|
نشرت بجريدة نهضة مصر بتاريخ 24 يوليو 2005 تعتبر الرقابة على الانتخابات إحدى الموضوعات التي يدور حولها النقاش والجدل الآن ، حيث تطرح عدة تساؤلات في أوساط المثقفين والمفكرين وحتى بين المواطنين البسطاء ومن بين هذه التساؤلات : هل نقبل الرقابة أم لا سواء كانت دولية أو محلية ، وهل ستكون الرقابة دولية أم محلية فقط ...؟ . ويأتي هذا الجدل حول الرقابة على الانتخابات في مصر برغم أن موضوع الرقابة قد أضحى من المسلمات في العديد من دول العالم ولاسيما مع الموجة الثالثة للديمقراطية التي اجتاحت العالم في التسعينات وتعزيز دور لجان الرقابة الدولية على الانتخابات، وفي هذا الصدد تشير الإحصائيات إلى أن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي قد راقبت حوالي 150 انتخابات ما بين رئاسية وبرلمانية في أوروبا منذ عام 1990 وحتى الآن، ولكن تبدو الأمور مختلفة في مصر، فمع اقتراب موعد إجراء انتخابات الرئاسة ومجلس الشعب تطرح فكرة الاستعانة بمراقبين دوليين للإشراف على العملية الانتخابية نفسها بقوة على الساحة المصرية بين مؤيد ومعارض، ولكل طرف حجته وأسبابه من وجهة نظره. بالنسبة للمؤيدين فيرون ضرورة وأهمية الإشراف الدولي على الانتخابات والذي لا يمثل مساساً بالسيادة الوطنية بل على العكس هو مطلباً شعبياً وجماهيرياً باعتباره أحد ضمانات كشف عمليات التزوير والفساد التي تشهدها الانتخابات المصرية منذ سنوات طويلة ومنع تكرارها في الانتخابات القادمة، ولاسيما في ظل سجل الحكومة في تزوير الانتخابات والذي تم اضافته في تقارير محكمة النتقض المتواترة والتي أثبتت بما لايدع مجالاً للشك التزوير. ويؤكدون أنه إذا كانت الحكومة عازمة على إجراء انتخابات نزيهة فعليها القبول بالإشراف الدولي، كما أن هناك دولاً عربية وأجنبية عدة قد استعانت بمراقبين دوليين مثل اليمن والجزائر وفلسطين وأوكرانيا و جنوب أفريقيا وبروندي، وبالتالي فإن الرقابة الدولية ليست ببدعة، بل و أن مصر ذاتها أرسلت مراقبين يشاركون في فرق الرقابة الدولية على انتخابات تجرى في دول عربية أخرى. أما المعارضون للرقابة الدولية فيرون أنها تمثل مساساً بالسيادة الوطنية وتدخلاً في الشئون الداخلية للبلاد، وتضع الحكومة في شبهة العجز عن إدارة الإصلاح السياسي الداخلي، معللين رفضهم بالقول أن الحكومة قادرة على توفير الضمانات الكافية لضمان سلامة ونزاهة العملية الانتخابية القادمة، مؤيدين الإشراف القضائي الوطني الكامل على أي شكل من أشكال الرقابة أو الإشراف الدوليين. من المؤكد أن مصر بحاجة ماسة للرقابة الدولية على الانتخابات وفي هذا التوقيت بالذات وذلك لعدة أسباب، أولاها أن سماح الحكومة المصرية بوجود مراقبين دوليين للإشراف على الانتخابات يعتبر نقطة تحسب لصالح الحكومة، إذ يثبت نيتها ورغبتها في تطبيق برنامج إصلاحي شامل بالبلاد، ولعل الإشراف الدولي على الانتخابات أولى خطوات تنفيذ هذا البرنامج، وثانيها وجود الإشراف الدولي على الانتخابات سيؤدي بطريقة أو بأخرى لمنع تكرار التجاوزات التي تحدث أوقات الانتخابات من قبيل تفشي الفساد والتدخل الإداري وانتشار أعمال العنف والبلطجة أثناء العملية الانتخابية وقبلها وإساءة استخدام المال العام للدعاية لمرشحي الحكومة عبر تقديم أموال أو خدمات للناخبين وصولاً لعمليات التزوير المتكررة فهناك الجداول الانتخابية المليئة بأسماء متكررة وأسماء الموتى والمهاجرين والمجندين وغيرهم فضلا عن الأخطاء المتعمدة في الأسماء. وجميع عمليات التزوير والتدخل والتلاعب في الانتخابات سواء كانت البرلمانية أو المحلية جرت في ظل قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956، وبالتالي يمكن أن تكون الرقابة الدولية بمثابة "رادع " للأجهزة الحكومية لمنع تزييف إرادة الناخبين في الانتخابات القادمة، ثالثها، الرقابة الدولية لا تمس سلطة القضاء في الإشراف على الانتخابات بل تكملها وتعضد من شأنها، وأخيراً، تعتبر الرقابة الدولية على الانتخابات بمثابة "علامة جودة" للعديد من الانتخابات في دول العالم، لأنها تسهم -ضمن عوامل أخرى -في تعزيز ثقة المرشحين والناخبين في نزاهة الانتخابات وسلامة إجرائها ، وبالتالي فإنه في حالة موافقة الحكومة المصرية على هذه الرقابة فإنها سوف تؤدي إلى إقبال المواطنين على التصويت على الانتخابات سواء كانت رئاسية أو تشريعية كما ستكون بمثابة شهادة تقدم للعالم أجمع على نزاهة الانتخابات،باعتبار أن الرقابة الدولية إحدى ضمانات إنتاج الديمقراطية بالبلاد .فإن كانت الانتخابات نظيفة شهد لها بذلك، وإن كانت مزورة دانها وانتصر للديموقراطية فيها. ولكن برغم أهمية وحتمية الإشراف الدولي على الانتخابات، ينبغي التأكيد على عدة حقائق ، فمن ناحية أولى أن هذا الإشراف يمثل جزءاً من كل ، فليس هو الضمانة الوحيدة لنزاهة الانتخابات سواء كانت الرئاسية أو التشريعية ، فهناك العديد من الضمانات الأخرى الواجب أخذها في الاعتبار منها ضرورة قوائم الناخبين بيانات كاملة تشمل تاريخ الميلاد، وعنوان الإقامة أو عنوان العمل والوظيفة، إلى جانب الرقم القومي بما يسهم في شفافية هذه الجداول ومنع التلاعب والتكرار، ويعزز آلية التأكد من شخصية الناخب ، وضرورة الحد من التدخل الإداري في الانتخابات وبالطبع فإن استخدام الحبر الفسفوري للمصوتين سوف يشكل عاملاً هاماً في منع التصويت المتكرر ، كما تبرز أهمية وضع آلية للرقابة على الدعاية الانتخابية، دعماً لتكافؤ الفرص بين المرشحين ، وتوفير الضمانات الكافية لتمتع السلطة القضائية بالاستقلالية التامة عن نظيرتها التنفيذية، وأن يكون رجال القضاة الذين يعهد إليهم بالإشراف على عمليات الاقتراح من قضاة المنصة دون غيرهم ، وضرورة تطبيق أحكام القضاء وخصوصاً القضاء الإداري، فيما يتعلق باحترام الأحكام الصادرة في طعون الانتخاب والترشيح وسد الثغرات التي ينفذ منها البعض لتعطيل نفاذ الأحكام ، ومن ناحية ثانية ضرورة مصاحبة عملية الرقابة الدولية على الانتخابات السماح لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان بتكوين فرق مراقبة وطنية تعمل وفق معايير الشفافية والحيدة والنزاهة.ومن ناحية ثالثة أن الإشراف الدولي على الانتخابات لا يجرى إلا بموافقة الحكومة المصرية واقتناعها بجدواه وليس بالإكراه. ونهاية أوكد أن الرقابة المحلية والدولية على الانتخابات معاً تعتبر صمام الأمان لضمان حسن سير العملية الانتخابية والتأكد من نزاهتها وسلامتها، فبمقتضاها تجرى العملية الانتخابية بكافة مراحلها في ظروف علنية تتسم بالشفافية، كما تساهم في توفير الثقة بالعملية الانتخابية والاطمئنان لنتائجها، سواء كان ذلك من قبل عموم المواطنين والناخبين أو المرشحين، لذلك ينبغي على المعارضين -سواء من داخل الحكومة أو خارجها -لفكرة الاستعانة بمراقبين دوليين التخلي عن حساسيتهم المفرطة عند التعامل مع هذه المسألة وعدم تعبئة الرأي العام ضدها، لاسيما وأن الرقابة الدولية على الانتخابات تمثل إحدى مفردات الخطاب العالمي الحالي المطالب بالمزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وأخيراً فإنني أتسأل إذا كانت الحكومة لديها النية والرغبة في توفير كافة الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة لماذا تتخوف إذن من وجود رقابة دولية على الانتخابات، هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة. |
نشرت فى 4 سبتمبر 2005
بواسطة mara
عدد زيارات الموقع
946,090


ساحة النقاش