هل تشكل «صناعة المحتوى الرقمي» مخرجاً لتخلف العرب في التجارة الالكترونية؟
![]() |
| ماهي الافاق الالكترونية للفيديو كليب واغانيه؟ |
ولان التجارة الالكترونية ترتكز على بنى التجارة التقليدية، يجب احداث تغييرات اساسية في قوانين التجارة، خصوصاً انتقال البضائع والخدمات والاموال (ولم لا: البشر ايضاً)، بين الدول العربية. المفارقة ان مطلع العام الجاري شهد «افتتاح» السوق العربية الحرة. ويعلم الجميع انه مجرد اجراء اسمي. لا يمكن ان تتقدم التجارة الالكترونية في دول متخلفة في وسائل النقل العام, وفي دول تمثل التجارة بينها اقل رقم في تبادلها التجاري مع العالم!
الجسد الحي للتجارة الالكترونية!
ولدت التجارة الالكترونية e-commerce أو e-trade من رحم التجارة التقليدية بفعل ثورة الاتصالات والمعلوماتية. تملك تلك التجارة اسماء كثيرة مثل «تجارة الانترنت» و»التجارة اون لاين» و»التجارة الرقمية» و»التجارة عبر المواقع الالكترونية» وغيرها. وتشير كل المسميات الى شيء واحد: حدوث تحوّل نوعي في المبادلات التجارية التقليدية، بأثر من التطور في تكنولوجيا الاتصالات، وخصوصاً الشبكات الرقمية للكومبيوتر.
من المهم التشديد على ان تكنولوجيا الاتصالات والكومبيوتر تشكل «الجسد الحي» للتجارة الالكترونية. لا توجد تلك التجارة من دون شبكات الاتصالات المتطورة والاجهزة الرقمية بانواعها. ولذا، تقاس التجارة الالكترونية بمعايير التطور في التقنيات الرقمية، وبمدى التقدم في البنى الالكترونية التحتية. يجب التشديد على هذه البداهة الى اقصى حد. ومثلاً, فان تقويم التجارة الالكترونية العربية، يرتكز على تقويم تقدم البنى الالكترونية الاساسية مثل انتشار الكومبيوتر, والتقدم في شبكات الهاتف والخلوي والانترنت والاقمار الاصطناعية وغيرها.
وفي تقرير شهير لها صدر في العام 2000، بيّنت «منظمة التعاون والتنمية» OCED ان الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية، او ما يسمى بمُركّب «تكنولوجيا المعلوماتية والاتصالات» Information Communication Technology، واختصاراً ICT، في الولايات المتحدة، ادى الى حقبة «التسعينات المجلجلة» Roaring Nineties . وشهد الاقتصاد الاميركي ظاهرة نادرة من النمو السريع والمتواصل، من دون معاناة ظواهر «السخونة»، أي من دون تضخم ولا تغيير في اسعار الفائدة. ولاحظ التقرير ايضاً، ان الاقتصاد الاميركي نمى بقدر متناسب مع مدى استخدامه لمُركّب ICT, أي بالقدرالذي تحول فيه إلى «الاقتصاد المبني على المعرفة» Knowledge Based Economy من الطراز الاول. واستنتج كذلك ان الوصف نفسه ينطبق ايضاً على اقتصادات معظم دول الشمال واليابان. وفي تلك الحقبة نفسها، شهد الاقتصاد العالمي نوعاً من التجارة لم يكن معروفاً من قبل، أي «التجارة الالكترونية». ويمثل ذلك التقرير أنموذجاً من «الصورة الكبيرة» للتجارة الالكترونية.
وبذا، يتضح بسهولة، ان تقويم وضع العرب في التجارة الالكترونية يشمل ذراعين: حجم تلك التجارة عربياً ، ومدى التقدم في مؤشرات تطور المعلوماتية والاتصالات في دول العرب باعتبارها ايضاً من مؤشرات لاقتصاد المعرفة, وبالتالي للتجارة الالكترونية ومدى تطورها.
مؤشرات التجارة الالكترونية العربية ومكوناتها
يشمل تعريف التجارة الالكترونية أي نوع من الاعمال او العمليات التجارية التي تتعلق بتبادل السلع والخدمات بواسطة الانترنت. وتتضمن مكوناتها قطاعات مثل تجارة «من شركة الى شركة» B2B و»من شركة إلى زبون» B2C و»من زبون إلى زبون» C2C و»ادارة علاقات العملاء» ِCRM، و»تجارة المحتوى الالكتروني» OnLine Content اضافة الى نشاطات مثل التسويق والبيع الالكترونيين والمصارف الرقمية e-Banking وغيرها.
في هذه النشاطات كلها، تلعب البرمجيات الرقمية، التي تدير عمليات التبادل الالكتروني، دوراً محورياً، لا يقل اهمية عن السلع والخدمات نفسها. وتتضمن هذه اللوجستيات المعلوماتية، برامج متخصصة في ادارة الاعمال، والتعامل مع الزبائن, وتخطيط قواعد البيانات وغيرها، واجهزة لادارة العمل الالكتروني، مثل تخزين المعلومات وتأمينها وكذلك ادارة المواصلات الالكترونية نفسها. وباتت تحتل موقعاً اساسياً في التجارة الالكترونية. ويعتبر ذلك بعداً اخر من مفهوم «الاقتصاد المبني على المعرفة». ولعل الاثار العميقة لهذا البعد الجديد في التجارة والاقتصاد وادارتهما، لم تصل بعد الى مداها الكامل. وفي المقابل، يوضح هذا الامر اهمية الدور الذي تلعبه شركات الصناعة الرقمية في التجارة الالكترونية. وفي المقابل، فان السؤال عن كيفية التعامل مع هذه المنتجات الرقمية المتحكمة في التجارة الالكترونية بات ملحاً. هل يمكن الاكتفاء بـ»اقلمة» تلك المنتجات، وخصوصاً البرامج، وتوطينها؟ هل ان تطور التجارة الالكترونية العربية مثلاً، يحتاج الى برمجيات متخصصة بمعطيات السوق العربية ولوجستياته, ام يمكن الاكتفاء بتعريب البرمجيات العالمية وتوطينها؟ ربما تقود مثل هذه الاسئلة الى اسئلة اخرى مثل السؤال عن ظاهرة تصدير التكنولوجيا من نوع «اوت سورسينغ» Out Sourcing مثلاً وموقعها بالنسبة الى التجارة الالكترونية العربية. وتعطي الهند والصين امثلة قوية عن الإفادة من تصدير التكنولوجيا الرقمية. ولا يقع هذا الموضوع في دائرة هذه الورقة.
من الواضح ان هذه الاسئلة وسواها، تطرح سؤالاً يصعب تجاهله: الى أي مدى
![]() |
| الاموال الالكترونية: ظاهرة لم يرها البشر قبل المعلوماتية والكومبيوتر. |
في العام 2002, قُدّرت السوق العالمية للتجارة الالكترونية بنحو 293,2 بليون دولار . وفي السنة الجارية، اعلن «مكتب الاحصاءات الفيديرالي الاميركي» ان حصة المبيعات الالكترونية من مجمل مبيعات التجزئة بلغت 1,9 في المئة, بحجم مقداره 62 بليون دولار. وتعتبر «تجارة المحتوى الالكتروني»، وافداً جديداً الى هذا الحقل. ومن امثلتها، تجارة المواعدة, التي وصل حجمها اميركياً الى نحو 225 مليون دولار, والترفيه (112 مليون دولار)، بحسب مكتب الاحصاءا0ت الفيديرالي ايضاً.
وقدر معدل النمو السنوي لاقتصادات الانترنت في أوروبا بـ87 في المئة، حتى العام 2004، اي انه تضاعف سنوياً. وتشكل اقتصادات الانترنت في بعض البلدان الاوروبية من 6 الى 9 في المئة من اجمالي الناتج المحلي.
وقُدرت التجارة الالكترونية عربياً، بحسب تقارير حديثة، بنحو ثلاثة بلايين دولار, مع توقع نموها إلى خمسة بلايين دولار في العام 2005. وقدرت منظمة «يونيكتاد» حجم التجارة الالكترونية عربياً في العام 2002، بنحو 4 بلايين دولار, منها 400 مليون دولار للبرامج. وتوقعت ان يصل حجمها إلى سبعة بلايين دولار في اختتام العام 2005. والى حد معقول، تبدو التقديرات عن حجم التجارة الالكترونية العربية متقاربة. وفي المقابل، يبدو حجمها صغيراً، مقارنة بحجم الاقتصاد العربي الذي يشكل 31 في المئة من السوق العالمية. وعلى المستوى العالمي، فانها تشكل اقل من عُشر في المئة من التجارة الالكترونية العالمية, أي ما يساوي رُبع حصة دولة مثل هولندا!
ويكاد ان يعقد الاجماع على القول إن سوق المعلوماتية العربية نمت بمقدار يراوح بين 20 و30 في المئة خلال هذا العـام، اي انها تابعها معدل نموها نفسه الذي لوحظ خلال الاعوام الاخيرة. ويعزز هذا الملمح الرأي القائل إن هذه السوق تتوسع لانها سوق خام، ولم تدخل طرق نموها مرحلة التعقيد والتشابك.
وما يعزز هذا التفسير أيضاً، أن نسب النمو بدت متقاربة في هذه الدول التي تعيش أوضاعاً شديدة التفاوت! فكيف تنمو المعلوماتية في مصر وفلسطين وسورية والاردن ولبنان، على سبيل المثال، وكل منها على اختلاف شديد في علاقته مع التطور المعلوماتي في العالم، وفـي أوضاعــه الخاصـة والمحددة؟
ولاعطاء فكرة عن الملامح المتفاوتة، يمكن تذكر ان «الجمعية السورية للمعلوماتية»، التي تشرف على التحول المعلوماتي عبر تشجيع قوي من الدولة، تشتمل على نحو 80 شركة. ويقدر عدد الذين يستطيعون استخدام الكومبيوتر والانترنت بنحو 80 ألف متدرب، ولهذا، تنظر سورية بأمل الى «كلية هندسة المعلومات» التي يتوقع أن تمد البلاد بنحو 150 خبيراً في السنة،بدءاً من العام المقبل.
وتفيض مصر بالخبراء، اذا غضضنا الطرف عن نسبتهم الى عدد السكان، وتقدم 16 ألف مبرمج الى السوق العربية، و ٦ آلاف الى دول غربية. وتخرج مصر ٥ آلاف مبرمج في العام الواحد، ويتجه هؤلاء الى سوق يقدر حجمها الحالي بنحو 70 مليون دولار، وهو حجم قطاع البرامج وحدها، ويبلغ حجم سوق المعلوماتية الكلي نحو 450 مليون دولار.
وتعمل 150 شركة في المعلوماتيــة الفلسطينية، وتشغل نحو الفخبير تقني،ويصل حجم استثماراتها في البرمجيات الى 20 مليون دولار.
ويميل الاردن الىالاعتماد علىتوافرالايدي الحسنة التدريب، وفيه ما يقارب 9000 مبرمج، يعمل ثلثهم في القطاع الخاص. ويصل حجم سوق المعلوماتية الاجماليالى180 مليون دولار.
ويكاد لبنان ان يشكل حالاً خاصة نظراً الى قوة دخول المعلوماتية الى الحياة اليومية، وفيه 250 شركة تعمل في قطاع البرامج، وتشغل ثلاث آلاف خبير تقني يعطون دخلاً يقدر بنحو 150 مليون دولار.
وتتجدد الخبــرة العلمية عبر 1800 خريج في المعلوماتية كل عام، يذهب كثير منهم للعمل في الجوار العربي، أو في الدول الغربية.




ساحة النقاش