبات المشروع, وقد يكون من هذه الشروط أن يكون للطرف المتقدم خبرة لا تقل عن خمسة أعوام في مجال تسويق ونشر الشبكات, وأن يزيد عدد المشتركين بالشبكات التي أنشأها علي عشرة ملايين مشترك, ونذكر هنا أن السعودية ـ مثلا ـ تطلب من الأطراف المتقدمة لنيل رخص المحمول أن تكون ذات خبرة تقنية مناسبة في تقديم خدمات مثيلة لمدة لا تقل عن عامين وأن تكون لديها خبرة تسويقية في هذا المجال ومالا يقل عن1.5 مليون مشترك وموارد مالية تكفي ما لا يقل عن5 سنوات من خطة العمل.
ـ أن تجري الجهات المعنية مفاوضات مباشرة وجادة وعميقة مع جميع المتقدمين للتعرف علي استراتيجياتهم ورؤاهم للمشروع وأيضا للاستجابة لمطالبهم فيما يخص ضمان كفاءة شروط المزايدة.
وفي السياق نفسه هناك قضية مهمة يتعين حسمها قبل طرح المزايدة, وهي أن وزير الاتصالات يرأس ـ بحكم المنصب ـ الجهة المسئولة عن الطرح وقرار الإسناد, وهي جهاز تنظيم الاتصالات, وفي الوقت نفسه فإن الشركة المصرية للاتصالات التابعة تنظيميا للوزير تمتلك حاليا عددا كبيرا من أسهم الشبكة الثانية العاملة في السوق, وهناك من يري أن هذا الوضع التنظيمي المتشابك ـ بين الجهاز والشركة ككيانين لكليهما علاقة تنظيمية مع منصب الوزير ـ أوجد نوعا من تعارض المصالح الذي قد يفتح الباب بدوره لنوع من عدم الحياد في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشبكة الثالثة بسبب وجود مصالح للمصرية للاتصالات في الشبكة الثانية, وسواء كانت هذه النظرة سليمة أم خاطئة, فهي جديرة بتقديم شيء يحسمها كلية ويزيل أي مخاوف بعدم الحياد لدي المتقدمين للشبكة الثالثة.
والآن أصل للنقطة الخاصة بعلاقات المشاركة والتعاون بين الشبكة الجديدة والشبكات القائمة فيما يتعلق باستخدام بعض أوجه البنية الأساسية والخدمات المتاحة, فبسبب التحديات المعقدة والمتعددة التي تواجه الشبكة الثالثة ولم تواجه الشبكتين الأولي والثانية ـ راجع المقالين السابقين ـ تحتاج الشبكة الثالثة إلي بعض المزايا التي تعينها علي المنافسة علي الأقل في مراحلها الأولي وهو أمر يحتاج تفكيرا مختلفا من جهاز تنظيم الاتصالات وليس الأخذ تلقائيا بمبدأ المساواة مع الشبكات السابقة, والحقيقة أن هذه النقطة بالذات تحتاج قدرا عاليا من الشفافية يوضح البنود الكاملة للاتفاق بين الدولة والشبكتين السابقتين حول الميزات الإضافية التي يمكن منحها للشبكة الثالثة وهل هناك نوع من الاحتكار لبعض الخدمات حصلت عليه الشبكات السابقة أم لا؟ وهل هناك قيود تعرقل حصول أو انفراد الشبكة الجديدة بأي ميزات إضافية وجديدة أم لا؟ ولا شك أن وجود أي وضع احتكاري أو قيود مسبقة هو خصم من قدرة جهاز تنظيم الاتصالات علي ضبط وتنظيم العلاقة بين الشبكات الثلاث بشكل منصف.
ومن أوجه التعاون الأخري المطلوبة, ضرورة إيجاد آلية تستطيع من خلالها الشبكة الثالثة الاستفادة من بعض أو كل مواقع محطات الاستقبال الخاصة بالشبكتين الحاليتين لأنه من الناحية العملية استحوذت الشبكتان علي معظم وربما الغالبية الساحقة من الأماكن المتاحة عمليا لتركيب محطات الاستقبال, وإذا لم تحل هذه المشكلة فستواجه الشبكة الثالثة صعوبات جمة, ولا شك أن هذه النقطة يمكن حسمها من قبل جهاز تنظيم الاتصالات, وأخيرا هناك ضرورة لأن ينظر الجهاز في إمكانية تشغيل خاصية التجوال بين الشبكات الثلاث, بما يجعل المشترك في أي شبكة قادرا علي القيام بالاتصال من أي مكان تتوافر به تغطية لأي شبكة من الشبكات الثلاث بغض النظر عما إذا كان مشتركا فيها أم لا, ولأن هذه النقطة تتطلب تكلفة وتأهيل تقني خاص داخل الشبكات, فبإمكان الجهاز تقسيم تكلفة التجوال علي الشبكات المختلفة بشكل منصف طبقا لنمط الاستخدام الفعلي.
في النهاية نأمل أن تكون هذه المقالات قد ألقت بعض الضوء علي طبيعة مشروع الشبكة الثالثة للمحمول ومتطلبات نجاحه.. ونرحب بأي تعليق أو تعقيب.
|
ساحة النقاش