| الواقع والخيال
|
ما لفرق بين الواقع والخيال ؟
ما لفارق بين الواقع والخيال ؟
ايهما السؤال القابل أن تكون إجابته الزمن ؟
تعالوا نعود بالذاكرة لقرون مضت .. هل كان سيصدق من عاش في تلك القرون لو قيل له أن بإمكانك قطع المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة في بضع ساعات ؟ ألن يفسر ذلك ضرب من الخيال ؟
ولماذا نعود بالذاكرة لقرون بعيدة مضت .. تعالوا نقرب الزمن قبل خمسين عام من الآن .. لو ذكرنا لشخص ما أو لنقول لشيخ أمي أن بإمكانه أن يرى أبنه الذي هاجر لاستراليا صوت وصورة وهو يتجول في بيته في سيدني دون أن يخرج هذا الشيخ من منزله ؟ هل تراه سيتقبل الأمر أم سيستاء منك ظناً انك تسخر منه ؟
ولماذا نفرض الأمثلة ؟؟ الم تنشر صحيفة الرياض في احد أعدادها أن شيخ كبير في السن رفض في البداية النزول من احد طائرات الخطوط السعودية رغم محاولات الإقناع لولا تدخل أحد مستقبليه .. لأنه لم يصدق أن يكون قد وصل لمدينته التي يسكن بها في ما يقارب الساعة وهو الذي قطع في رحلة الذهاب منها لمدينة أخرى ساعات بالسيارة !! .
ما ذكرته من الأمثلة هي من الأمور التي أصبحت الآن سهلة التفكير والتحليل .. لكن هناك أمور الكثير منا لا يتقبلها عقله وربما وهذه حقيقة ردة فعل عينة من البشر موجودة بيننا .. تكذب الأمر مباشرة وتصفه شيء من الخيال دون تفكير أو تحليل منطقي وتبادر بالسخرية منه زعماً أن عقولهم اكبر من أن تتقبل مثل هذه الأمور في الوقت الذي ربما يكشفون فيه عن بساطة وحدود تفكيرهم .
من منا يعرف مؤمن ابن سعيد ومن منا لا يعرف عباس بن فرناس .. الأخير أفنى حياته في علوم الفلك والرياضيات والفيزياء ، قاده خياله العلمي أن يلقى حتفه على الرغم من أن تجربته لم تعتمد على الخيال المجرد من المنطقية بل على أسس علمية استنتجها من دراساته . والثاني قاده خياله الشعري أن يسخر من تجربة عباس بن فرناس حين قال :
بطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم
خيال فتح الكثير من الآفاق في علوم الطيران وآخر لم يأخذ من هذه التجربة إلا السخرية منها .
هذه الأحكام المطلقة والسخرية التي لا تعتد بتحليل منطقي أو بعد نظر في غالب الأمور تحد وتحبط ما نحتاجه من عقول تكون صاحبة المبادرة في ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية والعالم ككل .. عقول لا تقبل فقط ما يُصدّر إلينا دون أن يكون لها ولو شرف المحاولة أن تكون صاحبة فكرة في مخترع أو منتج أو ما يفيدنا ويفيد الآخرون.
فغالب ما نراه اليوم من ثورة التكنولوجيا والتقدم الصناعي والمخترعات ، سبق وجوده انطلاق الفكرة والتصور المبدئي للفائدة التي ستعود به وإمكانية وجوده وطريقة عمله وإيجاده على أرض الواقع قبل أن يتبعها دراسات وتحليل وتجارب .. فإن لم نكن نملك القدرة على الاختراع والتنفيذ فإننا بلا شك نملك العقل والخيال المنطقي وتحليل هذا الخيال وبلورته في فكرة نقدمها لمن يتبناها ويكون قادراً أن ينفذها أو يطورها ويخرجها لأرض الواقع معبرين على الأقل من ذلك أننا موجودون .. ("أنا أفكر فأنا موجود" ديكارت) .
نحتاج للتغيير وأول ما نحتاج له تغيير النهج الخاطئ في أساليب التربية والتعليم وطريقة تفكيرنا وتحليلنا للأمور كما نحتاج لزرع بذرة الخيال المنطقي المثري للعقول بدل أن نزرع في أبناءنا الخيال المخيف من شخصيات وقصص لا وجود لها إلا في الأساطير ، وكفانا تلقيناً وفرض آراء ليس فقط مطلوب الاقتناع بها بل والتنفيذ دون نقاش ملغين بذلك لغة الحوار ومعطلين عقولنا عن التفكير والتحليل والتأمل .. لنظهر أشخاص تنفذ دون أن تسأل تطبق دون أن تفكر غريب عليهم التحليل وغير قابلين بأي فكرة لا تتوافق ومحدودية تفكيرهم الذي تسبب في محدوديته نهج خاطئ تمت ممارسته معهم .
إن لم يكن في وسعنا تقبل ما يمكن حصوله في يوم على أرض الواقع .. فليس مطلوب منا أن نحكم حكماً مطلقاً أمام ثورة التكنولوجيا والتقدم العلمي بأنه من الخيال أن يحصل . حتى لانغلق باب التفكير والتحليل في أي أمر لا يوجد ما يمنع حصوله .
ونصيحة أخوية أقدمها إن كنت من محدودي التفكير وأحبطت فكرة لصديق دون نقاشها والتفكير فيها وكنت مملاً فلا تقبل التحدي فيما لو ذكر لك صديقك أن بإمكانه أن يخرجك من مسكنة أو مكتبة دون أن تتحرك أنت أو يقف هو .. فربما كنت تجلس على كرسي كهربائي يتحرك (بالريموت كنترول) وتجد نفسك قد خسرت التحدي وفي الخارج يقول لك مثل ما أقول لك الآن مع السلامة والقلب داعي لك .


ساحة النقاش