العطاء في رمضان العطاء بالفعل هو صفة جمالية في الشخصية الإنسانية. وهو فعل سامٍ ناضج، يؤدي إلي السعادة.. والعطاء بكل أنواعه العطاء المادي والمعنوي لا يكون إلا من نفس راضية سعيدة، فهو بذل بلا مقابل ومنح غير مدفوع الثمن لا يقدر عليه كل الناس.. بل إن أصحاب العطاء يملكون ذواتاً خيرة مجردة من الأنانية، محبة للخير.. فالعطاء والأنانية نقيضان، فبينما الأنانية نرجسية لا يري أصحابها في العالم إلا ذواتهم ومصالحهم وطموحاتهم ورغباتهم، نجد ان العطاء سلوك اجتماعي وحضاري يحقق درجة من التكافل والبذل والتراحم.

إن الإنسان عندما يعطي ويتعود علي العطاء يتخلي عن أنانيته ونرجسيته، وهذا أرفع درجات سمو الروح ودليل قوة الإنسان.. فالإنسان عندما يعطي يكون قوياً، فهو يكون صاحب المظلة التي يرفعها ليحيط بها الناس من حوله.. فالعطاء هو مظلة الحنان والحماية والأمان لمعظم الناس.

غير أن العطاء من وجهة نظر نفسية -وكما أستشف دائماً من خلال تعاملي مع الأطفال والمراهقين وحتي الكبار- فإن العطاء هو سلوك وليد نشأة نفسية ذات صبغة جبلت علي حب الآخرين والرغبة في مدّ يد العون والمساعدة لهم، فكلما كانت البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الفرد سوية وسليمة يسودها نظام ثقافي تتوفر فيه قيم دينية وأخلاقية راسخة، تساعد علي اكتساب قيمة العطاء وتثبيتها لدي الفرد، كلما ساعد ذلك علي نشأة الإنسان نشأة اجتماعية سليمة تجرده من الأنانية، وتؤسس في ذاته قدرة كبيرة علي العطاء والبذل.

أما إذا نشأ المرء في ظروف أسرية قاهرة ومضغوطة وعاني من التفكك الأسري والإحباط الاجتماعي.. ورأي حوله الأنانية والبغضاء وكره التضحية، وقدوة سيئة في إكساب القيم.. فإن هذا الجو الاجتماعي المضطرب يسهم بدرجة كبيرة في نشوء الفرد نشأة اجتماعية غير سليمة. تطبع سلوكه بدرجة من الأنانية ناجمة عن شدة الإحباط وغياب القدوة الحسنة.. وذلك بالفعل من أكبر العوامل التي تقلل في ذات المرء قدرته علي العطاء.

والمثل القائل: فاقد الشيء لا يعطيه يكون صحيحاً في هذه الحالة، فإذا صادف المرء في مرحلة النشأة- وهي مرحلة تكوين القيم -إذا صادف جحود الآخرين وتجاهلهم وعدم اهتمامهم سواء به أو بغيره، فإنه ينشأ علي شاكلة الظروف التي مر بها، فيتسم سلوكه بالأنانية وبعدم القدرة علي العطاء. فطالما فقد في حياته كلمة الحب والود والأمان فإنه ينشأ كذلك علي ذات المنوال، حيث يتسم سلوكه بالأنانية والعزلة والرغبة في الاستحواذ والأخذ دون القدرة علي العطاء..

ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فإن وشائج علاقاته بالآخرين تتحدد إلي درجة كبيرة بسلامة البيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها، فكلما ساد هذه البيئة عطاء متبادل كلما اتسمت بدرجة عالية من الصحة والتعاون بين مكوناتها الاجتماعية.. فالإنسان نتاج بيئته.. فالبيئة السليمة المتكاملة الأسس والقواعد التي يتربي عليها الإنسان هي أساس خلق قيمة العطاء عند ذلك الإنسان، والعكس هو الصحيح.

إن العطاء رائع بكل صوره ولكن ما أروع العطاء عندما يعطي الإنسان الآخر بدون ان يسأله. وبدون ان يصل الي مرحلة السؤال التي قد تسبب له الذلة والضعف.

وكما قرأت مرة لجبران في العطاء حينما سئل عنه: قال: جميل أن تعطي من يسألك وأجمل منه ان تعطي من لا يسألك، وقد أدركت عوزه.. فالسعي إلي من يتقبل العطاء هو للمعطي أعظم غبطة من الغبطة بالعطاء ذاته.

فلنبحث عن محتاج متعفف ونمد له يد العون.. وبالذات في مثل هذه الأيام الكريمة

  • Currently 81/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
29 تصويتات / 331 مشاهدة
نشرت فى 17 أكتوبر 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,117