| تصميم منازل ذكية للمستقبل |
بيوت متطورة تدار إلكترونيا..شبكة كومبيوتر داخلية تطفئ مصابيح الكهرباء وتتحكم في الحرارة...
هل يمكن أن يوجد في المستقبل ما يسمى" البيت الذكي "؟ بيت كل شيء فيه يدار آليا، التحكم في درجة حرارته تتم أوتوماتيكيا، مصابيح الكهرباء تنطفئ من تلقاء نفسها عند عدم الاحتياج إليها.. متى يمكن ذلك؟ وبالإضافة للكهرباء والصرف الصحي، ماذا تحتاج بيوتنا لتتطور وتضم شبكة كومبيوتر بداخلها تدير كل شيء بحساسية اكثر وذكاء. مبانينا تحتاج لأن تصبح أكثر ذكاء وتتصرف نيابة عن قاطنيها لتنتهي أعوام من التكاسل والاسترخاء البشري والتي طالما تسببت في كوارث وأوبئة تساهم في فناء الجنس البشري.
قبل أن نفكر في المستقبل.. نظرة علي الماضي أولا قد تفيد كثيرا. قد تكون سمعت عن إفيسوس تلك المدينة الرومانية التي مازالت أطلالها باقية علي ساحل بحر إيجة في تركيا والتي بنيت أيام المسيح وكانت مدينة خلابة بشوارعها الرخامية ومسرحها الضخم ومكتبتها العظيمة بالإضافة لبنيتها التحتية المتميزة وصرفها الصحي الجيد. وقد كان حكام تلك المدينة الرومان يتعاملون مع الحمامات ومواسير الصرف بجدية وما زالت بعض المواسير والبالوعات المصنوعة من الفخار تعمل حتى اليوم، كانت الحمامات مثلا تتمتع بنظام رائع لتسخين المياه ومد الحمامات بالمياه الساخنة والدافئة وأيضا الباردة. وإذا سرت في المراحيض الرومانية مثلا ستعجب بمقاعدها الفخارية والمصارف التي تحمل فاقد المياه بعيدا وعند قدميك توجد مجاري مياه لغسل اليدين والأقدام . كل هذا مقارنة بالحمامات الحديثة الموجودة اليوم يشعرك بأنه كان حلما.
أما إذا قررت تجربة دورة مياه عمومية في أقرب المدن التركية الحديثة لإفيسوس ستصاب بالهلع لأن مجرد وصفه بحفرة في الأرض يعتبر شيئا عظيما كأن أكثر من ألفي عام من التطور في الصرف الصحي لم تحدث، خاصة وأغلبية المناطق في العالم ما زالت تعاني من سوء الصرف الصحي وأن التفرقة بين مياه الشرب والصرف لم تكتشف بعد. والأوبئة المرتبطة بتلوث المياه تعتبر من بين أهم ثلاثة أسباب الوفاة في مناطق كبيرة من الهند وآسيا، وتوفير المياه النقية يعتبر قضية عالمية.
وهناك بالفعل حلول مبتكرة لها مثل تجربة مركز دعم استمرارية الحياة بجامعة ولاية بنسلفانيا والتي قام فيها بتقسيم صوبة زراعية مليئة بالنباتات والقواقع تعمل علي تخليص مياه المجاري من السموم ويسمونها" ماكينة الحياة ".
الحكمة البوذية والعمارة
مدينة مثل كيوتو اليابانية تعتبر مدينة خاصة بمبانيها الخشبية القديمة التي ما زالت سليمة والمنسجمة مع المدينة الحديثة. بالإضافة للسحر الخاص الذي تحتفظ به البيوت القديمة والفنادق الريفية، قرون من الحكمة البوذية امتزجت بالعمارة وأثرت فيها، مثلا إذا تجولنا في الحدائق نلاحظ أشجار الأرز المميزة التي تنمو مستقيمة تماما كالعمود بارتفاع عشرة أمتار بقمتها المورقة والتي تشبه الكرة الصوف.هذه الأشجار لا تنمو هكذا ولكن منذ آلاف السنين أدرك الرهبان البوذيون أنه إذا تم تشذيب أغصان الأشجار الأفقية باستمرار سوف تنمو بشكل مستقيم تماما وخلال مئات بل آلاف السنين زرعوا الغابات بهذه الطريقة ليوفروا أخشاب مستقيمة لبناء البيوت.
هذه النوعية من التقدير العميق للأشياء لم يتم تطبيقها بعد في تكنولوجيا الكومبيوتر علي امتداد الأجيال فلا توجد هذه الحكمة البوذية في أجهزة التكنولوجيا المليئة بالتعقيدات وحتى في نظامي الإضاءة والتدفئة المكتشفين في بداية القرن العشرين والتي تمتلئ بها البيوت لم تفدها أجهزة الكومبيوتر المنزلية.فالتكنولوجيا في البيوت لا تتناغم مع بعضها وانما تتنافر.
ونحن نملك القدرة لعمل الأفضل، لبناء مساكن مريحة، جميلة، عملية وصديقة للبيئة فالمشكلة ليست بالدرجة الأولى فنية وانما ثقافية.جرب مثلا أن تنظر من نافذتك وأنت تطير فوق الولايات المتحدة الأمريكية سوف تظن أن مهنة المهندس المعماري لا توجد بشكل حقيقي حتى الضواحي لا تبدو صورتها أفضل علي الأرض.فالحصافة أو الرؤية السليمة في مجال التصميمات فيها نقص شديد..
الإضاءة تستنفد الطاقة
أسوأ من مشكلة المياه أيضا الاستخدام المفرط للكهرباء فالإسراف في الكهرباء يحدث سواء كنا في البيوت أم لا والولايات المتحدة تتسبب في إنتاج ربع الهواء الملوث في العالم بنسبة عدد سكانها الذي يعتبر أقل من خمسة بالمائة من سكان العالم والسبب الأول لتلويث الهواء يأتي من توليد الطاقة الكهربية خاصة وأن أكثر من نصف كهرباء الولايات المتحدة تنتج من حرق الفحم النباتي والذي يتم التخلص من غازاتها في الجو. ويقدر بيل براونينج من معهد" روكي ماونتن "أن المباني تستهلك أكثر من ثلث إحتياجات الطاقة الكهربية للولايات المتحدة وأكثر من ربع هذه الطاقة يذهب للإضاءة.
ولا يحتاج الأمر لذكاء لاكتشاف الإضاءة ذاتية الطاقة والمعماريون الذين يجيدون استغلال ضوء النهار ببعض المحاولات الذكية (مثل جعل البيوت والمكاتب بقليل من الذكاء تقوم بإطفاء الأنوار عند مغادرة الموجودين فيها)يمكنه التقليل من الاستهلاك بدرجة كبيرة.
كما أنه يتم استخدام المصابيح الساطعة الكبيرة بكثرة وهي متلفة بصورة رهيبة لأن تسعين بالمائة من الكهرباء التي تسحبها تخرج حرارة أكثر من ضوءها، مع أن مصابيح الفلورسنت المضغوطة والتي تناسب المقبس(الفيشة) العادي توفر أربع مرات أقل و تعيش عمرا أطول 12 مرة من المصابيح الأخرى.
وبينما تعاني شركات الكهرباء في كاليفورنيا من التحميل الثقيل عليها مما تسبب في إظلام أجزاء واسعة من الولاية والذي يدفع للتساؤل لماذا مازالوا يصممون ويستخدمون مثل أنظمة الإضاءة الغبية هذه، ولماذا تستخدم المصابيح ذات الإضاءة القوية في أغلبية كبيرة من البيوت؟ ألهذا الحد لا يعي المستهلكون المشكلة؟ وهل تغطي أسعار مصابيح الفلورسنت المرتفعة علي فوائدها طويلة المدى؟ الغريب أن الإجابة هي نعم في الحالتين . ولكن هناك أيضا عامل أكثر إغراء وهو الاعتياد، فتغييرات بسيطة في سلوك المستهلكين كان من الممكن أن تمنع بسهولة الإظلام التام الذي عاشته كاليفورنيا. فالعادات السيئة يصعب كسرها والحملة التي تقوم بها إدارة بوش بخصوص الحفاظ علي الطاقة ليست مفيدة، ولهذا فإن الاستغلال الذكي للتكنولوجيا في العمارة قد يفيدنا كثيرا لأن أغلب الناس للأسف يميلون إلي التعايش مع ما يحصلون عليه والمؤجرون ليس لديهم نية في تحسين بيوتهم أما الملاك فيجدون أن لديهم صندوق كبير مليء بالمواسير التي تسرب المياه والحمامات المستهلكة والنوافذ المحطمة والمواد العازلة ساءت حالتها وهم ليس لديهم وقت ولا مال لهذه الإصلاحات، حتى مع وجود الحلول في مجال التصميمات لا يستطيع ملاك البيوت الحصول عليها ولكنها موجودة علي أية حال.
ثلاجة تستهلك الكهرباء بذكاء
وقد قامت شركة "كاريير"Carrier بجعل شبكة الترموستات يمكن أن تراقب عن بعد كما برمجت علي أن تتبع نماذج درجات الحرارة المعدة مسبقا.
وهذه هي الخطوة الأولى في بناء بيت يمكنه أن يستريح ويهدأ عندما نغادره. أما شركةwr@p الإيطالية وهي رائدة في مجال تطوير استخدامات الشبكات الذكية التي تستطيع تأخذ أشكال الكهرباء المسحوبة لتقلل استهلاكها في ساعات الذروة. وتمتد هذه الكفاية الذاتية للأدوات نفسها مثلا عندما نفتح ونغلق باب الثلاجة في أوقات تناول الوجبات يزيد الضغط علي الثلاجة حيث يكافح نظامها للحفاظ علي درجة برودته بعد تعرضه لهواء خارجي وهذا يزيد من سحب الكهرباء ولكن ثلاجة أذكى (يوجد منها القليل) تتبع عملية الفتح والغلق وتعرف كيف تهدأ أثناء فترات الاستخدام وبعدما تنتهي تبدأ في إعادة السيطرة علي درجة البرودة بدون إهدار للطاقة بقطع استهلاكها للنصف وهو أمر ذو أهمية لأن الثلاجة تستهلك خمس فاتورة الكهرباء المنزلية.
وإذا كان هذا الذكاء في أحد الأدوات المنزلية أو في شبكة تدير البيت، وعندما يصبح الكومبيوتر قادرا علي إدارة البيت فان الكفاءة الذاتية قد تتضاعف. وإذا تحقق ذلك قد يبدأ البيت مرحلة جديدة تساهم في إبطال السلوك الكسول السيء للمستهلكين.
وفي التصميم أيضا مازالت السلوكيات أساس المشكلة، وعلي الرغم من أن المعماريون أصحاب التفكير المتقدم يتخيلون بيوتا بأنظمة حساسة وذكية فان كثير من الناس مازالوا يعتقدون أن عمارة البيوت هي للأغنياء . وفعليا أصبحت إعادة تصميم بيت فوق طاقة الكثيرين. وقد قام فريق من الباحثين في مشروع يسمى بيوت وتصميمات بتوجيه المستهلكين للمباني ذات الخدمات التي طورها مجموعة من المعماريين والمقاولين . ويقول الباحثون أن مثل هذه الخدمات في زيادة ومتوفرة لمن يريدون جعل بيوتهم أفضل.
المباني يجب أن تكون حساسة
الراحة والمتانة والبهجة هذه هي المبادئ الثلاثة للعمارة الصحيحة التي اعتنقها فيتروفيوس منذ أكثر من ألفي عام خاصة أن الرومان كانوا أول من اهتموا بالعمارة حتى أنهم أضافوا كلمة "arch" لarchitecture أو فن العمارة ومازالت قيمهم لم تنته.
فقد كانت أوامر فيتروفيوس هي الصلابة فالمباني يجب أن تكون ثابتة وقوية ثم المنفعة بمعنى أن تكون البيوت مريحة ومحققة لاحتياجات البشر وأخيرا جميلة مثل فينوس آلهة الجمال. ونضيف إلي هذه الصفات اليوم الحساسية. فالمباني يجب أن تكون حساسة بل أيضا عاقلة وذكية فالعمارة يجب أن تستوعب تكنولوجيا الكومبيوتر وبالتالي ستصبح المباني ذكية بالدرجة الكافية لتقوم بالمهام الصحيحة نيابة عن قاطنيها.


ساحة النقاش