اهتز المجتمع السعودي الأسبوع الماضي هزة أيقظته من غفلة دامت طويلاً، ليستفيق وتتقافز في مخيلته مشاهد برجس وفتاة عفيف التي صعقت المجتمع سابقاً عبر تناقلها بالبلوتوث بين الناس.. هذه المرة لم يكن الحادث في الخفاء وبين الجدران، بل على مشهد من الناس ومرأى من العامة، في طريق النهضة بمدينة الرياض، الذي يرتاده الكثير من النساء لممارسة رياضة المشي -زعموا ـ ويرتاده الكثير من الشباب للمعاكسات والتحرش.

هذه الحادثة تلقي بظلالها السوداء على الناس كما فعلت سابقتها، ثم ما يلبثوا أن ينسوا ذلك..

إنَّ تصرف الشباب بهذه الطريقة وعدم مبالاتهم هو قمة جبل الجليد الذي يختفي منه أكثره، فما هي الأمور المخفية؟! وما الذي جعل تلك القمة تبرز على السطح؟!

إنَّ الشباب يتلقى من وسائل الإعلام سيلاً جارفاً من الأفكار الهدَّامة والآراء المنحرفة، أقلها إزالة الحواجز وكسر الحياء بين الجنسين، بدعوى المساواة وعدم الكبت، والدعوى الأخطر من ذلك إظهار الثقة بالنفس، مما دعا الفتيات للخروج وحدهن في تلك الأماكن العامة، ودعا الفتيان لإثبات ذواتهم وتحديهم لمن حولهم.

إذا كانت تلك التصرفات صدرت من أولئك الشباب وكُشفت، فالمستور أعظم، ولم تخرج تلك التصرفات وتظهر إلا بعد مراحل من التستر والخفاء مرَّ بها من قاموا بذلك حتى وصلوا إلى مرحلة اللامبالاة بمن حولهم، وازدراء حقوق الآخرين وحرماتهم؛ لقلة دينهم وضعف إيمانهم وأمنهم من العقوبة، وغيرهم كثير مسرور بتلك الفعلة.

إنَّ الشباب لا يُلام وحده على فعلته تلك.. فالفتيات أيضاً يقع عليهن جزء من اللوم.. والمجتمع بكل مؤسساته وأطيافه أيضاً يتحمَّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فهو لا يؤدي دوره في الحفاظ على القيم والمبادئ التي تحفظ كيان المجتمع.

فالمجال مفتوح لكل أحد أن يقول ما يريد من الفت في قيم المجتمع والنيل من ثوابته، وتهميش مؤسساته التربوية، وبالمقابل يتهم كل من رفض تلك الدعوات بأبشع التهم، وبأنه يكبت الحريات ويشكك في أخلاق المجتمع.

ومؤسسات التربية في المجتمع ـ الأسرة ـ المسجد ـ المدرسة-  الهيئة، تتعرَّض لهجمة منظمة، مما أفقدها دورها في حماية القيم وتثبيت المبادئ.

إنَّ تلك المؤسسات تنمي في شخصية الفرد الرقابة الذاتية، وتقدير ردة الفعل تجاه التصرفات الفردية.

ومتى ما تحطمت تلك المؤسسات أو همش دورها، فسنحتاج إلى جهات رقابية تتابع تلك الأماكن في كل وقت، وأولئك الشباب في كل مكان، لتقوم بردع كل من يحاول العبث والمساس بحريات الناس أو ممتلكاتهم، وأظن أن ذلك أمر متعذر، فالرقابة الذاتية أقوى وأشمل من الرقابة الخارجية، ولا تحدها حدود زمان ولا مكان، فالناس بحاجة إلى تقوية وازع الإيمان في قلوبهم أكثر من حاجتهم إلى رادع السلطان في مجتمعهم، ولن يتحقق ذلك ما دامت الأمور تسير بهذه الطريقة التي نراها من هجمة منظمة تستهدف مؤسسات التربية وتصفها بأوصاف يندى لها جبين كل غيور على مجتمعه.

إنَّ هزّ صورة تلك المؤسسات في أذهان الشباب ـ فضلاً عن تحطيمها أمامهم ـ كفيل بإخراج جيل يتباهى بالمعصية ويفخر بخدش الأعراض ويشعر بنشوة عارمة إذا ما تناقل الناس صورته بينهم ولو أدى به ذلك الفعل إلى غياهب السجن أو سوط العقوبة.

  • Currently 66/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
23 تصويتات / 280 مشاهدة
نشرت فى 22 نوفمبر 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,113