السيارة صويا.. ووقودها ذرة!

 

 

إذا كانت مئات الملايين من الأفواه الجائعة تتلهف على أقل قدر من الطعام يسدُّ رمقها، ويحفظ لها حياتها، ويبعد عنها بعض الشيء شبح المجاعات التي تلتهم الشعوب في أفريقيا وآسيا، فإن وزارة الزراعة الأمريكية والمراكز البحثية المتخصصة ونظيراتها في الجامعات الأمريكية لها رأي آخر، حيث يعكف الجميع على إيجاد طرق غير تقليدية للاستفادة من الفائض الهائل من المحاصيل الزراعية الذي تنتجه الأرض، وكانت النتيجة سيارة مصنعة من زيت فول الصويا تسير بوقود من الذرة! وقد تبدو فكرة ركوب سيارة مصنعة من مواد تحل من حين لآخر على مائدة الطعام غريبة، غير أن العلماء قد وجدوا طريقة تستبدل بها الأجزاء المعدنية في محرك السيارة إلى أخرى مشتقة من زيت فول الصويا.

صحيح أن البحث ما زال في مراحله الأولى، لكن الباحثين في المركز القومي الأمريكي لأبحاث الاستخدام الزراعي بولاية ألينوي، وكذلك الباحثون بجامعة أريزونا وجدوا فيه ضالتهم، فقد كان كلا الفريقين يبحثان عن طرق للانتفاع بأطنان من فائض زيت الصويا الرخيص الذي تنتجه الولايات المتحدة، وتمخضت تلك الأبحاث عن نظام تصنيع يمكن عن طريق الكمبيوتر التحكم فيه لإنتاج أجزاء السيارة المعقَّدة من عجينة من زيت فول الصويا.

عجينة الصويا.. حلم لم يكتمل

والحماس يبدو جارفًا لهذه المادة، فالمشرفون على هذه الأبحاث من الجهتين، يعدِّدون مزايا هذه الطريقة؛ أستاذ المواد والهندسة بجامعة أريزونا بول كليفرت يقول: إنه يمكن تصنيع كل أجزاء السيارة الصغيرة من مادة قوامها زيت فول الصويا، وتتميز هذه المادة بأنها متجددة، وقوية كالألومنيوم، إلا أن قطعة منها تزن نصف نفس القطعة من الألومنيوم، وفوق هذا وذاك فهي أرخص سعرًا بحوالي 30% من مثيلاتها الموجودة حاليًا.

والكيميائي زنجشي ليو الباحث بالمركز القومي الأمريكي لأبحاث الاستخدام الزراعي، يوضح أنها بديل متجدد للراتنج البترولي غير المتجدد، حيث إن زراعة فول الصويا ليست بالمعضلة، ويمكن زيادة الناتج منه سنويًّا، ثم يوضح أن زيت فول الصويا يشكِّل 80% من المادة الجديدة، والتي تحتوي أيضا ضمن مكوناتها على الراتنج الإيبوكسي، والسيليكون، وألياف الزجاج، وألياف الكربون.

وبمزج هذه المكونات تنتج عجينة، تترك لليلة في فرن خاص، ويكون المنتج النهائي عبارة عن عجينة لزجة سميكة لها قوة الألومنيوم ولكنها أخف منه، يمكن تشكيلها حسب الحاجة عن طريق ماكينة خاصة مصممة لتشكيل هذه المادة لأشكال ثلاثية الأبعاد يتم تصميمها عن طريق برامج التصميم على الحاسب المعروفة بالـ CAD (computer aided design).

حتى هذا القدر من التفاصيل يبدو المشروع للبعض بلا مشاكل، إلا أن كلفيرت يقول إن الطريقة التي يمكن بها الحصول على منتج نهائي بطيئة، ويؤيده ليو موضحًا أن إنتاج مسمار برِّيمة قد يستغرق تصنيعه ثلاث أو أربع ساعات؛ لذا فإن تصنيع كامل السيارة أو الأجزاء الكبيرة منها بهذه الطريقة سوف يكون غير عملي، والأفضل الاتجاه لتصنيع الأجزاء الصغيرة بالغة التعقيد.

ولكن مرَّة أخرى لا تبدو الطريقة التي توصَّل إليها العلماء مفيدة في الإنتاج الضخم، فالماكينة تصلح لإنتاج قطعة أو قطعتين، أما أن توضع على خط إنتاج فهذا أمر غير مجد، غير أن كلفيرت يذكر بأن البحث ما زال في مراحله الأولى، وقد يصلون مع الأيام إلى الطريقة المثلى للاستفادة من هذه المادة، وحتى ذلك الحين يمكن استخدام الماكينة والعجينة في إمداد المواقع الحسَّاسة في كافة القطاعات بقطع الغيار فوريًّا بعيدًا عن ورش الصيانة، فمثلاً يمكن في الأغراض العسكرية لدبَّابة أن تحمل حاسبًا والماكينة المذكورة لإمداد الفنيين بما يريدون من قطع للغيار لاستبداله بما يتلف في الميدان، فلا يمكن بحال التزويد بكل قطع الغيار؛ لذا فمن الأفضل وضع تصاميم تلك القطع على أسطوانة كمبيوتر، وتصنيعها وقت الحاجة إليها.

وقود السيارة من كحول الذرة

وحيث إن مصادر الطاقة المتجددة حبيبة لنفوس المهتمين بشؤون البيئة، وكل الجهود التي تبذل لإنتاج وقود صديق للبيئة تُعَدّ خطوات مباركة من جانبهم؛ لذا فهم لا يرون بأسًا في استخدام الكحول كوقود للسيارة، حتى ولو تم الحصول عليه عن طريق التقطير من الذرة.

كما أن وزارة الزراعة الأمريكية لا يعنيها أيضًا إلا زيادة إنتاجية الذرة، وبيع المزيد من ذلك الإنتاج، إلا أن شركات الطاقة والوقود ترى أن استخدام الكحول المقطَّر من الذرة كوقود مرهق للجيوب وحوافظ النقود.

وألقى الفصل الأخير من فصول هذه المساجلات مزيدًا من الوقود على النار المشتعلة على كل الجوانب التي تكتنف هذا الموضوع، حيث أدلى البروفيسور ديفيد بيمنتل العالم الزراعي المعروف من جامعة كورنيل الأمريكية بدلوه، وألقى بقنبلة تمثل صفعة لمسألة إنتاج الكحول المقطَّر من الذرة، باعتبار أن إنتاج الكحول من الذرة يمثل خللاً من حيث التكلفة والجدوى.

فقد أدَّت الأبحاث التي أجراها على المسألة برمَّتها إلى إنتاج الكحول المشتق من الذرة سواء من الناحية الاقتصادية، أو البيئية، سوف يخلق من المشاكل ما يزيد عن الفائدة التي يمكن جنيها من استخدامه كوقود.

وبرزت في الإطار مدرستان، الأولى: ويقودها الدكتور بيمنتل والتي تقول دراساته إن الطاقة المطلوبة لإنتاج الكحول من الذرة تزيد بحوالي 70% عن الطاقة التي تنتج عن استخدام الكحول نفسه كوقود؛ فمن تكلفة الذرة في الحقول، مرورًا بعملية التقطير المضنية للحصول على الكحول، نهاية بخلطه بالبنزين، سوف يحدث إضرارًا بالبيئة أكثر مما لو التزم الجميع باستخدام البنزين كوقود للسيارة مفردًا دون اللجوء لطريقة مزجه بالكحول.

والمسمار الأخير في نعش هذه الطريقة، دقَّته الدراسة نفسها، والتي تثبت أن جالون كحول الذرة يكلف حوالي 1.74 دولار، مقابل 95 سنتًا لجالون البنزين.

وعلى الجانب الآخر، هناك صورة مختلفة تمامًا يرسمها مزارعو الذرة والمعنيون بشؤون البيئة، حيث يتشبثون بتقرير صدر عن وزارة الزراعة الأمريكية يُوصِي بشدة باستخدام الكحول كوقود؛ حيث إن الطاقة الناتجة عن استخدامه تزيد بحوالي 25% عن الطاقة المستخدمة في مراحل إنتاجه وتقطيره.

لكن الدكتور بيمنتل استكمل دراساته مؤخرًا، وراح يضرب على الوتر الحساس الذي يهم المعنيين بالبيئة بالدرجة الأولى، ويفاجئ الجميع بأن زراعة الذرة تأكل التربة بمعدل أسرع 12 مرة من معدل إصلاحها بعد زراعة الذرة، وهو ما يشير إلى أن الإنتاج المكثف للذرة مجهد بيئيًّا للتربة، فيما لو تم اعتماد الذرة كمصدر للكحول المستخدم كوقود.

وبنفس المنطق يرد المعنيون بالبيئة، حيث يتضاءل في رأيهم الضَّرر الذي ذكره بيمنتل في دراسته بجوار الضرر الذي يحدثه حرق البنزين أو السولار عند استخدام أي منهما كوقود، فضلاً عن العوادم الثانوية الأخرى التي تطلقها عملية الحرق في الغلاف الجوي..

أضف إلى ما سبق أنه وفقًا للإتلاف (الأمريكي) القومي لمركبات الكحول، فإن غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث بإنتاج واحتراق وقود الكحول تلتقطه المحاصيل مرة أخرى، وتستخدمه في عملية التمثيل الغذائي، بما يمثل زيادات طفيفة في دورة ثاني أكسيد الكربون، بخلاف ثاني أكسيد الكربون الذي تطلقه عملية احتراق البنزين والذي يتراكم عبر السنين.. وأخيرًا فإنه إذا ما حدث تسرب للكحول فإنه يذوب في الماء بسرعة، ولا يسبب الأضرار البيئية التي يسبِّبها تسرب الزيت من ناقلات الزيت في البحار والمحيطات.

وأخيرًا يذكر المهتمون بالبيئة أن مصادر الحصول على الكحول لا تقتصر على الذرة، وإنما هناك أيضًا مخلفات تصنيع الخشب، والسكر، والجبن، والبيرة، والبطاطس، والعديد من مخلفات مصنعات الأغذية والمشروبات، والتي لم تشملها دراسة الدكتور بيمنتل.

ولكن أي الفريقين على حق؟ هذا الذي جعل من الإدارة الأمريكية تبطئ من تعجيل استخدام الكحول كوقود في قطاعات الصناعة المختلفة، ولكنها وجدت على أية حال بديلاً عن إلقاء فائض إنتاجها من المحاصيل في المحيط كما

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 306 مشاهدة
نشرت فى 24 سبتمبر 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,912