إنسان بلا كرامة: الانعكاس الذاتي لحضارة مهزومة

1-جرح الكرامة كانعكاس نفسي فردي للمأزق الحضاري العام:

كيف يتجلى الوضع المنحط المندحر الذي ينذر بأسوأ العواقب لحضارة عظيمة كانت ذات يوم ملء سمع العالم وبصره على المستوى النفسي الفردي؟ أعتقد أن الشكل الأساسي الذي يتجلى فيه هذا الوضع هو إحساس مؤلم عميق (عند كل فرد لم يفقد بعد الإحساس!) بفقدان الكرامة، وفي هذا المقال سأتكلم عن الجزء الذي أعرفه من الحضارة الإسلامية وهو الجزء العربي. بدأ الاندحار العربي أمام القوى الاستعمارية منذ مطلع القرن العشرين الميلادي بل في الحقيقة يعود الاندحار في بعض البلاد كالجزائر ومصر إلى القرن التاسع عشر كما حدث في وقائع الحملة الفرنسية في مصر ثم هزيمة محمد علي عام 1840 واحتلال الجزائر قبل ذلك عام 1830.

وكأن فقدان الكرامة كإحساس ينتاب العربي في علاقته مع الخارج الاستعماري لم يكن يكفيه فزادت الأنظمة السياسية العربية عليه تجريدا منهجياً منظماً للفرد من كل ما تبقى لديه من إحساس بالاعتزاز الذاتي و "تذريراً" للمجتمع أي تحويل المجتمعات العربية إلى أفراد منعزلين فاقدين لكل حول وقوة إزاء وحش السلطة.



باختصار إذاً أقول: فقدان الكرامة هو السمة المميزة الأساسية للنفسية التي يواجه بها الفرد العربي العالم، وهذه السمة هي في الوقت نفسه نتيجة للظروف الداخلية والخارجية التي ألمحنا إليها ولما يكمن وراءها من حالة انحطاط الحضارة، وسبب لجملة من السلوكيات التي يرد بها الفرد على شعوره المؤلم باللاكرامة.

والبحث في هذه السلوكيات يهمنا غاية الأهمية إذ من جهة بعض هذه السلوكيات يعمق الأزمة الحضارية ويزيد الوضع سوءاً ونسمي هذه السلوكيات السلوكيات المرضية (بفتح الراء) ولكن بعضها الآخر يمكن أن يكون من النوع الصحي إذا وجهته دوافع حضارية سوية مستندة إلى وعي لطبيعة المأزق وسبل الخروج منه.

ولهذا كانت دراسة جرح الكرامة في غاية الأهمية لمن يسعى في بلادنا إلى الخروج من هذا النفق المظلم الذي ينذرنا بالتحول إلى قبر لهذه الحضارة العظيمة التي أشعت طويلاً على البشرية جمعاء.

2-في مفهوم "الكرامة" في السياقين الغربي والعربي:

مفهوم "الكرامة" الذي نعرفه الآن هو بالمناسبة مفهوم حديث مثله مثل مفاهيم كثيرة نتجت عن الترجمة واستعيرت لها كلمات عربية "فالكرامة" مثل "الحرية" و "العدالة" كلمات جديدة إن شئنا أن نتحدث عن اللفظ والمعنى متحدين. وبعد قليل أعود إن شاء الله إلى إيضاح أن المفهوم قديم في العربية ولكن كان يعبر عنه بألفاظ أخرى.

أ-في السياق الغربي للمفهوم:

ومادام المفهوم الحديث مترجماً فقد رأيت ان أقدم له بالحديث عن أصل غربي في اللغتين اللتين أعرفهما وهما الألمانية والإنجليزية:

في الألمانية: المفهوم قريب للغاية من مفهوم الكلمة Wuerde ونقرأ في قاموس ألماني مدرسي للفلسفة (1) "الكرامة (WUERDE) تسمية لتركيبة معقدة نسبياً من القيمة والوعي بالقيمة والتوقعات السلوكية المرتبطة بهما.إن حاملي وظائف الدولة لا يدخلون الوظيفة وحدها، بل يدخلون "الوظيفة وكرامتها (هيبتها)" وهذا يعني أن كل واحد، وقبل كل شيء الحامل نفسه الذي يعطي الوظيفة معنى وقيمة، يربط بتقييمه توقعات سلوكية تتوجه نحو الحائز على الوظيفة. وفقط الذي يستطيع تحقيق خطة السلوك يكسو وظيفته بالكرامة المطلوبة ويمكنه الرهان على الاحترام، ولكنه يلاحق باللامبالاة أو حتى الاحتقار حين لا يحقق كرامة الوظيفة.

في حالة الوظيفة العامة إذاً تتعلق الكرامة بصورة أساسية بالوظيفة والمرتبة وحين يعود التقييم إلى الإنسان نفسه كإنسان نتكلم عن كرامة الإنسان. هنا إلى حد ما كل إنسان "حامل وظيفة في قضيته الخاصة"، ومطلوب منه أن "أن يكون إنساناً" أو "يصبح إنساناً".

ومن منظور الكرامة يمكن النظر إلى جميع البشر كمتساوين. قيمة الإنسان هذه كهدف بحد ذاتها ومعها كرامته النوعية تتأسس في النهاية في كفاءته أن يكون قويم السلوك sittlich وهذا يعني أن يتصرف مقرراً لمصيره بنفسه مسؤولاً عن نفسه.

وبكلمات أخرى الحرية هي شرط إمكانية الكرامة أصلاً. إن الذي يسرق حرية الآخر في السلوك او الذي يتخلى عن استقلاله الأخلاقي يؤذي القيمة الأكثر أساسية لأن نكون بشراً.

وفي أحد بدائل أمر المقولة katigorischer Imperativ يصوغ كانط ذلك المعيار الذي يتطلب احتراماً غير مشروط لقيمة الإنسان: تصرف دائماً بحيث تظل واعياً بالكرامة الشخصية للشخص المقصود وبحيث لا تؤذيها أبداً عن طريق تخفيض قيمتها بجعلها وسيلة لأغراض أخرى".

وعن كلمة "Wuerde" في قاموس Wahrig الألماني:

"سلوك متعقل، هادئ، مستوجب للاحترام، جوهر للإنسان منطلق من شخصيته القوية، ومن قدرته العقلية الروحية"

وفي الفقرة الأولى من الدستور الألماني الحالي فقرة تعكس محاولة لتثبيت عبرة التجربة الألمانية المريرة مع الأنظمة التي لم تحترم كرامة الإنسان، فهذه الفقرة تخص الكرامة بعبارة قاطعة: "كرامة الإنسان لا تمس"Die

Wuerde des Menschen ist unantastbar لنأتي الآن إلى الكلمة الإنجليزية Dignity فنجد في أحد القواميس(2) المعاني التالية:

1-استحقاق واقعي، الخاصية التي تكتسب أو تستحق الاحترام.

2-طبع أو أسلوب هادئ أو جاد كما في قولهم من يخشى على كرامته (بأن يظهر مثلاً كأحمق) فلن يتوقع منه أن يتعلم الكلام بلغة أجنبية. ويذكر القاموس تعابير أخرى مثل stand on one`s dignity ويعني إلحاح الشخص على طلب أن يعامل بالاحترام المناسب ورفضه أن يفعل ما يعده دون مستوى معاييره الأخلاقية والاجتماعية إلخ ..

3-رتبة عالية أو مبجلة أو مركز أو لقب مثل the Queen conferrd the dignity of a peerage on him.

ومما نلاحظه في السياقين الإنجليزي والألماني أنهما يدمجان مفهومي "الكرامة" و"الهيبة" في عربيتنا الحالية وقد فضلت استعمال لفظ واحد هو الكرامة ليلاحظ القارئ دلالة الاشتراك اللفظي.

وفيهما علاقة للكرامة بالوظيفة التي يشغلها الفرد في المجتمع فلكل وظيفة كرامتها (أو نقولها بالعربية "هيبتها") وقد اشتقت الكرامة العامة للإنسان من عده يحمل وظيفة خاصة به هي وظيفته الإنسانية كشخص حر الإرادة،ومن هنا كان الاعتداء على حرية الإنسان هو أسوأ اعتداء على كرامته! فالكرامة والحرية توأمان بل مسميان لاسم واحد.

ب-في السياقين العربي القديم والإسلامي للمفهوم:

المعنى الحالي لكلمة "الكرامة" العربية هو كما أسلفت معنى جديد،فلم يستعمل هذا اللفظ بهذا المعنى فيما مضى، وهو الآن يستعمل بمعنى الاحترام الاجتماعي للفرد ولمكانته، وله علاقة بمفهوم "الهيبة" ففاقد الهيبة لا كرامة له ومن الممكن أن نرى أن التداعيات المعنوية للكلمة تشابه إلى حد ما التداعيات التي رأيناها للكلمتين الألمانية والإنجليزية اللتين تناظران الكلمة العربية، وربما مع عدم الربط بين "الكرامة" والوظيفة بل تربط الوظيفة "بالهيبة". على أن الهيبة كما قلنا وثيقة الصلة بالكرامة.

قلت إن "الكرامة" بمفهومها الحالي كلمة جديدة،وأبدأ الآن الحديث عن اللفظ والمفهوم في تاريخ اللغة العربية بالقول إن لفظ "الكرامة" بالذات غير موجود في القرآن الكريم (راجع "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله) ولكن هذا لا يعني أي استنتاج سيرحب به فيما أظن من يريدون أن يجدوا مطعناً بهذا الدين وبهذه الثقافة. فاللفظ جديد ولكن المعاني التي لها علاقة به قديمة سأتطرق الآن إلى ما أظنه أهمها.

في "القاموس المحيط": "له علي كرامة أي عزازة" وهذا شرح مختصر مفيد ومن صفات "القاموس المحيط" التي لا ريب فيها الاختصار ولكن الإفادة مع الأسف ليست دائماً من صفاته! وإن شئت التأكد من هذه الخصلة الأخيرة التي توجد في "القاموس" أحياناً كثيرة راجع إن شئت معنى كلمة "الكرم" فستجد شرحها في كلمتين: "ضد اللؤم"! الآن راجع كلمة "اللؤم" فستجد شرحها في كلمتين أيضاً: "ضد الكرم"!

ولفهم معنى لفظ "الكرم" الذي منه اشتق لفظ "الكرامة" لا بد من رؤية السياقات التي استعملت فيها الكلمة، وهي تؤول في النهاية إلى كرم العنصر(أي النسب) والكريم الأصل تنسب إليه عادة صفات أخلاقية إيجابية كالجود والوفاء والعفو عند المقدرة إلى آخره..

وعكس الكرم "اللؤم" ومعناه في الأصل العربي القديم(قبل الإسلام) يؤول في النهاية إلى نقيض ما يؤول إليه معنى لفظ "الكرم" فهو يؤول إلى "دناءة" العنصر(النسب) ولا أريد هنا البرهنة المطولة على هذه الواقعة فهي لا شك فيها عند المختصين بالتراث العربي وإن بدت غريبة عند المحدثين الذين لا صلة لهم بهذا التراث. وتنتظر من "اللئيم" جملة من الأخلاق السلبية النقيضة لتلك المنتظرة من "الكريم" فمنه ينتظر البخل ونكران الجميل وبشاعة الانتقام إلى آخره..

وللفهم الصحيح للآية الكريمة "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات-13) يجب أن نعلم أنها جاءت لتستبدل قيمة اجتماعية بقيمة نقيضة.فالأكرم عند البشر الذين نزل إليهم القرآن كان الرفيع النسب مثلاً وكان الإنسان يكرم بنسبه أو ماله أو ما شابه من قيم اجتماعية جاهلية فوضع القرآن قيمة جديدة يعامل بها الله البشر ويفاضل بينهم على أساسها هي قيمة التقوى. وقد جاء لفظ "الكرامة" في القديم بمعنى معزة شخص عند آخر وتكلم الأسلاف على "كرامات" أولياء الله الصالحين وهي خرق للعادة يجريه الله على أيديهم إكراماً منه لهم.

وأكرم فلان فلاناً احترمه ورفع من قدره وقد يعني الإنعام عليه بفوائد دنيوية كالمال وما شابه.

وقد أمرنا بإكرام اليتيم.

وقد قابل فعل "أكرم" فعل "أهان" في قوله تعالى" "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن،وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا بل لا تكرمون اليتيم!"(سورة الفجر-15-17) ووضع "الهوان" هو وضع ذل يعيشه الفرد فيكون فيه موضوعاً في أسفل درجات السلم الاجتماعي محتقراً مضطهداً لا وزن له.

وعكس الذل العزة.

والعزة وصف لوضع الفرد وقد يوصف به وضع الجماعة كما أن الذل وصف لوضع الفرد كما قد يكون وصفاً لوضع الجماعة.

ويشتق من العزة "الاعتزاز" وهو تعلق المرء بسبب يراه مؤثراً في دفع الناس لاحترامه.

والعزة والمنعة مفهومان متلاصقان والعزيز لا يسهل الاعتداء عليه أو إيقاع الضيم به.ومن مفاخر العرب أن يكون الواحد منهم عزيزاً إلى درجة أنه قادر على حماية غيره بحيث يكون جاره عزيزاً:

وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل!

ولعل وضع "العزة" هو الوضع الذي يمثل المفهوم المعاصر لكلمة "كرامة" بصوره كله:

قال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" (المنافقون-8)

وهذه الآية بالذات تمثل في اعتقادي مفتاح الطرح الإسلامي لمفهوم "الكرامة" بأعمق وأوسع أبعاده:

نزلت الآية بعد أن قال كبير المنافقين "لئن عدنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"

وعنى بالأعز نفسه وعنى بالأذل رسول الله والمهاجرين.

فكيف حكم الله للنبي وأصحابه بالعزة مقرونة بعزته؟ أكان هذا لمجرد إعلانهم اللفظي الانتماء للعقيدة الإسلامية أم كانوا أعزاء لحيازتهم قوة عسكرية باطشة تستطيع فرض نفسها بالعنف؟

ذكرت هذين الاعتبارين لأنهما وهمان يشيعان عند مسلمي عصرنا فمنهم من يظن أن المسلم حتى لو كان طفيلياً يأكل ويلبس ويشرب ويتداوى من عمل غيره فهو الأعز والأكرم لمجرد أنه منتم إلى الإسلام وأن غيره من المطعمين الملبسين المداوين منتمون إلى غير الإسلام!

ومنهم من يظن أن العزة تكون فقط عند القدرة على تخويف الآخرين بالقوة المادية وفقط.

أعتقد أن العزة التي كانت للجماعة الإسلامية في المدينة لم تأت من مجرد انتماء لفظي إلى عقيدة الإسلام ولا جاءت من كونها يخشى بطشها،بل جاء من كونها تقوم بوظيفة عقدية حضارية لا يستغنى عنها(وهي الوظيفة التي جاء بها الوحي).وهذا ما أدعوه بالكرامة الموضوعية أو (وهو الشيء نفسه) "العزة الموضوعية" أي الحقيقية حتى لو كانت الظواهر تدل على عكس وضع العزة.

بالإسلام استنارت عقول أهل "يثرب" وتعرفوا على الخالق رب الكون والبشر وعلى مصيرهم الأخروي وعلى سبيلهم إلى السعادة في الدنيا أيضاً وبالإسلام انتهى صراعهم التناحري الداخلي الذي كاد يفنيهم.

هذه الجماعة تقوم بوظيفة شاملة لا غنى عنها فهي عزيزة إذاً!

فما هي الوظيفة التي يقوم بها المسلمون الآن في العالم لكي يمكنهم أن يأملوا بوضع الكرامة بين شعوب الأرض أي وضع "العزة"؟

ألديهم وظيفة اقتصادية؟وهم يعتمدون في كل معاشهم أو أغلبه على غيرهم؟ وجل الاختراعات يقوم بها سواهم فهم مستهلكون لا منتجون.

أم لديهم وظيفة عقدية؟ وكيف فهموا الإسلام على أنه بديل للموجود؟ بل هم بين متقاعس عن فهم عقيدته كحل وبديل حضاري عالمي (وهم أكثر المسلمين) أو بين أقلية ممن هم في اعتقادي أسوأ من المتقاعسين وهم أصحاب وجهة النظر العنفية التي ترى أن علاقة المسلمين بغيرهم لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الكراهية ويعتقدون أن الإسلام ينتشر بالسيف فحسب.ويتصرفون كالطبيب المجنون الذي لا ينطلق من منطلق محبة المريض ومحاولة مداواته بل ينطلق من منطلق كره المريض ومحاولة قتله!

وسأذكر هنا مثالين باهرين عن شعور الإنسان بعزة داخلية ناتجة عن قناعته بوظيفة يقوم بها في العالم هي أهم من المظاهر الخارجية للقوة أو النفوذ والجاه:

المثال الأول هو مثال العبد بلال بن رباح الذي كان في صموده الذي لا يصدق أمام التعذيب الوحشي لسيده يرينا أن "العزة الموضوعية" (أو "الكرامة الموضوعية") قد توجد حتى لو كان الظاهر يوحي بوضع دوني فقد كان بلال يستشف أن واقعاً جديداً راسخاً يبنى على أنقاض هذا الواقع الحالي ،وأن الواقع الحالي (إن أردنا استعارة تعبير الفيلسوف الألماني هيغل) ليس عقلياً لذلك لن يصبح قريباً واقعاً بالمرة والواقع المنسجم مع العقل هو الذي لا مناص سيتحول إلى واقع فعلي.وهذا ما سيظهر قريباً جداً..في بدر!

وأما المثال الثاني فهو مثال الخليفة عمر بن الخطاب الذي توجه إلى القدس بثيابه المتواضعة وجمله الذي ربما أخذ زمامه بيده وقاده وحين طلب منه أصحابه أن يغير زيه ليتلاءم مع معايير القوم الذين سيعهد العهدة معهم للإنسان "الغالب" أو "العزيز" أو "المهيب" قال: "نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين فلا نعتز بغيره!"

لم يكن هذا قولاً خطابياً حماسياً ولم يكن توهماً لعزة غير موجودة (كما يحصل معنا الآن) بل كان تعبيراً واقعياً عن شخص يعرف من هو وماذا يفعل وما هي وظيفته (أي "رسالته" ولكنني أفضل في هذا المقال استعمال كلمة "وظيفة" لأسباب تتعلق بالتربية الحضارية لارتباط مفهوم "الرسالة" غير المحق في الذهن الإسلامي المعاصر بالدعاية النظرية والخطابة والتهويش الكلامي، على حين يحتاج مجتمعنا الآن للكلام عن عمل واقعي بنائي ملموس في مختلف الميادين تناسبه كلمة "وظيفة" في اعتقادي أكثر)

ومن المفاهيم العربية التي لها علاقة بمفهومنا الحديث للكرامة سأذكر أخيراً مفهوم "العرض":

وهو عند العرب موضع المدح والذم في الإنسان.

فمن وصم شخصاً بأي وصمة سلبية في نظام الأخلاق عند العرب يكون قد آذاه في عرضه (كأن يكون وصفه مثلاً بالبخل)

ومن هنا نفهم الحديث الشريف مثلاً "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" والواجد هو المدين الغني الذي يماطل في سداد دينه،فالنبي عليه الصلاة والسلام قال إنه بسلوكه هذا يبيح عرضه للدائن أي يبيح له أن يذكره بما يثير احتقار الناس له ويبيح عقوبته أيضاً.وللقارئ هنا أن يتأمل في تغير مفهوم "العرض" وكيف ضيقناه ليقتصر على موضوع النساء (فكأننا ندلل بتضييقنا للمدلول على تضييقنا لعقلنا الحضاري كله!)

والشخص الذي "عرضه موفور" إذن هو شخص له كرامته في المجتمع وليس كذلك من كان "غير موفور العرض"

وهذا هو معنى بيت منسوب إلى السموءل يقرؤه المعاصرون وقلما ينتبهون إلى معناه التفصيلي:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه..فكل رداء يرتديه جميل!

لفهم البيت لا بد من الفهم الصائب للمعنى القديم لكلمات "اللؤم" "العرض"، وكيف يصبح "الجمال" بهذا المعنى موضوعياً وليس أمراً شكلياً يتعلق بشكل الثياب! ولا شك أن هذه الحكمة السابقة للإسلام إن صحت نسبتها للشعر الجاهلي تبناها الإسلام بحذافيرها كما رأيناها تجلت عند هذا العظيم الذي أظن أن البشرية كلها من حقها أن تفخر به وليس المسلمين فحسب وأعني عمر!

3-السعي للكرامة بوصفه عاملاً نهضوياً:

يميز الوضع العربي الراهن شعور ينتاب الغالبة الساحقة من الناس بأنها استبيحت كرامتها.استبيحت داخلياً من قبل الأنظمة الدكتاتورية و"زلمها" واستبيحت خارجياً من قبل قوى كبرى متفردة لا ترعى فيهم إلاً ولا ذمة لا هي ولا ربيبتها وبنتها الصغرى "إسرائيل".

وهذا الشعور يمكن كما قلت أن ينتج عنه سلوكيات سلبية تزيد المأزق الحضاري تفاقماً ولكنه يمكن أن يصبح عاملاً بنائياً نراهن عليه لتغيير السلوك الحضاري للناس في مجتمعنا باتجاه بناء حضاري متين متماسك قادر على الخروج من حالة الانحطاط التي يميزها التفكك والتبعية إلى حالة نهضة تتميز بالوحدة والاستقلال. ويتوقف ذلك على طبيعة الوعي التي يتعامل بها الفرد مع شعوره المرير بفقدان الكرامة.

أعتقد أن السلوك الذي يسلكه الشخص الذي يضنيه شعوره بفقدان الكرامة متعلق بتأويله هو للموقف وكيفية الرد الذي يعيد الكرامة المفقودة.

فإذا عامل المجروحة كرامته الموقف الجارح على أنه عرضي،يتعلق ربما بنوايا الطرف الجارح السيئة وشخصيته الشريرة فقط،وأن الجرح مسألة لفظية،فإن الرد ولا ريب سيكون سطحياً وقد يكتفي بالرد اللفظي.أما إن تعاملت جموع الشعب مع اللاكرامة التي هي فيها على أنها "لا كرامة موضوعية" فإن الرد المنطقي على هذه "اللاكرامة الموضوعية" يجب أن يكون رداً موضوعياً أيضاً.وباختصار: المفهوم النهضوي لمسألة الكرامة يقول إن جرح الكرامة لا يتعلق بما يقوله هذا السياسي العدواني أو ذاك (مثلاً في الإدارة الأمريكية أو الصهيونية) بل ولا حتى بما يفعله،بل يتعلق بوضع واقعي انحط فيه مجتمعنا إلى أسفل سافلين وتفكك وتمزقت علاقاته الاجتماعية وصار على طرفي نقيض مع المثل الأعلى للمجتمع ذي البنيان المرصوص،وتخلف عن ركب القوة المادية. هذا الانهيار الواقعي في موازين القوى وحالة التبعية في كل شيء من الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة هي جرح الكرامة الواقعي ولا يكفي للرد عليه حل لفظي أو تصريح عنتري، بل الرد عليه هو في عمل دؤوب يومي ملتزم، كل مواطن في مكانه في العلاقات الإنتاجية وفي العائلة وفي المجتمع.الرد على جرح الكرامة ليس عملية بسيطة تعادل ردك على شتيمة وجهها إليك أحدهم في الطريق فترد بشتيمة وانتهينا! بل هو تجاوز للوضع الموضوعي :وضع "اللاكرامة الموضوعية" باتجاه الحصول على وضع "الكرامة الموضوعية" في نهاية طريق شاق قد يستغرق أجيالاً ولكن لا بد من البدء فيه (وإيقاف السير إلى الوراء أولاً ثم البدء بالسير إلى الأمام!)

هذا هو المنظور المفيد النهضوي لمجتمع يحس أن كرامته جرحت حتى الصميم وهناك ردود فعل أخرى انفعالية كلها تتم تحت رعاية مباشرة أو غير مباشرة وتشجيع من قوى لا تريد النهوض لهذا المجتمع ولهذه الثقافة بل تريد لها السير باتجاه نهايتها.ردود انفعالية تزيد من الغوص في طين الانحطاط من تلك التي يستطيع القارئ اللبيب أن يضرب أمثلة عليها من وقائع أيامنا هذه.

فلنرد على جرح الكرامة بمنطق عقلاني موضوعي لا بمنطق انفعالي ذاتي! فالمشكلة تكمن في الواقع وعلى وعينا أن يتناسب مع ما في هذا الواقع لا مع ما في ذهننا من انفعالات وعواطف.

  • Currently 51/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
17 تصويتات / 339 مشاهدة
نشرت فى 16 أغسطس 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

946,996