انطباعات شخصية حول الولايات المتحدة الامريكية:
بلاد جميلة واسعة وحياة قاسية لغالبية المهاجرين
بقلم: بسام الكعبي*
تغيّرت ملامح الموظف الاميركي في مؤسسة الضمان الاجتماعي وهو ينظر نحوي ونحو زوجتي من فوق نظارته الطبية قبل أن يعتذر: لا يوجد ذكر لدولة تسمى فلسطين في لائحة البلدان التي تعترف بها حكومتي، صمت قليلاً ووضع كفه على وجهه عندما سارعنا بالطلب منه البحث عن الضفة الغربية وغزة في لائحته الاميركية. عاد ببصره الى شاشة جهاز الكمبيوتر المثبت أمامه، ثم تنفس بهدوء قائلاً: نعم ان "دولتكم" على اللائحة وعليكما الآن استكمال تعبئة طلب بطاقة الضمان الاجتماعي التي يعتبر رقمها سحرياً بتسهيل مختلف المعاملات والوثائق في الولايات المتحدة.
غادرنا مكتب "الضمان الاجتماعي" في بلدة فانكوفر الاميركية الواقعة جنوب ولاية واشنطن وشمال مدينة بورتلاند في الساحل الغربي على أمل تسلّم البطاقات خلال اسبوع كما وعد الموظف الحكومي .. وبالفعل لم يمض سوى ستة ايام حتى تسلّمنا عبر البريد ثلاث بطاقات ضمان اجتماعي: واحدة لي واثنتان لنجلي نضال ونادين وذلك عشية يوم الرابع من تموز وهو اليوم الوطني الذي تحتفل به الولايات المتحدة وتصادف مع مرور شهر على وجودنا في اميركا.
كانت زوجتي قد تسلمت بطاقة الضمان الاجتماعي والاقامة الدائمة قبل سنوات عديدة ثم حصلت على الجنسية الاميركية وشرعت باجراءات معاملات الهجرة الخاصة بنا نحن الثلاثة منذ أواخر العام الماضي (2004) مستفيدة من قانون اميركي حديث نسبيا يضمن منح الجنسية فوراً للأبناء، حتى ولو بالتبني، دون سن الثامنة عشرة شرط أن يحمل والد الأبناء أو الوالدة الجنسية الاميركية.
وفق القانون الجديد الذي دخل حيز التنفيذ منذ عامين تقريباً جهزنا كل الاوراق والمستندات اللازمة لمعاملات الهجرة واستنفذنا جهداً ومالاً في استكمال الطلبات وفق متطلبات القنصلية الاميركية في القدس .. سلّمناها عبر البريد وعلى أثرها تحدد لنا موعد مع مسؤولي الهجرة في القنصلية اواخر شهر شباط الماضي في القدس.
الاجتياز الصعب..
بصعوبة بالغة اجتزنا حواجز الاحتلال عبر قلنديا والطرق الترابية المتعددة حتى نجحنا في بلوغ حافلة مقدسية أقلتنا الى باب العامود . كان عدد المراجعين العرب واليهود كبيراً على المدخل الرئيسي للقنصلية وبعد انتظار طويل تمكنا من الدخول ثم انتظرنا للمقابلة . من طاقة زجاجية صغيرة أطلت موظفة عربية جهّزت كل المستندات اللازمة من كفالة مالية وتقرير صحي شامل يتحمل مسؤوليته طبيب فلسطيني معتمد يحصل مقابله على مائة دولار للشخص الواحد وصور شخصية وسريان مفعول جوازات السفر ... الخ وتيّقنت أن كل شيء سليماً بما فيها توفر اكثر من الف دولار نقداً تدفع رسوماً لثلاث تأشيرات هجرة .. إنتظرنا حتى حان دورنا مع القنصل الأميركي الذي أطل من خلف زجاج، والسؤال الوحيد اليتيم توجه به الى زوجتي:
- لماذا لا تسددين الضرائب المالية؟
* أنا مقيمة في رام الله منذ سنوات طويلة ولا أعمل في الولايات المتحدة .
- إذاً اشرحي ذلك في مذكرة وارسليها عبر البريد مع جوازات السفر الخاصة بزوجك وابنيك.
إنتهت المقابلة بعد الظهر تقريباً وانطلقنا في شوارع المدينة المقدسة التي حرمنا من دخولها سنوات عديدة.
لم تمض سوى عشرة أيام حتى تسلّمنا، عبر بريد اراميكس، الجوازات الفلسطينية الثلاث تحمل بين أوراقها ثلاث تأشيرات هجرة صالحة خلال ستة أشهر منذ آذار وحتى أيلول .. فرضت تحدياً هل نستطيع ترتيب أمورنا ورزم حقائبنا وحجز تذاكرنا مع بداية شهر حزيران؟ وعلى مدار شهرين إنشغلنا في ترتيب أمور المغادرة.
مع نهاية السنة الدراسية كنا جاهزين للانطلاق، قطعنا جسر الكرامة مساء الرابع من حزيران الماضي بعد معاناة شديدة في الالتفاف على الطرق الالتفافية والاجراءات الادارية لمكاتب سيارات الجسر والمعابر والشرطة والاستراحة وتكلفة المغادرة الباهظة.
أجرة المسافر الى مدينة اريحا عشرين شاقلاً، وعندما يكون الاتجاه الى الاستراحة فانه مجبر على دفع خمسين شاقلاً، ويدفع المسافر نحو ثلاثين شاقلاً أجرة المسافة القصيرة جداً بين اريحا والاستراحة . وفي اللحظة التي يدخل فيها "الاستراحة"، وهي اسم حركي للمشقة، تنهال عليه التذاكر من كل صوب: يدفع في المتر الأول رسوم كل طرد ثم يدفع للعتال الذي يلمس الحقيبة وتذاكر لشركة الباصات ثم رسوما قدرها 23 ديناراً، ثم ثمن الاوكسجين الذي يتنفسه!! ويواصل الدفع في الجانب الاردني: عشرة دنانير بدل عدم ممانعة واجور الباص من نقطة الجسر واجرة النقل الى عمان .. وبحساب بسيط يتضح أن المسافر يدفع عشر ساعات قاتلة من عمره ومائة دولار من جيبه لضمان اجتياز مرهق لنحو ثمانين كيلو متراً بين رام الله وعمان .. هل "الاستراحة" التي لا تحمل شيئا من مواصفات اسمها ضرورية كمحطة للمسافر؟ هل بالامكان تخفيض الاعباء المالية والمعنوية عن كاهل المغادرين والقادمين عبر جسر "الكرامة"؟
وقبل انتصاف الليل كنا ننفض ارهاقنا على مقاعد فندق قصر فراس قرب العبدلي في عمان . بعد مراجعات عدة تمكنت من تذليل عقبات مغادرتي عبر مطار عمان وانطلقنا عصر السابع من حزيران الى المطار الدولي للمغادرة على متن الخطوط الجوية الملكية الاردنية الى شيكاغو، دقق موظفو المطار بأوراقنا وجوازات سفرنا وحقائبنا ثم دخلنا قاعة الأنتظار استعداداً للطيران.
13 ساعة الى "اوهير"..
إتجهت الايرباص الضخمة بلون ظهرها الرمادي المميز الى مطار "أوهير" في شيكاغو، اطلق عليه هذا الاسم نسبة الى أحد القادة العسكريين في الحرب العالمية الثانية، ذابت الطائرة الأردنية في السماء كانبوبة صغيرة على متنها نحو "250" راكبا تحملهم بين جناحيها على ارتفاع 11 ألف متر وبسرعة 900 كم في الساعة وبدرجة حرارة خارجية تبلغ نحو الخمسين مئوي تحت الصفر وقطعت اكثر من عشرة آلاف كيلومتر في غضون ثلاث عشرة ساعة من الطيران المتواصل.
طوال ساعات مريرة من الطيران تكدس المسافرون في مقاعدهم الضيقة، كان يخفف عنهم قليلاً عرض أفلام حديثة على شاشات تلفزيونية مثبتة أمامهم فيما تصلهم الموسيقى عبر سماعات خاصة تم تثبيت أسلاكها بجانب المقاعد ناهيك عن خدمات مميزة لطاقم المضيفين والمضيفات الذين قدموا وجبتين شهيتين خلال الرحلة التي إجتازت فيها الطائرة المحيط الاطلسي وواجهت مطبات هوائية صعبة تغلبت عليها إلى أن حطت في مطار دولي مزدحم بحركة الطيران بمعدل ثلاث طائرات في الدقيقة الواحدة.
كانت صالات المطار مزدحمة بالمسافرين تكشف عن ايقاع سريع للحياة الامريكية .. ينتظر ركاب الطائرات القادمة من مختلف بقاع العالم دقائق قليلة قبل تفحص وثائقهم والتقاط حقائبهم، والمغادرة سريعاً الى المدينة المزدحمة التي يعيش فيها نحو أربعة ملايين نسمة . سلمنا مغلفات معاملات الهجرة المغلقة حسب وصية مسؤول ملف الهجرة في القنصلية الاميركية بالقدس التي تشترط تسليمها مغلقة تماماً في أول نقطة حدود يتم اجتيازها الى الولايات المتحدة .. ومن خلف زجاج بسيط أطلت موظفة حكومية في المطار تسلمت الاوراق وارشدتنا لأنتظار بمكان مجاور لمكتبها، حينها اكتشفنا إنتظار العشرات بملامح صينية وهندية واوروبية وشرق اوسطية .. الخ وهم يحملون بين ايديهم مغلفات الهجرة.. كان موظف بملامح أسيوية ينادي على أسماء المنتظرين بلغته الانجليزية متداخلاً معها لهجته الخاصة، وكانت تبدو وقع الاسماء غريبة نوعاً ما حتى على أصحابها، وعندما سمعنا اسماءنا اتجهنا اليه وتأكدنا من صحة وثائقنا .. بصّمنا بالابهام على جواز السفر بجانب التأشيرة وسلمنا له المعاملة واستلمنا الجواز وغادرنا للبحث عن حقائبنا وعن الاصدقاء والاقرباء الذين ينتظرون على بوابات صالات القادمين.
حملنا الحقائب على العربات الصغيرة وانتظرنا دورنا في التفتيش الروتيني: هل تحملون مواد غذائية .. لا نحمل. هل تحملون اكثر من عشرة آلاف دولار للشخص الواحد. طبعا لا نحمل. إذاً رافقتكم السلامة، وخرجنا من القاعة دون أن تمّس حقائبنا.
كان شقيق زوجتي حسن البطروخ وقرينته "ام احمد" بانتظارنا، شاهد نضال ونادين خالهم "ابو احمد" لأول مرة، تبادلنا الاحاديث السريعة ثم حملنا الأمتعة الى سيارته وقادنا الى ضاحية "اوكلون" على بعد 40 ميلاً من المطار، تداخلت سيارته مع حركة آلاف السيارات التي كانت تجتاز بجنون الطرق السريعة والجسور المخيفة حول مدينة شيكاغو، وعلى الفور أدركت خطورة الموت قتلاً في الشوارع المزدحمة التي لا ترحم وسر حوادث السير التي تبتلع مئات المركبات وعشرات الركاب والسائقين عند أي خطأ بسيط برغم قوانين السير الصارمة.
إجتاز "ابو احمد" حواجز اليكترونية على الطريق السريعة التي تعرف بـ "الهاي واي" وسمعنا صوت صفير يصدر من جهاز صغير مثبت على الزجاج الأمامي للسيارة يعلن عن حسم نصف دولار من الحساب البنكي الشخصي كرسم لاجتياز الطريق السريع، بدون دفع الرسوم المقررة يتعرض السائق لمخالفة قدرها عشرون دولارا عندما تلتقط اجهزة تصوير اليكترونية لوحة السيارة المخالفة. ومع كل اجتياز تدفع السيارة الصغيرة نصف دولار من خلال الدفع الاليكتروني وحوالي دولار للدفع اليدوي في صندوق خاص أو لموظف "الكابينه" المرابط على الطريق، وكلما كان حجم السيارة أكبر كلما كانت رسومها المالية أعلى. وقدّر "ابو احمد" بانه يدفع شهرياً نحو مائة دولار كرسوم مرور على سياراته الثلاث الخاصة كلما اجتازت الطرق السريعة حول شيكاغو، وبحسابات بسيطة يتضح ان الشركات الخاصة التي تتولى صيانة الطرق السريعة تجمع سنوياُ مئات الملايين من الدولارات تنفق جزءاً منها في الصيانة وفتح طرق جديدة لتخفيف الازدحام وتسهيل حركة مرور المركبات.
إذن شبكة الطرق السريعة من مسؤولية الشركات الخاصة تتولى صيانتها بعقد سنوي مع الحكومة الفدرالية في الولاية فيما يسدد السائق من حسابه الشخصي رسوم الصيانة .. بدأنا نلمس بالواقع حجم الفواتير الشهرية المترتبة على المقيم في الولايات المتحدة، وقبيل وصول البيت سدد أبو احمد فاتورة الطريق السريعة، فاتورة استخدام كراج للسيارات مجاور للمطار بقيمة عشرة دولارات للساعة الواحدة وتحسم من الحساب البنكي الشخصي من خلال "فيزا كارد" عندما تمرر البطاقة في جهاز خاص يصدر ورقة تعليمات تتضمن ساعة بدء انتظار السيارة وتثبت على الزجاج الامامي ودون ذلك يتعرض صاحبها لمخالفة مالية باهظة عندما يقوم الشرطي بتفحص المركبات، وكذلك فاتورة بنزين السيارة حيث تدفع بشكل غير مباشر .. وادركنا فيما بعد أن عدد الفواتير الشهرية يتجاوز العشرين.
رصاصة للفتى الاسود!!
ضج الأسبوع الأول لاقامتي على ايقاع حادثين مثيرين: فقدان طالبة مدرسة ثانوية خلال رحلة صيف في احدى الجزر الواقعة بولاية ايلينوي على بحيرة ميشيغن، واعلان مشرفة الرحلة بانها لن تعود الى بلدها دون اتضاح مصير طالبتها المفقودة، وتجوّل آلاف المتطوعين في الجزيرة بحثاً عنها ليظهر لاحقاً أنها تعرضت للخطف والقتل دون أن يرشد القاتل لمكان الجثة. والحادث الثاني يتعلق بقرار قضائي يقضي باستخراج جثة فتى أسود من قبره للتأكد من وفاته مقتولاً بطلقة في رأسه بعد اعتراف رجل ابيض بأنه قام بتصفيته احتجاجاً على سخريته في مطلع الستينات من امرأة بيضاء، وأدت عملية قتل الفتى الأسود الى تأسيس حركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة احتجاجاً على طغيان العنصرية، وعلى خلفية هذه الجريمة اسس المحامي مارتن لوثركينغ حركة الحريات المدنية وبرز كزعيم اسود في مواجهة الاضطهاد العنصري، ولم يتمكن الزعيم لوثركينغ من اتمام نضاله الاجتماعي حيث تعرض للاغتيال في الرابع من نيسان عام 1968 في بلدة ممفيس بولاية تنسي عندما أطلق قناص النار على رأسه من خلال نافذة فندق أقام به للتضامن مع اضراب عمال المرافق الصحية . وطالبت ارملة الزعيم كينغ مؤخراً القضاء الاميركي للكشف عن الجهة التي تقف وراء الاغتيال، ولم تتلق حتى الآن اجابات واضحة لكنها لا زالت رغم مرضها وتقدمها في العمر (78 سنه) تواصل نضالها دفاعاً عن حقوق السود والكشف عن القاتل المأجور .
بقالات حي "هارفي"..
في الاسبوع الثاني كنت أقف على مدخل بقالة متواضعة في حي "هارفي" الاسود بضواحي شيكاغو يمتلكها صديقي عبد الرحمن عبد الهادي وشريكه المهندس "ابو فارس"، كان مدخلها ضيقاً يكاد يتسع لمرور شخص واحد فيما يعلو صوت جهاز التبريد القديم مزعجاً دون ان ينجح في تخفيض درجة حرارة حزيران الملتهبة، في حين يتصبب الشاب الممتلىء هيثم عرقاً وهو يبيع الزبائن السود سجائر قليلة ومواد غذائية شحيحة .. كان البائع هيثم يتعامل مع الزبائن من داخل غرفة زجاجية مقيدة بقضبان حديدية، والدخول اليها يتم عن طريق باب حديدي موصد جيداً، ومن خلال فتحة صغيرة كان يتسلم نقود المشترين.
اشار البائع هيثم، الفلسطيني الأصل اردني المولد، الى الدخول بسرعة الى زنزانته الزجاجية، أجاب مبتسماً على دهشتنا وسر هذه الرقعة الضيقة التي يقضي فيها يوميا نحو اثنتي عشرة ساعة واقفاً على قدميه بأجرة قدرها خمسة دولارات للساعة الواحدة علماً أن الحد الأدنى للاجور يبلغ نحو ثمانية دولارات، قال هيثم، ربما يقي هذا الزجاج طلقة قاتل جاء يبحث عن حصيلة المبيعات اليومية التي يتراوح معدلها الألف دولار، وهنا في هذه الزاوية تعرضت لمحاولة قتل، ووضع المسدس منذ ثلاث سنوات في رأس صاحب المحل، واوشكت حياته على نهايتها لولا تردد القاتل في الضغط على الزناد.
وهيثم شاب في مطلع الثلاثينات، وصل الولايات المتحدة منذ ثماني سنوات تقريباً قادماً من الاردن، وحتى الآن لا يمتلك اقامة شرعية، وحاول الحصول عليها من خلال اقترانه بامرأة مكسيكية لكنها باتت تبتزه وتحصل منه على ما تريد من أموال لقاء صمتها على وضعه غير الشرعي فيما تتصرف هي في حياتها الشخصية كما يحلو لها .. ووصل معها مؤخراً الى صفقة تقضي بان يدفع لها ما تريد من أموال جراء استكمال اوراق الطلاق!!
كان عبد الرحمن يستمع بهدوء للقصص المتنوعة التي يرويها هيثم حول ظروف الحياة التي تحاصر معظم الذين يعرفهم من المهاجرين العرب، قال عبد الرحمن (39 سنه) الذي ولد في بلدة قرب القدس وغادرها طفلاً صغيراً بعد حرب 1967 الى الاردن حيث أنهى دراسته الثانوية بتفوق والتحق في كلية الطب لثلاث سنوات لكنه غادر الى الولايات المتحدة ويعمل حالياً في المختبرات الطبية: أذكر تماماً محاولة قتل تعرضت لها شخصياً عندما هاجمني رجل أسود في هذه الزاوية، مشيراً اليها، وطلب مني كل الأموال التي بحوزتي، وضع المسدس في رأسي واجلسني ارضاً وبدأت بتلاوة الشهادة، عندها ظن أنني اشتمه فازداد غضباً وكاد يضغط على الزناد لولا تدخل احدى البائعات السود في المحل التي اكدت له انه لا يشتم بل يؤدي طقوس الموت، واشارت اليه بأن يأخد كل الاموال على أن لا يؤذ أحدا، وبالفعل خطف كل الاموال وخرج مسرعاً الى محل مجاور يمتلكه عربي من اليمن الذي قاومه ورفض الاستجابة الى طلبه بتسليمه ما يملك من مال، فانطلق الرصاص الى رأسه ثم اعتقل القاتل وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد .. ورفضت أن أشهد عليه بالمحكمة تجنباً لقتلي.
ونجح عبد الرحمن في حياته المهنية حيث نال درجة الماجستير في التحاليل الطبية ويعمل حالياً في شركة مرموقة بمجال تخصصه، لكنه عانى سنوات طويلة من الاقامة غير الشرعية وظروف عمل صعبة، وتمكن مؤخراً من الحصول على "غرين كارد" عن طريق شركته الطبية وهو متزوج وله ثلاثة أبناء، وما يميزه أنه بدأ حياته الطلابية متأثراً بتيار حركة الاخوان المسلمين في الأردن إلا أنه أصبح ليبراليا يتقبل مفاهيم مجتمعية أخرى، في حين أن شريكه المهندس "ابو فارس" بدأ حياته الطلابية متأثراً بالاتجاهات اليسارية ثم تخلى عنها.
البقالة ضيقة، واعتقد انها لا تتسع لضيف وبائعين واصحاب محل وعدد من الزبائن، طلب "ابوفارس" من البائع هيثم ان يقلب لنا صندوقين حليب فارغين للجلوس فوقهما على مدخل المحل، وتحت درجة حرارة مرتفعة أدار "ابو فارس"، وهو رجل اعمال ناجح من قرى نابلس الجنوبية، نقاشاً طويلاً رغم أنه لا يضيع وقته عادة بالحوار اثناء عمله.
- "ابو فارس": العبيد مجموعة اميركية كسولة لا تهتم بالعمل اطلاقاً وليس لها طاقة عليه ولا تستطيع ان تكسب مالاً وهي بالتالي تستحق حياة الفقر.
* لماذا تطلق عليهم هذه التسمية العنصرية "العبيد" وللأسف أن التعبير شائع ومنتشر في الوسط العربي، ألا تعتقد أن غالبية من المكسيك والصينيين والعرب والمسلمين يعيشون في ظروف اقتصادية تضعهم في مرتبة العبيد؟
- "ابو فارس": صحيح هي فقيرة وتقترب من درجة العبودية لانها مجموعات كسولة من المهاجرين الجدد نسبيا،ً ولكن السود يقيمون هنا منذ قرون.
* من قال لك ان الفقراء كسالى، أخالفك الرأي ذلك أن هذه النظرية طبقية تعبد طريق الاستغلال، أعتقد ان قوانين واجراءات معقدة أعترف انني أجهلها تضع السود خاصة والملونين عامة في هذه المرتبة المتدنية للمجتمع الاميركي.
- ابو فارس": القوانين هنا لا تميّز بين أبيض واسود والكل يأخذ فرصة متساوية وبامكان أي فرد او مجموعة ان تنجح اقتصادياً وتنتقل من فئة محتاجة الى أخرى أحسن حالاً شرط أن تعمل بمثابرة ووفق القانون .
* صحيح أن القوانين على الورق لا تميّز بين البيض والسود والملونين، ولكن هناك ظروف موضوعية وشروط، آمل أن أدركها يوما ما، تقف عقبة أمام السود لنيّل حقوقهم المدنية كاملة.
النقاش إمتد لوقت طويل حتى أحرقتنا شمس شيكاغو، ولم أصل الى قواسم مشتركة مع "ابو فارس" الذي غيّر قناعاته وتبني مفاهيم سائدة حول قواعد توزيع الثروات وتمايز الطبقات الاجتماعية. استخدام مصطلح العبيد محظور تماماً وفق القوانين الاميركية ولكنه للأسف دارج على ألسنة العرب رغم أن بعضهم يعمل في وسط أحياء السود الفقيرة ويعيش على أرباح ما يسمى بـ "شيكات التموين الحكومية" أو "فود ستامب" التي توزع على المحتاجين السود لشراء المواد الغذائية الاساسية لافراد الأسرة.
سمعت ان الكثير من التجار العرب وغيرهم جمعوا ثروة طائلة من خلال كوبونات التموين الحكومية حيث كانت تستبدل بنصف قيمتها الفعلية نقداً .. ولكن في الفترة الأخيرة زادت الرقابة والقيود بشكل ملحوظ على عملية صرف الشيكات الحكومية لاغراض الغذاء.
المفارقة أن تعامل بعض العرب الدوني مع السود أوجد مناخاً من التحريض على القضايا العربية، ونجحت مؤسسات معادية ببث دعاية مسمومة حول مسؤولية عرب شمال افريقيا بنقل عشرين مليون اسود الى اميركا واوروبا عبر بوابات المحيط الاطلسي الذي شهد مقتل ستة ملايين اسود أثناء نقلهم .. ومع أن اوساط بيضاء وطوائف دينية في هولندا اعترفت بمسؤوليتها عن نقل السود من افريقيا إلا ان التحريض لا زال متواصلاً تجاه العرب .
قبل مغادرة البقالة العربية في حي هارفي، دققت ملياً لآخر مرة في الزبائن: شبان صغار يرتدون ملابس رثة وقبعات غريبة يتوقفون بسياراتهم القديمة المتهالكة يترجلون منها لشراء سيجارة او سيجارتين، وسيدات بدينات يدفعن القليل لقاء مواد غذائية محدودة، ويدفع الزبائن عادة الكثير من القطع المعدنية الصغيرة في حين أن الصورة النمطية للاميركي أنه يدفع عبر "فيزا كارد" ّّّ!!
غادرت الحي مع صديقي عبد الرحمن، وفي الطريق أشار الى بقالة اليمني الذي قتل بالرصاص، وبدا المحل عن بعد كأنه سجن مقيّد بشبك حديدي .. وفي الطريق أيضاً شاهدت محلات عربية مشابهة لمهاجرين من الاردن وفلسطين وسوريا وغيرهم .. كانت اليافطات الصغيرة تحمل اسماء عربية بحروف انجليزية
المحلات التجارية الضخمة التي تعرف باسم "المول" غير موجودة على الاطلاق في احياء السود وتنعدم البقالات المكسيكية والعربية والصينية الصغيرة في أحياء البيض، ذلك أن السود لا تتوفر لديهم القدرة الشرائية لتعبئة العربات بالبضائع والدفع حسب نظام "الفيزا كارد" ناهيك عن استعدادهم حسب رأي اصحاب الشركات العملاقة عن نهب البضائع دون أي حساب لأجهزة الانذار التي تكشف السرقات أو الخوف من رجال الحراسة، بينما يمتلك معظم البيض قدرة شرائية واموالاً، وايضاً ربما موقفاً، تجعلهم يتجنبون شراء احتياجاتهم من المحلات الصغيرة للملونين .. وتنتشر مفارقة بصيغة سؤال بين الشبان العرب: عندما يكون في السيارة أسود ومكسيكي، هل تعرف من هو السائق: منّ؟ السائق طبعاً.. رجل شرطة!!
قسوة "الاقامة"..
في حي آخر للسود يدعى "تلال شيكاغو" مجاور لحي هارفي افتتح الشاب عمر حسين من قضاء رام الله، بقالة صغيرة لا تتجاوز مبيعاتها اليومية 500 دولار، ولولا مثابرة عمر وقدرته على انتزاع أعمال أخرى في شراء وبيع السيارات المستعملة لما تمكن الاستقرار في شيكاغو مع زوجة وثلاث بنات صغيرات. وعمر القادم من البرازيل الى أمريكا اكتسب تجربة متميزة جعلته يكافح بشدة لتوفير احتياجات أسرته.
ومن موقع اهتمامه بالشأن الفلسطيني يوفر عمر عملاً لرجل في منتصف العمر يدعى "ابو فادي" متضامناً معه الى أبعد حد عندما علم أنه جمع ثروة طائلة اثناء عمله مديراً لأحد البنوك في الخليج العربي، ثم غادرها الى الاردن والولايات المتحدة .. خسر جزءاً من ثروته اثناء بحث عن مشروع استثماري وطار الجزء الاكبر في مضاربات البورصة وفقد ما تبقى معه من مال عندما أنهى صاحب المحل الصغير في حي للسود التعاقد السنوي معه فحمل كل بضاعته الى محل عمر واخذت بالتلف مع إنتهاء صلاحيتها .. ومنذ عشر سنوات يعيش أبو فادي عالقاً دون اوراق رسمية في شيكاغو. قال الرجل بملامح هادئة: عندما ينهي آخر ابنائي دراسته الجامعية سأعود الى الاردن، هنا الحياة قاسية وخاصة لمن هم في سني، حاولت كل الطرق للحصول على بطاقة اقامة بما فيها عقد زواج شكلي مع مكسيكية .. ولكن دون فائدة، لقد ضيّعت اكثر من ربع مليون دولار هي ثروة العمر وكدت أخسر حياتي عندما تعرض محلي للسطو المسلح ولولا رحمة الخالق لكنت في عداد الموتى.
يسكن ابو فادي في شقة متواضعة تتجاوز أجرتها الشهرية نحو 800 دولار يتقاسمها مع اثنين من معارفه: ماجد استاذ جامعي من الاردن يعمل بوظيفة جزئية في احدى جامعات شيكاغو وينتظر حصوله على الجنسية الاميركية للعودة الى الاردن وخليل مهندس أنهى دراسته العليا في الهندسة من جامعات ايطاليا ويعمل سائقاً على سيارة أجرة .. وبالكاد يستطيع الثلاثة توفير احتياجاتهم الشخصية وتسديد التزاماتهم المالية تجاه ذويهم في فلسطين والاردن.
لغة فوق الاستيعاب!
إنشغلت اسرة ابو احمد البطروخ منذ صباح الجمعة، وهواليوم الثالث على وصولنا الى شيكاغو، بالاستعداد لصلاة الظهر، توجهنا معاً الى جامع "اوكلون" المجاور لمنزلهم .. تناولت ثلاث صحف عربية من المدخل الرئيسي للجامع، حملت نسخة من كل واحدة واستعرضتها سريعاً قبل أن يشرع الإمام جمال في خطبة الجمعة.
ركز الشيخ في خطبته على التضامن والمحبة وعالج كيفية حل نزاعات العمل المتزايدة بين الاقرباء والانسباء وأسهب في الحديث عن التسامح والاخلاق .. كانت لغته العربية فصحى متماسكة ولكنها فوق طاقة الاستيعاب لشبان صغار ولدوا في الولايات المتحدة وتستعصي، عليهم اللغة الفصحى .. كان معظم المصلين من الجالية الفلسطينية التي تسكن على مقربة من الجامع ومن الفئات الشابة الصغيرة.
وقبل إشارة الشيخ جمال لاقامة الصلاة أعلن عن ضرورة تبرع العائلات لاستضافة ذوي أطفال عراقيين مصابين سيصلون الى مستشفيات شيكاغو لاجراء عمليات جراحية لهم، واوضح أن التبرع ينطوي على استعداد بتوفير المسكن أو المال أو الترجمة أو خدمات التنقل بالسيارة .. وقرأ الشيخ اعلانات عديدة عن مناسبات أفراح واتراح وغيرها ولكني شعرت بقيمة اعلانه بشأن استضافة ذوي الاطفال العراقيين الجرحى .. ترى هل تتمكن الأسر الفلسطينية والعربية في "اوكلون" التي تعيش في منازل منفردة ومتوسطة الحال وبدخل مالي معقول تحت ضغط غلاء متزايد من توفير الاحتياجات اللازمة لاطفال العراق؟
صحف بائسة ..
حملت معي في طريق العودة الى البيت الصحف العربية: الميزان، الأفق العربي، المستقبل ورابعة دعائية تدعى الوسط . والصحف الثلاث للجالية الفلسطينية، أفضلها مهنياً صحيفة "الميزان" لكنها لا تمتلك حرفية في صياغة العناوين الصحفية وليس لديها الكادر الفني لاخراج صحيفة متقنة، ومع ذلك تعتمد على شبكة جيدة من المراسلين في امريكا وخارجها وتطبع في العاصمة واشنطن مرة كل اسبوعين، وهي تصدر عن جمعيات خيرية اسلامية وتوزع في معظم ولايات الوسط والشرق . وتفتقر صحيفتا "الافق العربي" و"المستقبل" لأية مهنية وتعتمدان على "الانترنت" في التقارير والاخبار، وهما أقرب الى صحف اعلانات ولكن بطبعة فنية رديئة، والمفارقة أن بعض أعدادها صدر دون تاريخ .
في حي "تنلي براك" وفي لقاء تعارف سريع بمنزل الصحفي المخضرم تيسير ابو سمية، شقيق الاذاعي المعروف باسم، إعترف بسوء حال الصحافة العربية مؤكداً أن همّها الوحيد هو الاعلان التجاري فقط وينقصها الخبرات المهنية والتمويل، وقال انه يفكر في إصدار مجلة شهرية حال توفر التمويل اللازم.
ترك ابو سمية عمله الصحفي منذ سنوات عديدة حيث كان يقدم برنامجاً تلفزيونياً للجالية العربية، ويعمل الآن في مجال التجارة واستيراد البضائع الصينية الى الولايات المتحدة.
قلب شيكاغو..
لم يكن بالامكان المكوث في شيكاغو ثلاثة أسابيع دون زيارة قلب المدينة أو ما يعرف هناك باسم "الداون تاون" التي تتشابك فيها البنايات الشاهقة يتوسطها "سيرز تاور" الشهير، اصطحبنا صديق العمر عماد جبر وافراد اسرته بمشاركة اسرة شقيقه عدنان الى قلب شيكاغو .. ثم الى سوق "نيفي بيير" الشعبي الذي يضج يومين في الاسبوع على ايقاع حركة السائحين من داخل الولايات المتحدة وخارجها .. تقع الاسواق المكتظة على امتداد جزء واسع من شاطيء بحيرة ميتشيغن التي تغفو بقربها شيكاغو، شوارع واسعة تمتلىء بالمحلات وتزدحم بالمارة وتصخب بالموسيقى والالعاب طوال عشرين ساعة فيما تحمل القوارب الصغيرة والسفن الكبيرة من يرغب برحلة قصيرة في البحيرة بينما يلهو الاطفال في ملاعب أعدت خصيصاً لهم .. وفي منتصف يومنا الطويل إستضافنا عماد في مطعم ايراني شهير في قلب شيكاغو .. كانت رائحة الأكل تعزز شرقية المكان الواسع والانيق، تناول الجميع وجبة دسمة خاتمتها الشاي الايراني الفاخر.
وعماد في منتصف الأربعينات، صديق قديم منذ المدرسة الابتدائية في مخيم بلاطة، تميّز بذكائه بين زملائه وكان يتقدمهم في العلامات المدرسية، أنهى دراسته الجامعية في العلوم من جامعة الاسكندرية وحاضر في قسم التحاليل المخبرية في معهد الطيرة للمعلمات (رام الله) ثم غادر الى الولايات المتحدة منذ عشر سنوات حيث نال درجة الماجستير في التحاليل المخبرية ويعمل الآن في شركة اميركية متخصصة في هذا المجال وله مختبر طبي متواضع مع شريك اخر لضمان دخل إضافي يساعده على مواجهة احتياجات أسرة من ستة افراد واقساط شهرية كبيرة لمنزل واسع وجميل .. واعترف أنه لولا وجود صديق مثل عماد لما تمكنت من التنقل بسهولة في مدينة شيكاغو الضخمة وضواحيها المتعددة وتعرفت من خلاله على أصدقاء كثر.
ابدى عماد استعداداً لنقلنا الى مدينة ميلواكي التي تبعد عشرات الأميال شمال شيكاغو لزيارة أصدقاء لنا .. جهّز سيارته وانطلقنا نقطع الأميال بجوار البحيرة الكبيرة التي تشكل الجزء الجنوبي من البحيرات السبع العظمى في الولايات المتحدة وتمتد حتى حدود كندا الجنوبية بمساحات هائلة.
وصلنا ميلواكي، المدينة الصناعية الكبيرة، في ولاية وسيكانس، كانت طالبة الدراسات العليا في كلية الهندسة شيرين سلمي من القدس باستقبالنا، قادتنا الى مطعم صغير للجالية العربية تناولنا قهوتنا وعرفتنا على الدكتور اسامه، الفلسطيني القادم من الكويت، والمحاضر في كلية الهندسة بالجامعة، قال أن فكرة المطعم تقوم على محاولة ايجاد مكان لتجمع الطلبة العرب الذين يقومون باعمال طوعية من طبخ وتنظيف مقابل مبلغ زهيد ثمناً للوجبة .. وتبدو فكرة اسامه خلاقة في توفير مكان مريح للقاءات طلابية ووجبات طعام بأسعار رمزية.
ودعنا الدكتور اسامه المنحدر أصلاً من مدينة يافا ولم يتمكن من زيارتها، واتجهنا مع شيرين نبحث عن صديقتنا "ام يونس" سيدة فلسطينية من بلدة شمال رام الله تعيش مع نجلها صبري منذ عشر سنوات في ميلواكي الذي وصلها للدراسة ثم التحق بالعمل.
كانت الاتجاهات سهلة على عماد، وساعد "الخليوي" في وضعنا على الطريق الصحيحة كلما فقدنا الاتجاه .. دقائق قليلة كنا نقرع جرس منزل السيدة "أم يونس" التي استقبلتنا بترحاب وحرارة أحاديث انقطعت منذ عشر سنوات .. ثم ذهبنا معاً الى مطعم يوناني شهير مجاور لمسكنها، وفي الطريق اخبرتنا أن الأبنة الوحيدة لصاحب المطعم اليوناني اصرت على الزواج من نابلسي واقيم فرح فلسطيني – يوناني رائع . تناولنا وجبة لذيذة طغى عليها الحلويات الشرقية اليونانية .. وعندما سألنا عن الفاتورة أدركنا أن "ام يونس" قد تسللت بهدوء لتسديد حساب المطعم.
روت لنا "ام يونس" قصصاً من النجاح والفشل للجالية العربية، وتعتقد أن غالبية الشعب الاميركي طيب يجيد التعامل مع الآخرين، وقالت أنها نجحت في الحصول على عمل ورخصة قيادة للسيارة رغم عمرها المتقدم بالسن .. ودعتنا وهي حزينة وغادرنا ميلواكي بعد تأمين عودة شيرين الى سكنها الجامعي في المدينة، ثم قاد عماد سيارته مساء في طريق العودة صامتاً يقظاً لحركة المرور الكثيفة فيما غط الجميع في نوم عميق لنفيق على صوت يعلمنا بسلامة الوصول عند منتصف الليل.
نجح عماد بعد مفاوضات شاقة في شراء بيت واسع وجميل بضاحية "يورك فيل" الثرية بمبلغ سقفه ثلاثمائة ألف دولار .. إستأجر شاحنة وحمّلنا معاً بمساعدة صديق وافراد اسرته عفشه الى بيته الجديد .. وفي الطريق أوضح اسرار شراء العقارات في الولايات المتحدة: الأمر لا يتطلب سوى دفعة أولى تسمى "داون بيمنت" تحسم مباشرة من القرض المالي ثم يجدول باقي القرض على مدار ثلاثين عاما، وقال أنه ملتزم منذ الاسبوع القادم بدفعة شهرية قدرها 1800 دولار ناهيك عن فواتير الخدمات المختلفة، واضاف عماد أن الغالبية المطلقة من سكان الولايات المتحدة لا تمتلك منازلها بل هي ملك لشركات الرهن العقاري وحال التقصير في دفع المستحقات لمدة شهرين متتالين يضحي كل الأثاث خارج البيت وفق قرار قضائي حكمه العقد بين البائع "الشركة" والمشتري .. هذه طريقة شراء العقارات التي تمولها قروض شركات ضخمة متخصصة تمتلك قدرة فائقة في فرض قيمة الفائدة التي غالباً ما تكون مرتفعة .. والخيارات للمهاجر صعبة إما استئجار شقة باكثر من ألف دولار شهرياً واما شراء بيت بمبلغ كبير لا تقل دفعته الشهرية عن 1500 دولار .. وهل هناك خيارات أخرى سوى اللجوء للبنايات الحكومية التي توفرها للمهاجرين أو المحتاجين بأجرة مخفضة ولكن في أحياء بائسة.
الاتجاه غرباً..
إنتهت الأسابيع الثلاثة سريعاً في شيكاغو، وفي نهايات حزيران غادرنا الى ولاية واشنطن في الساحل الغربي .. في مطار "اوهير" الدولي كانت اجراءات السفر الداخلي سهلة، يكفي أن يعرض المسافر تذكرته وبطاقته الشخصية والمرور عبر بوابة اليكترونية ليصعد الى الطائرة، كانت مقاعد طائرة خطوط "اليونايتيد" الجوية في حالة مزرية تكشف عن أنها خصصت للرحلات الداخلية، وطوال ألفي ميل قطعتها الطائرة في خمس ساعات تقريباً لم يقدم شيء للركاب باستثناء حقهم في شراء علبة غالية الثمن من البسكويت الرخيص، فيما تطلبت اجراءات السفر الداخلي على الخطوط الجوية منع الركاب من مغادرة مقاعدهم في نصف الساعة الأولى والاخيرة من الرحلة ناهيك عن أننا تسلمنا بطاقات حجز مقاعدنا في الطائرة ضمن الصفوف الأخيرة ربما بما "يليق" بنوع جوازات سفرنا وملامحنا الشرقية العربية!!!
اجتازت الطائرة في دقائقها الأخيرة ثلاثة جبال مرتفعة يكسوها الثلج على مدار العام، أحد هذه الجبال يدعى "ماوتن هود" يقف وحيداً كهرم ثلجي عملاق على ارتفاع 3425 متراً، مرت الطائرة بجانبه لاستفزاز كاميرات المسافرين في التقاطه واحتجازه، رقميا، عبر عدسات الديجيتال.. بدت قمته أعلى قليلاً من جناح الطائرة التي حطت في مطار بورتلاند.
بعد ثلاثة أيام على وجودنا في بلدة "فانكوفر"، إتجهنا للجنوب الشرقي لمدينة بورتلاند لنشاهد الجبل الثلجي الضخم عن قرب .. المنطقة سلسلة جبلية تكسوها الغابات الكثيفة والمياه الوفيرة، تعد من المواقع السياحية الهامة في غرب اميركا ويشكل "ماوتن هود"، احد معالمها، ولاحظنا أعداد القادمين للصعود باتجاه أطراف الجبل الثلجي، من يتمكن صعود ثلاثة كيلومترات ونصف في ظل درجة حرارة متدنية في المكان.. كان المشهد رائعاً: هرم ثلجي ضخم يتربع وحيداً على مساحة واسعة من الأرض المنبسطة، وعند أطرافه السفلى يتزلج عدد كبير من الهواة في منتصف شهر تموز الصيفي.
في طريق عودتنا للبيت، توقفنا عند نادي للتزلج، أصرت ابنتي نادين على التجربة، ارتدت حذاء خاصاً وباشرت المحاولة ولكنها لم تتمكن من الاداء بشكل جيد، لاحظت شابة هندية تبدع في حركات فنية على جليد صلب وتكاد تكون محترفة، وعندما اقتربت مني عند بوابة الخروج من ساحة التزلج طلبت منها مساعدة نادين، رفضت على الفور واعتذرت مباشرة وهي تقول أن هذا النوع من الرياضة تنافسي بالدرجة الأولى واتركها تتدبر شأنها. فاجئني ردها الحازم وكنت أظن أن قواسمنا المشتركة في كوننا ملونين ومن العالم الثالث قد يساعد قليلاً على شيء من التضامن .. ولكن هذه اميركا كل شيء خاضع للمنافسة وما عليك إلا أن تركض طويلاً قبل أن تنال مبتغاك.
استقبلنا في بلدة فانكوفر كيرن وعلي وحسام البطروخ، وبذلوا جهداً خلال مراجعتنا للدوائر الرسمية لضمان الحصول على وثائقنا، حيث ارسلت كيرن الكفالة المالية التي تعتبر شرطاً حاسماً في قبول معاملة الهجرة، وكانت، كغيرها من الانسباء والاصدقاء، كريمة في توفير احتياجاتنا وتعبئة اوقات فراغنا برحلات داخلية وزيارة متاحف وحضور افلام سينما.
تعيش كيرن (59 سنه) وحيدة في منزلها الجميل الهادىء بضاحية خضراء قرب نهر كولومبيا المتدفق الذي يخترق الولايات الغربية ويسير بمحاذاة سفوحها الجبلية، فيما يعيش نجلها الوحيد شاهر حسام (30 سنه) وحيداً في مدينة لوس انجلوس ويبعد عنها سفر ساعتين بالطائرة، وتعيش أيضاً والدتها الاميركية من أصول بريطانية (89 سنه) في بلدة تدعى موسكو بالولايات الشمالية الشرقية على بعد تسع ساعات سفر بري .. هل بالامكان التصور أن ثلاثة أجيال من عائلة واحدة يعيش كل منهم منفرداً وبعيداً عن الآخر؟ ربما هذا هو النمط الاجتماعي للحياة الاميركية التي تعبد حرية العبد واستقلاله، وقد يلتقي افراد الأسرة البالغين لمرات قليلة وفي مناسبات محدودة على مدار العام.
امتياز للكلاب..
كان سؤال كيرن، وهي سيدة مثقفة وحساسة، واضحاً صريحاً منذ اللحظة الأولى لدخولنا منزلها عندما لاحظت سلوكنا تجاه كلبتها "جيجي" : هل تخافون الكلبة أم تعتبروها نجسة؟.
إرتبكنا في الاجابة الصريحة، لكن سلوك الخوف من الكلبة طغى بداية على نضال ونادين ثم أصبح التعايش معها مجبراً لانها تتنقل بسهولة في كل مكان وتحجز مكانها بسرعة على المقاعد الواسعة، ولا يليق طردها!! يبدو أن ثقافتنا تبلورت تجاه الحيوانات الأليفة، وبرغم ألفتها، ليس لها مكان في منزلنا.. للأسف.
اعترفت كيرن أن الكلبة تكسر أحياناً وحدتها، وهي مكلفة مالياً، بما لا يزيد عن ثلاثمائة دولار شهرياً من أكل خاص ورعاية وتنظيف وطبابه، واوضحت أنها تشعر بالذنب حينما تدفع هذه المبالغ المالية وهي تعلم أن أطفالاً في العالم الثالث يموتون جوعاً وان موازنة الكلاب المدللة في ثمانية بلدان صناعية تفوق موازنات نصف دول العالم الثالث.
صمدنا اسبوعين مع الكلبة "جيجي" التي كانت تتجاهل الاكل عندما يقذ�


ساحة النقاش