«سندريلا مان»: الحكاية التي نحب دائما أن نسمعها!
![]() |
جورج باتن، الجنرال الأميركي المعروف، كانت له عبارة شهيرة تقول: «الأميركان يحبون الفائز ولا يتحملون الخاسر. يعملون من أجل الفوز دائماً.. فكرة الخسارة نفسها مبغضة عندهم». وهذا تقريباً صحيح، فمبدأ الحلم الأميركي قائم على طريق النصر أو الوصول إلى الفوز المعنوي على الأقل. وعندما يتعلق هذا الحلم في السينما الأميركية، نجد أن أفلام الرياضة لديها نصيب الأسد في التعبير عن الروح المجتهدة والمكافحة التي تسعى إلى فرصة ما تثبت بها نفسها. أمثلة على ذلك، الجزء الأول من سلسلة «روكي»، ومؤخراً «فتاة المليون دولار» اللذانِ حازا جائزة الأوسكار. العامل المشترك بين هذين الفيلمين هو إشراقة شمس البطل بعد غروبها طوال حياته، مروره بأزمات وإحباطات مادية ونفسية وحتى جسدية جعلته يشكك في مقدرته على تحقيق حلمه، حتى وصلت الليلة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد، وبالأغلب إلى تحقيق ذلك الحلم الأميركي، وهو بالتأكيد حلم شخصي كلاسيكي في الأساس.
الاجتماع الأخير للمخرج رون هوارد والممثل راسيل كرو ولّد فيلم «عقل جميل»، صورة جيدة عن حياة بروفسير الرياضيات جون ناش، وفاز بالأوسكار لعام 2001، «رجل السندريلا» يعيد الكرة في سيرة ذاتية عن بطل يحكي الرواية التي يفضل الشعب الأميركي رؤيتها على الشاشة، البطل الذي يتحدى الصعاب ويواجه خصومه من أجل لقمة العيش وإثبات الذات. كلاسيكية تفكير رون هوارد حول أيقونة البطل وقيمته يناقض الفكر الذي طرأ على ملاحم هوليوود الحالية وسيناريوهاتها. في الفترة الأخيرة شاهدنا مجموعة من الأفلام التي تجسد أيقونات أميركية أو عالمية لكن بطريقة سوداوية تكشف نقاط ضعفها، «اسكندر» لأوليفر ستون، «الطيار» لمارتن سكورسيز، تروي قصصا لأشخاص لم يفوزوا على الطريقة الأميركية المحبوبة، نعم لقد أحدثوا تغيراً جذريا في مجالهم، إلا أن أمرهم انتهى بكوارث. كما أن هذه الأفلام تأتي من مخرجين أصحاب تاريخ جريء ولغة نقدية بارعة، لكنهم عندما أسسوا صورهم لم يكونوا قد تعرضوا لشخصيات محببة جداً أو ذات شهرة كما هو حال بطل رون هوارد جيم برادك. هوليوود الكلاسيكية لا تحب أن ينتهي حال أبطالها بكوارث، بل بانتصار لا ينسى. المخرج وكتّابه أكيفا كولدزمان، وكليف هولينزورث مهتمون بهذا الانتصار الذي لا ينسى، حياة هذا الملاكم الإنسان، قلقه على عائلته، على أطفاله وزوجته الحنونة، استغلاله لفرصة ثانية جاءت تناديه، لباها لأن الأميركان لا يحبون الخسارة.
«رجل السندريلا» مستلهم عن القصة الحقيقة لحياة الملاكم جيم برادك «راسل كرو» في ثلاثينات القرن الماضي. الفيلم يفتتح عام 1928 إذ نشاهد جيم كملاكم شاب محترم وعلى وشك الشهرة يعيش في نيوجيرسي، إنها أفضل أيامه، يعود إلى منزله وزوجته ماي (رينيه زيلويغير)، واللعب مع أطفاله، جاي وروزماري وهوارد. ثم نقفز خمس سنوات إلى 1933، حيث السوق الاقتصادي مدمر، فرص العمل والوظائف أصبحت نادرة الوجود، والأمل أصبح شيء لا يسهل الحديث عنه. جيم وزوجته يعيشان حالياً في شقة سرداب صغيرة مع أطفالهم، لا يستطيعون دفع الفواتير، الكهرباء تّقطع وصحة الأطفال نحو الأسوأ. ومع أن بصيص الأمل ضعيف، عليهم أن يستمروا في المناضلة حتى يبقوا عائلتهم متماسكة. جيم يجد صعوبة بالعمل في المرفأ، خاصة أن راتبها هزيل، وبعد تعرضه لإصابة في يده اليمنى، مهنته كملاكم تقريباً انتهت. هنا يتدخل مدربه جو غولد (بول جيماتي) الذي يتمكن من الحصول على فرصة ثانية لجيم داخل الحلبة، الفرصة التي يريد أن يستغلها كي يثبت أنه ليس ملاكما فاشلا أو نكرة، خاصة أمام ملاكم يدعى مايك بير (غريغ بيركو) الذي كان قد قتل سابقاً خصمين داخل الحلبة وبالضربة القاضية. صدور هذا الفيلم، هو دليل جديد يؤكد أن قصص أفلام الملاكمة لا تنتهي وتصل إلى نهاية، أوحتى تشيخ ويسأم الجمهور منها، إنه نوع من الأفلام يوصل فكرته إلى المشاهد بسهولة، إما لأهمية حكاية الملاكم الذي نراه أو لما يدور في حياته خارج الحلبة. صحيح أن «رجل السندريلا» لا يقدم شيئاً جديداً بكل معنى الكلمة، رون هوارد غير مهتم بتصوير مبتكر لمشاهد القتال (مع ذلك مشاهد المباريات مرسومة بشكل جيد ومتوازن بين اللقطات القريبة والبعيدة وردات فعل الجمهور من حول الحلبة. مشاهد المباراة الختامية مثيرة جداً، ومصورة بعناية فائقة مما يزيد من حدة توترها، عنف مشاهد الملاكمة أمر حتمي فهي رياضة تعتمد على الضرب)، المخرج مهتم بقصة إنسانية عن التضحية مقابل حلم جيم الخاص، البطل الشعبي الذي سيصبح مصدر إلهام يحتذى. قصة كفاح عائلة في فترة كساد كبيرة. الفيلم يركز على فترة كئيبة، لكن المبتغى الأساسي هو صنع دراما تسعد الجمهور وترفع من معنوياته، على عكس «فتاة المليون دولار» الذي لم يكن عن الملاكمة بقدر ما كان عن مآسيها، فإن مواضيع «رجل السندريلا» تحيط نفسها باللعبة نوعاً ما وبظروف البطل في ذلك الوقت. رون هوارد يريد القول إلآن برادك قد لا يكون أعظم ملاكم عرفه، لكنه إنسان يؤمن بقيم العائلة ويستحق التقدير.
مع أن الفيلم مستوحى من الواقع، فإن تفاؤله يزيد عن حده أحياناً، يقول إن العيش في تلك الفترة من الكساد لم يكن بذلك السوء، صحيح أن الحصول على الوظيفة والمال والطعام كان شيئا صعبا، الكثير كانوا يقتاتون من الشوارع، وعدد مهول من العائلات أجبرت على إرسال أولادها إلى أقارب أحسن حالاً حتى لا يموتون جوعا، لكن وسط هذا الوضع المحطم، كان عندهم ذلك البطل - الحصان الجامح لإعطائهم الأمل. جيم برادك الذي يقول عنه الفيلم «عندما كانت أميركا جاثمة على ركبتيها... ساعدنا هو على النهوض بأنفسنا». «رجل السندريلا» وصناعه لا يدركون حقيقة تأخر أفكار الفيلم. قصة تقول إن الولايات المتحدة امتلكت وما زالت تمتلك أفراداً يستطيعون تغيير مسار دولة بأكملها، إن لم تنجح الجماعات بذلك، الأهم أن تقدم لهم الفرصة. في يوم من الأيام كان هناك رجل ألهم أمة، السيناريو مكتوب بعناية مع زيادة بسيطة في طوله، إلا أنه لا يوصل لنا مشاعر كافية سوى عن حاجة برادك الماسة للفوز. أما كيف قلبت هذه الحاجة إلى مبعث وحي أميركي لتقف على أقدامها فهو أمر يبالغ رون هوارد في وصفه. ويطالب الجمهور بعاطفة زائدة لتصديقه. أتساءل لماذا لم يختر هوارد موضوع ملاكمة أكثر عمقاً وسوداوية كما هو في «رصيف الميناء» عن ملاكم سابق في فترة فساد وجريمة، أو في «الثور الهائج»، وهو سيرة ذاتية عن ملاكم قتلت الغيرة والشك مسيرته الاحترافية وحياته الأسرية.
ما يشفع لـ«رجل السندريلا» أنك ستدرك بسرعة خصال رون هوارد السينمائية فقط وأنت تطالع فهرس أعماله التي قدمها حتى هذه اللحظة، وهو صانع أفلام يحتاج دائماً إلى قصص تمتاز بالواقعية والتعبير عن أدق خوالج النفس ومشاعرها، الحياة عند هوارد في ذاتها قصة، أو هي مجموعة قصص منها المشرق الوضّاء، ومنها القاتم الكالح، قصص مختلفة متباينة تمتاز بحسن الوصف والصدق. كلما كانت شخصياته قريبة من أولئك الذين نلتقي بهم في حياتهم اليومية أو نقرأ إنجازاتهم في الصحف، كان نصيب أفلامه من النجاح أكبر. في «رجل السندريلا» الغلبة والنصر ليس للأقوى أو من يرد اللكمات بشكل مضاعف فحسب. النص يصر على غلبة الإرادة والحب والتصميم، من يضع هذه الخصال في حياته سيكون قويا، قويا في كل شيء. يصور فترة أميركية عن تنازع البقاء، فلا بقاء للضعيف ولا حياة للعاجز في مجتمع لا يختلف كثيراً عن مجتمع الغاب، الشعار: من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب، قوة الحياة هي التي تجعلنا عظماء.
أفضل ما في الفيلم هو أداء راسل كرو، الذي لعب في مسيرته حتى الآن عدة أدوار مختلفة، معظمها كان جيدا وبعضها كان رائعًا. حتى الآن لم يظهر جانبه الضعيف الناعم والرقيق كما يقوم هنا في «رجل السندريلا». عادةً ما نراه ذلك القائد المغوار صاحب حضور قوي لافت، أو بشخصيات مضطربة تعاني من صراع داخلي، مع شخصية جيم برادك سنرى ردة فعله عندما يعلم أن ابنه سرق قطعة لحم، أو اضطراره للتوسل من أجل المال، كرو مؤثر بحرفية في هذه المشاهد. لكنته قد لا تبدو مثالية، إنما تفي بالغرض. يرينا أيضاً جيم برادك كرجل بجانبه المستقيم والصادق في عمله (أفضل أداء له كان في دراما مايكل مان، المُطلع)، بول جيماتي اختيار غريب لكنه مقبول، كمدرب برادك الذي سحب صديقه من هذه المحنة، بروحه المرحة وقلبه الكبير. في حين أن دور رينيه زيلويغير لا يحتاج إلا لوجهها اللطيف وابتسامتها الرائعة (صوتها يبدو كالأطفال أحياناً، وتسريحة شعرها تناسب فتاة بعمر العشر سنوات)، بدور الزوجة المناضلة والمصممة على الوقوف إلى جانب شريك حياتها، وهو ما يذكرك تلقائياً بدور مماثل لجينفير كونولي في «عقل جميل». غريغ بيركو بدور الملاكم مايك بير يسرق أضواء كل مشهد يظهر فيه.
المخرج هوارد لديه موهبة في استخدام الميلودراما بطريقة متعقلة وغير مبتذلة لتزيد اهتمامنا وتحببنا بشخصيات أفلامه وأوضاعهم، يبني رابطة خاصة بيننا وبين أبطاله. راجع أهم أعماله من «أبولو 13» حتى «عقل جميل»، وتذكر كيف هتفنا إلى عودة الطاقم الفضائي إلى سطح الأرض، وكيف هتفنا عندما تسلم جون ناش جائزة نوبل أمام أعين زوجته الصبورة. (الفيلم يعيد بناء فترة الثلاثينات بجهد يشهد بتميزه على الشاشة، بالتعاون مع واين ثوماس (عمل مع سبايك لي مالكولم إكس)، ومصمم المواقع الحائز الأوسكار غوردون سيم من فيلم «شيكاغو»، بالإضافة إلى تصوير سينمائي آخاذ من قبل سالفاتور توتينو يلتقط أهم معالم تلك الحقبة). إن كنت لا تحب أفلام الملاكمة ومهتم بالتاريخ الأميركي فهذا الفيلم فرصة جيدة لك، ستعجبك مشاهد الملاكمة وبعض الأحداث الدرامية وتمثيلها. «رجل السندريلا» سيجد إقبالاً عريضاً عند الجمهور، فيلم مؤثر ويحرك المشاعر في قلبك، لكن هل سيجد إقبالاً جيداً في حفل الأوسكار الذي كرم فيلم ملاكمة آخر قبل 4 أشهر فقط؟ لا أعتقد ذلك.
في الأقل، وبطريقة قد تكون غير مباشرة ستسمع صوت روكي بالبوا يصرخ: « لقد فعلتها!». أو جيم برادك بطبيعة الحال.



ساحة النقاش