خاض الدكتور محمد محمد سكران الاستاذ في كلية التربية في الفيوم في جمهورية مصر العربية تجربة مهمة ومليئة بالمزالق والمصاعب والالتباسات من خلال دراسته القيمة عن الحرية الاكاديمية في التعليم الجامعي في مصر (1) والتي تضمنت خمسة فصول وخاتمة ونتائج.
وقد عرض من خلال مدخله للدراسة الى مفهوم الحرية الاكاديمية ونشأتها وتطورها كما تعرض لجوانب الحرية الاكاديمية والتزاماتها وضماناتها، ثم خصص جزءاً كبيراً من دراسته لقضية اسمّاها قضية الإضرار بالحرية الاكاديمية مبيناً مصادر وأساليب هذا الاضرار سواء من خارج الجامعة او من داخلها، داعماً مصادره بدراسات ميدانية مستخلصاً نتائجها.
ولقد استوقفتني هذه الدراسة نظراً لجديتها العلمية واهميتها الاكاديمية وحداثة اصدارها.
والنقطة الأولى التي استوقفتني هي اننا كثيراً ما نفاجأ بمواضيع نعتبرها بدهيات، وبالتعمق نجد ان ما نظنه بدهيا هي قضايا كبيرة لابد من الخوض فيها ودراستها وتوضيح أسسها العلمية التي بنيت عليها الفكرة العلمية (التي ظنناها بدهية) والوصول بالتالي الى تفاصيل مدروسة وخلاصات ونتائج مدعمة بشواهدها ووثائقها وآفاقها التي يمكن ان تنتج عنها.
والنقطة الثانية هي الجهد الدراسي الكبير المبذول من قبل الباحث في تبيان التميز بين مفهوم الحرية الاكاديمية والمفاهيم القريبة منه كحرية الفكر والحريات العامة واستقلال الجامعة وخصائص كل منها وتجنب التداخل فيما بينها، وفي هذا المجال لفت نظري القرار الذي سبق أن اتخذته القيادة القطرية برئاسة الدكتور بشار الأسد منذ اكثر من ستة اشهر والذي أكد على استقلالية الجامعات ومنحها المزيد من السلطات التي تمكنها من حرية العمل الاكاديمي والتي تضعف من هيمنة وزارة التعليم العالي عليها (وهو موضوع يستحق مزيداً من الدراسة والتفصيل).
لقد كثرت شكاوى المسؤولين الجامعيين من تدخل وزارة التعليم العالي في قضاياها الاكاديمية وطالبوا بتخفيف هيمنتها واعطائها كامل الحرية التي تتطلبها المهمة الجامعية في حين كان موقف وزارة التعليم العالي، هو أن دور الوزارة يقتصر على التنسيق من خلال مجلس التعليم العالي حصراً والضبط الاداري من خلال الوزارة.
ولقد جاء قرار القيادة القطرية بمنح الجامعات السورية مزيداً من الاستقلالية التي تتطلبها مهمة الجامعة ليؤكد على أهمية هذه الاستقلالية من جهة وعلى تحميل الجامعات لمسؤولياتها في تحقيق أهدافها دون إلقاء التبعات على جهات أخرى.
فلقد كان الأمر يسير باتجاه سلبي، وزارة التعليم العالي تضيّق على رؤساء الجامعات، ورؤساء الجامعات يضيّقون على وكلائهم وعلى العمداء، والعمداء يضيقون على وكلائهم وعلى رؤساء الاقسام. أي أن كل مرتبة تعوض عن نقص صلاحياتها بالتضييق على المرتبة الادنى، والنتيجة خلل في العلاقات ونقص في الانتاج وابتعاد عن تحقيق المهام، ولذلك فقد جاء قرار القيادة ليزيل هذا الاشكال ويفتح المجال واسعا أمام تحمل المهام والصلاحيات بشكل كامل، ولو أنني استطيع القول ان تأخراً لايزال واضحا في تنفيذ ابعاد هذا القرار.
وفي العودة الى موضوع الحرية الاكاديمية في الجامعة لابد من التحديد أن الجامعة هي مؤسسة علمية لها تقاليدها وقيمها ولها دورها الاجتماعي والانساني تستمد أهدافها ووظائفها وأساليب عملها، وعلاقاتها من خلال هذين الاعتبارين، اعتبار القيم العلمية وتقاليدها المكرسة باحترام، واعتبار القيم الاجتماعية المحيطة بها، وتغيراتها ومتطلبات هذا التغيير التي تشكل أهدافها وبيئتها الحيوية.
وعليه فإن الحرية الاكاديمية تشكل وسيلة علميةو في إطار تحقيق وظائف الجامعة مهمة، وبالتالي فهي تستمد مهمتها ومبادئها وأساليبها ومسوغات شرعنتها من خلال وظائف الجامعة وأهدافها ودورها الاجتماعي.
وهي بهذا الشكل ليست ترفا عقليا أو طريقا لغايات حزبية او ايديولوجية ضيقة ، أو شخصية وإنما هي نمط اكاديمي يساعد الدارس والباحث على التحرر من القيود وعلى الاستثمار الامثل للقدرات العلمية والعقلية بأشكالها الابداعية كلها وبالتالي على العطاء الاجتماعي والعلمي.
كما تساعد الحرية الاكاديمية على الحماية من تدخل المسؤولين الاداريين وغيرهم، وتبقي المجال حراً وواسعا للاساتذة والباحثين، إلا أن الباحث الدكتور محمد سكران يؤكد على ضرورة ايجاد علاقة وثيقة بين الحرية الاكاديمية والالتزام الاكاديمي من منطلق يحدده وهو انه لا حقوق بلا واجبات ولا حرية بلا التزامات يلتزم بها من له حق التمتع بها، ويحدد الالتزام على أنه التزام اخلاقي بالدرجة الأولى واستطيع هنا ان اضيف عبارة «اجتماعي» الى جانب اخلاقي.لان الهدف النهائي هو مصلحة المجتمع الذي تعمل فيه الجامعة بشكل رئيسي ومن ثم تقديمه على نطاق انساني أوسع.
وفي هذا الاطار فإنه لا خوف اطلاقا من ممارسة الحرية الاكاديمية وشرعنتها في إطار الأهداف العامة للجامعات، لابل ان ضرورة التأكيد على ممارستها هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق الابتكارات والابداعات والدراسات وتحليلاتها التي يمكن ان تكفل التطوير الذي نطمح إليه والتواصل مع المجتمعات المتقدمة والنهوض الحضاري الذي نسعى إليه..
وذوقي الخاص كما انني اتعامل مع اشيائي بحرّية ومن دون خوف ان يراها احد او يسألني عن كل صغيرة وكبيرة .


ساحة النقاش