تجنيد الفتيات.. رفض نسائي وموافقة شرعية | |||||
|
**صبحي مجاهد | |||||
أثار ما طالب به "أحمد الفضالي" رئيس "حزب السلام الاجتماعي" في مصر بوضع نظام جديد يسمح بالتجنيد الاختياري للمرأة وتعليمها استخدام السلاح وعدم الاكتفاء بالأعمال الإدارية والسكرتارية في القوات المسلحة مجددًا نقاشًا ساخنًا حول إمكانية تجنيد الفتيات داخل الجيش ومدى موافقة ذلك للجانب الاجتماعي والقانوني والشرعي، كما أثار تساؤلا هاما هو ما مدى موافقة الفتيات على تجنيدهن في الجيش؟! بينما رفضت عدد من النائبات في البرلمان المصري "فايزة الطهناوي"، و"زينب رضوان"، ود. "جورجيت صبحي" إضافة إلى عدد من النواب الرجال أداء المرأة الخدمة العسكرية، مشيرين إلى أنه يعتبر خروجًا عن قواعد قيم وعادات المجتمع وطبيعة المجتمع الشرقي، وخاصة في محافظات الصعيد التي تتميز بتقاليد محافظة إلى حد كبير وترفض ممارسة المرأة الأعمال الشاقة وغير المناسبة لطبيعة تكوينها. مطالبات سابقة ولقد سبقت هذه المطالبة دعوى سابقة من النائبة الدكتورة "هدى رزقانة" التي تقدمت للبرلمان المصري منذ عام ونصف تقريبا بمشروع لتجنيد الفتيات اختياريا، حيث أكدت النائبة أن هدفها من المشروع هو المساواة بين الرجل والمرأة، وتدريب الفتيات على الحياة العسكرية، والنظام، والدقة، والدفاع عن النفس باعتبارهن خط دفاع أول لحماية الوطن أثناء الحروب، والكوارث، ولم تقف النائبة في مطالباتها بتجنيد الفتيات عند حد الاختيار.. بل تضمن اقتراحها إغراء للفتيات على الإقدام على التجنيد، وهو أن يكون هناك امتيازات لكل فتاة تقدم على التجنيد أهمها الأولوية في التعيين، والحصول على مسكن. بداية يقول أحمد الفضالي رئيس "حزب السلام الاجتماعي" في مصر عن سبب مطالبته بتجنيد الفتيات اختياريا: "لقد طالبت بوضع نظام جديد يسمح بالتجنيد الاختياري للمرأة في القوات المسلحة لعدة أسباب أهمها إرجاع المرأة لوضعها الطبيعي في المجتمع وحمايته، خاصة أن الإسلام لم يمنع ذلك حيث وجدنا على التاريخ الإسلامي نساء شاركن في الحروب، وهو ما يدل على أن المرأة في العصر الإسلامي الأول لها وضع أفضل مما هي عليه الآن في مشاركة الرجل في كافة الأمور، هذا بالإضافة إلى أن هناك فتاوى ظهرت تجيز تجنيد الفتيات.. بل إن بعضها طالب بذلك. ويضيف أن هذا الأمر -التجنيد- سيؤدي على الأقل إلى أن تحتل المرأة المكان الذي يحتله الرجل في كافة الأمور، مع أن ذلك لا يعني مشاركة المرأة في الحروب، هذا بالإضافة إلى أن وجود سلاح للمرأة يعتبر ضمانا لها وحفاظا على كيانها داخل المجتمع. آراء الفتيات ولقد أجمعت معظم الفتيات اللاتي تم سؤالهن عن موقفهن من التجنيد اختياريًّا عن رفضهن هذه الفكرة، وأعرب بعضهن عن تخوفهن من تطبيق هذا الأمر في البداية اختياريا ثم يتحول إلى تجنيد إجباري كما هو الحال مع الرجال في الجيش المصري، فمن جانبها أعربت الطالبة "هيام محمد" بجامعة عين شمس عن رفضها البالغ لهذا الأمر، وأشارت قائلة: إن التجنيد في حد ذاته لن يضيف شيئا للفتاة، خاصة أن الفتاة والنساء متواجدات بشكل عملي في بعض إدارات الجيش المصري في المستشفيات العسكرية وبعض الجهات الأخرى، كما أن هذا التجنيد قد يأتي في أول الأمر اختياريا للفتاة، ولكن مع ظهور مجالات لها في الجيش من الممكن أن يتم تحويل هذا التجنيد إلى تجنيد إجباري. أما "غادة مبروك" خريجة جامعة الأزهر فتؤكد أن مسألة التجنيد للفتاة وخاصة فيما يتعلق بحمل السلاح أمر لا يناسب طبيعة الفتاة، كما أن التجنيد سيعني مكوث الفتاة خارج بيتها.. بل والمبيت أيضا وهو أمر لا يتفق مع تعاليم ديننا ولا مع تقاليدنا الشرقية. وتتساءل قائلة: "إذا ما جعلنا للفتاة والمرأة التجنيد والخروج إلى جانب الرجل لمنافسته في مجال الجيش فمن سيكون مسئولا عن تربية الأطفال ومتابعة شئونهم؟ وهذا بالطبع مسئولية المرأة، ومع ذلك فإذا كانت هناك فتيات ستوافق على هذا التجنيد فأرى أنه لا بد وأن يغفل مسألة حمل السلاح، وكذلك إيقاف هذا التجنيد على الأمور الملائمة للمرأة مع تخصيص أماكن منفصلة للنساء في الجيش والتدريبات". وترى "أميرة عبد القوي" وهي حاصلة على ليسانس اللغة العبرية أن فكرة التجنيد للفتيات والنساء غير منطقية ولا ضرورة لها، خاصة أن بعض الفتيات ممن يرغبن في الالتحاق بإحدى وظائف الجيش يتقدمن بعد إتمام دراستهن الجامعية للالتحاق بالكلية الحربية لمدة ستة أشهر يتلقين خلالها التدريب والدراسات اللازمة، ومن ثم يتأتى لهن الحصول على المشاركة في الجيش، مؤكدة أن هذا في حد ذاته يغني عن فكرة تجنيد الفتيات خاصة أن الأمر اختياري. نظرة المجتمع
وعن الموقف الاجتماعي من تجنيد الفتيات ترى الدكتورة "مديحة الصفتي" أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس التجنيد في حد ذاته اجتماعيًّا لا يوافق طبيعة الفتاة، ولكن وجهة النظر الاجتماعية ترى أنه لا بد من إعطاء الحرية الكاملة في أي أمر من الأمور، وعليه فإذا كان هناك اقتراح من حزب سياسي أو مشروع قدمه أحد أعضاء البرلمان المصري يطالب بتجنيد الفتيات اختياريا فإنه لا يمكن الحكر عليه اجتماعيا؛ لأن مبدأ الاختيار متوافر وهو بمثابة جواز مرور لأي مطلب اجتماعي. وأوضحت أن المجتمع المصري تتعدد فيه الأفكار والاتجاهات؛ ولذلك فإن الدعوة لتجنيد الفتيات اختياريا قد تلقى قبولا من بعض الفئات، وستتعدد فيها الآراء، فمن الأغلب أن ترفض الأسر من دافع الخوف على الفتيات، وقد توافق بعض الأسر لتطبيق مبدأ إعطاء فرص أكثر للحرية والمشاركة الاجتماعية، كما سيكون هناك اتجاهان بين الفتيات أنفسهن في الغالب بين الرفض والقبول. رأي الشريعة وبمجرد البحث عن الموقف الشرعي من هذا المشروع وجدنا هناك اتفاقا عاما على رفض تجنيد المرأة في الجيش بنفس الشكل الذي يتم به تجنيد الرجل، بينما كان هناك اتفاق مماثل على مبدأ التجنيد للفتاة بشرط حصره في الأعمال البسيطة، التي تتفق مع الطبيعة الأنثوية، حيث أعرب كل من الدكتور عبد الرحمن العدوي، والدكتور جمال الدين محمود عضوي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف عن موافقتهم بأن تكون المرأة مجندة بالجيش، ولكن في الأعمال المساعدة به فقط كالتمريض، وغيره من الأعمال التي لا تتعارض مع طبيعة المرأة، إلا أنهما أكدا على رفض التجنيد بصفة عامة إذا كان سيعرض المرأة للأسر في حالة الحروب حتى وإن كان في الأعمال المساعدة بالجيش، وهو الأمر الذي وافقت عليه إحدى العناصر النسائية من علماء الأزهر، وهي الدكتورة رجاء حزين عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر فرع القليوبية، التي أكدت على ما طرحه الدكتور عبد الرحمن العدوي، والدكتور جمال الدين من عدم وجود أي مانع شرعي في التحاق المرأة بالجيش في الأعمال المساعدة فقط، وطالبوا جميعا -في حالة الموافقة على هذا المشروع بمجلس الشعب- بأن يتم وضع ضوابط تمنع من تعديل القانون فيما بعد بشكل يجعل هناك فرصة لاشتراك المرأة في الأعمال العسكرية بالجيش. ومن جانبه يشدد الدكتور عبد الرحمن العدوي عضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب على أن تجنيد الفتيات لا ضرورة له شرعا، خاصة أن الإسلام قد وضع بديلا للمرأة عن المشاركة في الحروب، والأعمال العسكرية وهو حسن معاشرة الزوج، والحج والعمرة، فقد سأل النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهن: (إن الرجال ذهبوا بالأجر كله يجاهدون في سبيل الله، ونحن لا نجاهد)، فقال لهن صلى الله عليه وسلم: (إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله)، كما قالت السيدة عائشة: (يا رسول الله هل على النساء جهاد) فقال: (عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)، وعلى ذلك فإن المرأة غير مطالبة بأن تكون مقاتلة، أو مجندة في صفوف الجيش؛ لأن في ذلك امتهانا لها، خاصة فيما يخص اختلاطها بالرجال في الجيش. ويؤكد الدكتور جمال الدين محمود على التشديد على أن تكون هناك ضوابط -إذا ما طبقت فكرة تجنيد الفتيات- تنص على فصل المجندات عن المجندين من الذكور بحيث يكون لهن أماكن خاصة للعمل، ولقضاء الليل، مؤكدا أنه يجب عدم التذرع بقاعدة وجوب الجهاد عند الضرورة على النساء والشيوخ في حالة احتلال الوطن من أجل إقحام الفتيات في التدريب على الأعمال العسكرية المباشرة. آراء قانونية وباستطلاع وجهة النظر القانونية ومدى موافقتها لرؤية العلماء الشرعية وجدنا هناك اتفاقا عاما فيما طرحه العلماء من آراء حول مشروع قانون تجنيد الفتيات اختياريا، حيث أكد كل من الدكتورة فوزية عبد الستار رئيسة اللجنة التشريعية بمجالس الشعب سابقا، والمستشار "يحيى الرفاعى" شيخ القضاة أن مجال الحكم في هذا الموضوع راجع إلى علماء الشريعة، وأشارا إلى نقطة هامة قد تغيب عن من ينادون بالمساواة، وهي أنه إذا كانت المساواة في الحقوق، والواجبات العامة بين المواطنين منصوص عليها في المادة 40 من الدستور، التي تقول (إنه لا تمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل، أو اللغة، أو الدين، أو العقيدة)، فإن الدستور أيضا نص على عدم الإخلال بالشريعة، حيث نصت المادة 11 من الدستور على أن الدولة تكفل مساواة المرأة بالرجل في جميع الميادين السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، وعليه يصبح الحكم بالموافقة أو الرفض لمشروع تجنيد الفتيات راجعًا إلى علماء الدين. ومع موافقتها للرأي الشرعي في المشروع المقترح فإن الدكتورة فوزية عبد الستار تعرب عن رأيها بالتحفظ على تجنيد الفتيات بالجيش، وتطرح فكرة جديدة، وهي إطلاق مسمى التجنيد على ما يسميه القانون المصري بالخدمة العامة على أن تتسم هذه الخدمة بالجدية الكاملة، والانضباط. بينما يجنح المستشار يحيى الرفاعي إلى وصف المطالبة بتجنيد الفتيات بأنه مدخل للفساد؛ لأنه لا يصادف محلا لاحتياجات المجتمع، خاصة أن الجيش يقوم بتسريح دفعات كثيرة من الشباب الذين جاء عليهم دور التجنيد على أساس الإعفاء المؤقت. | |||||




ساحة النقاش