د. إيهاب على اليسار يلعب مع المرضى كرة القدم

اتصلت بزوجتي لأقول لها: سأتأخر قليلا. سألتني: لماذا؟ ذاهب إلى مشوار.. أين؟ ترددت بعض الشيء ثم استجمعت قواي، وقلت: مستشفى المجانين!!

بعد عدة إجراءات سهلة -على غير المتوقع- دخلنا إلى أسوار هذا الصرح.. وداخلي قليل من الترقب وكثير من القلق، حرصت ألا أسأل أحدًا؛ لأنني كنت أشك في كل الوجوه التي أراها أنها لـ "مجانين"، وصلت بسهولة إلى المكان الذي حدده لي د. إيهاب خليفة (طبيب بمستشفى الأمراض العصبية والنفسية بالعباسية بالقاهرة، وصاحب تجربة العلاج السلوكي بالمستشفى)، المستشفى نظيف جدًّا، الحدائق مريحة للأعصاب، لم أشاهد طيلة الطريق أحدًا يطلي الهواء أو يعتقد نفسه نابليون كما كنت أتصور.

لم أجد د. إيهاب، فزاد توتري، قابلت رجلا ظننت أنه من العاملين في المستشفى، بادرني بالابتسام فابتسمت له، طلب مني سيجارة بطريقة مستكينة، أدركت أنه مريض فأجبته بحزم مصطنع: لا أدخن. فقال لي: "طيب 50 قرشا لأشتري سجاير"، فقلت له بتوتر ملحوظ: اسأل الدكتور.. فاستدار وهرول وهو يغمغم بكلمات لا تبين.

زاد توتري.. فوجئت بأذان العصر ينبعث من مسجد قريب، تنفست الصعداء، سأصلي، فقد أطرد الخوف، على باب المسجد وجدت ملصقات لدعاء دخول المسجد، وعَلمًا لفلسطين وصندوق تبرعات ومجلة حائط وإعلانا صغيرًا عن مقرأة أسبوعية لتعليم التجويد للنزلاء(!!) والعاملين. ورغم أنها مفردات طبيعية لأي مسجد فإنني كنت أعتقد أن مسجد مستشفى المجانين لا بد أن يكون مختلفا، حتى فكرة وجود المسجد ذاتها لم تكن مستساغة لي.

انتظمت في صف الصلاة بجوار حوالي 15 مصليا، لا أدري إن كانوا نزلاء أم عاملين بالمستشفى، المصلي الذي بجواري يهرش في رأسه كثيرًا(!!) أعتقد أنه مجنون.. حاذرت منه أن يقوم بعمل عدائي ضدي، بعد الصلاة تساءلت: كلنا نهرش في الصلاة فهل كلنا مجانين؟!

رجعت إلى المكان المحدد، قابلت الرجل الذي يطلب السجائر مرة أخرى، لم يطلب مني شيئا، هل عرف أنني ذات الشخص الذي رفض في السابق؟

أخيرا تنفست الصعداء، فقد وجدت د. إيهاب، ابتسم لي وكأنه رمى لي طوق النجاة، تساءلت: لِم أنا مرعوب إلى هذه الدرجة، مع أني ذهبت إلى أماكن كثيرة موحشة ولكن لم يصبني كل هذا الخوف؟

ربما شعر أنني قلق جدا فابتدرني د. إيهاب بوصايا عرفت بعد لقائي مع المرضى أنها دستوره في التعامل مع مرضاه: "لا تخف من المريض فتصنع جدارًا من عدم الثقة بينك وبينه. تعامل بحنان وحزم في آن واحد. المريض النفسي ودود جدا، يرغب في التواصل مع الجميع. من السهل جدًّا أن يحاول أن يعانقك عند اللقاء، فإذا ترددت للحظة فانس تماما أن تسترد ثقته فيك".

وماذا عن د. إيهاب؟

مجموعة من المرضى يتنزهون خارج العنابر

وبسؤال د. إيهاب عن تجربته المتميزة داخل المستشفى قال: الحكاية ببساطة أنني أحاول تطبيق نظرية تؤمن بعلاج المريض من خلال ممارسته لأنشطة مختلفة، وإدماجه في المجتمع، وهو ما يسمى "العلاج السلوكي"، وهذا ليس اختراعا مني؛ فالحقيقة أن هذه مدرسة معروفة في الطب النفسي مؤداها: ألا أنظر لداخليات المريض وذلك تواضعا مني، فيقينا لا أحد يستطيع إدراك هذه الداخليات ولا تفاعلاتها المعقدة، ويقوم العلاج الأساسي على التعامل فقط مع الظواهر الخارجية، وسلوك المريض، ومحاولة التأثير فيه وجعله أقرب إلى القواعد المنظمة للسلوك في المجتمع من حوله.

ويستطرد قائلا: "ترى النظرية أن المريض من خلال شعوره بتساويه مع الآخرين وأنه مثلهم تماما من خلال سلوكه الذي يشابه سلوكهم، تمحى عنده عقدة النقص بما يدعمه نفسيا، وهذا كفيل بصورة كبيرة بحل أزمته النفسية والتأثير على داخلياته؛ فالمريض في هذه الطريقة شريك في العلاج، فأنا أرتب له المناخ المناسب وأساعده على التعامل معه، وأترك الترجمة الداخلية له".

ويتابع قائلا: الجديد الذي أحاول أن أفعله هو "الوسائل". مثلا من خلال تعامل المريض مع الكمبيوتر فهو يشعر بثقة كبيرة حينما يستطيع ذلك مهما كان التعامل أوليا وبسيطا؛ لأن الكمبيوتر بالنسبة لكثيرين حتى من الأصحاء: عالم ملغز، فإذا استطاع اقتحامه شعر بثقة وزهو كبيرين.

ومن الجديد أيضا: إدخال النشاط الكشفي في علاج المرض النفسي لما لاحظت في هذا النشاط من غرس قيم هامة جدا في تدعيم المريض، منها قيمة الإرادة، وقيمة الانتماء إلى مجموعة.

وأشار د. إيهاب إلى أهمية تذكير المريض بالمعاني الدينية من صبر على الابتلاء ومن أهمية الدعاء والقرب من الله؛ فالمرض النفسي ليس كأي مرض عضوي بل هو إلى الروح ألصق. وفي هذا الصدد أقام مسابقات قرآنية في آخر 10 سور من جزء عم، واشترك فيها أكثر من 350 نزيلا وعاملا بالمستشفى، وهو حريص على ألا تقتصر المسابقات على المرضى فقط كي يشعر المريض أنه والعاملين الأصحاء على قدم المساواة. والطريف أن بعض المرضى فاق العاملين طبقا للنتائج.

هل هناك نتائج؟

محاولة للتفريج عن المرضى بمشاركتهم في الغناء

وعن النتائج يقول: "إن عددًا لا بأس به قد خرج من المستشفى بعد أن تعافى كثيرا، وعددًا آخر الآن في الانتظار، وبعض الحالات المتقدمة تقوم ببعض الأعمال الإدارية داخل العنبر من حصر المرضى أو توزيع المواد الغذائية أو غير ذلك، وهو ما يبث الثقة في نفوس المرضى. وبطريقة أو بأخرى: يعد من إيجابيات النشاط الذي يختلط فيه المرضى مع الأصحاء محو وصمة المرض النفسي لدى الأصحاء، فتكسر حاجز الخوف من المريض".

ويرى د.إيهاب أن العلاج الدوائي بمفرده لا يكفى في علاج المرض النفسي، وإن كان له نتائجه في علاج بعض الأمراض مثل الهلاوس والضلالات والوسواس القهري، وللأسف فإن العلاج النفس الدوائي هو السائد في العالم طبقا لمنظومة لا نستطيع أن ننكر تقدمها المبهر في تشخيص المرض النفسي، ولكن نتائجها على مستوى العلاج ليست على المستوى المطلوب.

في عنبر العقلاء!

نزلاء المستشفى يلعبون كرة القدم

بدأت حواري مع أحد المرضى، صافحني بود، وجلس أمامي سألته عن اسمه فرفض بلطف: "لا داعي"، استفسرت منه عن رأيه في اللاعبين الذين كانوا يتناقلون كرة القدم أمامنا قال: "نشاط ممتاز، أشكر كل القائمين عليه، وأشكر فريق الجوالة الذي جاء ليشاركنا".

سألته عن سبب مجيء فريق الكشافة للمستشفى فقال: "جاء حتى يقول لنا: أنتم طبيعيون وتشاركون في كل أنشطتنا، ونحن لا نخاف منكم".

فقدت دهشتي الأولى بعد هذا الكلام المرتب فقلت له: وهل تشعر أن هذه أزمة للمريض النفسي؟ قال: "البعض لا يعرف من المريض النفسي إلا ما تمثله السينما فقط، وهذه صورة خاطئة، كل الناس معرض أن يمر بظروف مرض نفسي، وهذا ابتلاء من الله، والحمد لله على كل حال".

وأنهى كلامه رافضا أن يجيب على أي سؤال آخر، وبدأ يسألني هو عن عملي، ولما عرف أنني أعمل في موقع على الإنترنت أصر على إعطائي البريد الإلكتروني الخاص به، ووعدني أن نتراسل فور خروجه إن شاء الله.

وطلب كارت العمل الخاص بي، ولما كانت كروتي قد نفدت مني أخرجت له كارت أحد الزملاء -كان معي في حافظتي- وقلت له: هذا هو بريد الموقع.. وما إن قرأ الاسم حتى قال لي بعتاب: ألم تقل إن اسمك أحمد؟ هذا الكارت باسم حسام، فأسقط في يدي وحاولت الاعتذار وتبرير الموقف، لكنه هز رأسه في هدوء وانصرف.

عرفت من د. إيهاب بعد ذلك أن هذا المريض خريج كلية العلوم، ويعمل في مؤسسة معروفة، لكنه مر بظروف لم يستطع تحملها.

التقيت كذلك بـ "وليد عبد الله " –23 عاما- ظننته في بادئ الأمر من أعضاء فريق الجوالة لردائه المهندم ونظافته الشخصية الفائقة، أكثر ما يشتكي منه في المستشفى نسبة المدخنين الكبيرة، وهو يكره الدخان تماما، يقول عن تجربة مبيته في معسكر فريق الجوالة وانخراطه معهم في الأنشطة المختلفة: "إنهم شباب متميز، وهو يشعر وسطهم بجو من الأخوة ساعده على الخروج من الانزواء والوحدة التي كان يشعر بها لوجوده في عنبر به كثير من الخطرين".

وعن روح هذا المعسكر يقول: "أهم ما يسوده البهجة والمزاح والاعتماد على النفس، وأعتقد أنني سأكون اجتماعيا أكثر بعد الخروج إن شاء الله".

وهو يكن حبا كبيرا لـ د. إيهاب؛ لأنه "أكثر من ممتاز؛ فهو الوحيد الذي يقوم بهذه الأنشطة، ويفرج عن المرضى ضيقهم بالوجود في المستشفى"، وأردف قائلا: "تخيل أنه أول من أدخل جهاز كمبيوتر إلى عنبر المستشفى وأخذ يشرح لنا عليه بعض القصص والألعاب"، ويكمل: "الحقيقة شعرت بتغير كبير بعد تعاملي مع د. إيهاب".

في نهاية حواري معه أردت أن ألتقط له صورة، فوافق، لكنه تخوف من أن شعره غير منسق، فأردت مداعبته: "لا تخف لن أرسلها لعروستك"، فبدا عليه الألم وقال: "ومن ترضى بزوج خريج مستشفى المجانين"!!

أما حسين عثمان -48 عاما- فهو رجل لا تفارقه ابتسامته، كان يعمل في ورشة نجارة، يتحدث كثيرا عن قضاء الله، وأن الإنسان لا يدري أين الخير، ويقول: "إن الخروج من العنبر وحده كفيل بإدخال السرور علينا، فما بالك بالألعاب والسمر والأغاني"، وأردف برنة حزن عالية: "تخيل أن تظل في مكان واحد 24 ساعة لمدة 6 سنوات لا تخرج"، وبابتسامة ساخرة قال: "أعقل العقلاء سيجن بالتأكيد".

نهاية الرحلة

لملمت أشيائي لأنصرف مع أذان المغرب لأترك هذا العالم الفريد الجميل وسط وداع النزلاء الحار الذي تشعر فيه بالصدق والبراءة المطلقة، وطلبات البعض لأرقام هواتفي، ورغبتهم في زيارتي لهم مرة أخرى، وأغنية محمد -أحد النزلاء الظرفاء- لنا ونحن راحلون بصوت شجي: "زوروني كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة.. حرام"، وبينما المغرب كان يؤذن كان أحد المرضى يقول لزميله: الله أكبر يعني إيه.. يعني أكبر من كل حاجة في الدنيا".

ا

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 336 مشاهدة
نشرت فى 5 أكتوبر 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,841