لا اعتقد أن هناك جهة حكومية صغيرة كانت أم كبيرة قد تلقت من النقد - حيناً بحق وأحياناً بغير حق - مثلما تلقت وزارة التربية والتعليم وبخاصة في السنوات القليلة الماضية التي اختطلت فيها كثير من القضايا وتعقدت فيها المفاهيم وتداخلت فيها المصالح حتى أصبحت ساحة التربية والتعليم ميداناً لتصفية حسابات سياسية أو فرض مفاهيم أيديلوجية أو حتى في أحسن الأحوال مجالاً لتحقيق المصالح الشخصية والاعتبارات الذاتية لدى البعض. لقد كتب الكتّاب وانتقد الناقدون - ومنهم كاتب هذه السطور - حول المستوى المتردي لنواحٍ عديدة في النظام التعليمي، وتحدث البعض عن نواحي القصور في مستوى مؤسسات التعليم وضعف مخرجاتها وعدم قدرتها على خلق جيل متعلم ومتمكن وقادر على المنافسة في عالم اليوم. ولكن الوزارة تصيب وتخطئ والمسئولون فيها لهم قدم راسخة في مجال التربية ولهم باع طويل في التنظير لشئونها ومن الموضوعية والمصلحة أن نقف مع الوزارة إذا رأينا أن معها الحق مهما كانت الضغوط الاجتماعية أو المصالح الأخرى التي قد تتحقق لفئات من أبنائنا. ولهذا فإنني سأكون اليوم عكس التيار وأقول ان الوزارة معها الحق كل الحق فيما يتعلق بموضوع شغل حيز كبير من مساحة الكتابة على صحفنا المحلية خلال الأشهر الماضية وبالتحديد موضوع تدريس اللغة الانجليزية في المرحلة الابتدائية. لقد بدأ الموضوع كما يعلم المتابعون بقرار متسرع بادخال مادة اللغة الانجليزية في المرحلة الابتدائية وتدريسها ابتداء من الصف الرابع الابتدائي مما أثار حفيظة البعض وبخاصة أولئك الذين اتخذوا موقفاً سلبياً من الوزارة - ومن وزيرها بالتحديد - بعد قرار دمج تعليم البنات وتعليم البنين في وزارة واحدة. لقد جاء الاعتراض من منطلق أن تدريس اللغة الانجليزية في المرحلة الابتدائية سيكون له تأثير على تمكن ابنائنا وبناتنا من اللغة العربية، والبعض ذهب إلى أبعد من ذلك ورأى تأثير هذه الخطوة على الفكر الصحيح وثقافة المجتمع وقيمه الدينية، مع وجود قلة من الكتاب ممن ربط اعتراضه على هذه الخطوة بعدم قدرة الوزارة على توفير الامكانات البشرية والمادية للمدارس مع اعتبارها مهمة من الناحية التربوية. عندما تزايدت وتيرة الاعتراض أحيل الأمر إلى اللجنة العليا لسياسة التعليم التي أوجدت حلاً وسطاً - كعادتنا دائماً في اختراع الحلول الوسط عندما تواجهنا مشكلة ثقافية - وذلك بتدريس اللغة الانجليزية ابتداء من الصف السادس الابتدائي. ولكن هذا الحل الوسط لم يسدل الستار عن هذا الموضوع فقد أعيد فتحه عندما تبين ان الوزارة تجد صعوبة في توفير العدد الكافي من المعلمين الذين قدر عددهم بأكثر من ألف وخمسمائة معلم ومعلمة للمرحلة الابتدائية، فجاءت الحلول مرتبكة وتميل إلى "ترقيع" الوضع كما تم "ترقيع" العشرات من الحلول المماثلة مثل توفير معلمي الحاسب الآلي للمرحلة الثانوية ومعلمي "التربية الوطنية" وغيرها من المواد. أحد الحلول "الترقيعية" التي استندت إليها الوزارة هو التعاقد من الخارج في فترة زمنية وجيزة، ومن المعروف ان عملية التعاقد ليست بالعملية السهلة فالمعلمون الأكفاء لا تجدهم بسهولة ينتظرون أمام أبواب لجان التعاقد، واللجان التي تغادر إلى الدول الشقيقة ليست لجاناً متخصصة بحيث يمكن أن يكون لديها معايير واضحة لاختيار الأساتذة من دول لا يمكن اعتبارها متفوقة في تدريس اللغة الانجليزية.. الحل الآخر الذي أثيرت حوله ضجة كبيرة - والذي رفضته الوزارة وتملك كل الحق في ذلك - جاء بمحاولة تعيين عدد من الشباب السعودي الذين أنهوا دورة تدريبية سميت "دبلوماً" لمدة عامين لتدريس مادة اللغة الانجليزية في المرحلة الابتدائية. هذا الدبلوم أعدته ونفذته احدى مؤسسات التدريب الأهلية واحتضنته احدى الجامعات السعودية، ولكن معظم البرامج التدريبية التي تنفذ من قبل مؤسسات التدريب الأهلية لا تخضع لمعايير علمية أو اعتماد من المؤسسات الاكاديمية.. وقد نفذ هذا البرنامج وتخرج الطلاب ولا يُعرف حتى اليوم معايير القبول لهذا الدبلوم ولا الخلفية العلمية لهؤلاء الذين التحقوا ببرنامج الدبلوم ولا مستوى المعلمين الذين نفذوا البرنامج.. هذا الدبلوم رفضته الوزارة - وهي على حق - فيفترض انه بعد مرحلة مخاض عسيرة لتطوير التعليم نكون قد وصلنا إلى مرحلة تضع فيها المعايير العلمية الجادة وتلتزم بها لا أن نعود إلى الوراء إلى المرحلة التي كنا فيها بحاجة ماسة لتوظيف كل من يتقدم إلى مهنة التعليم. عندما رفضت الوزارة تعيين هؤلاء الخريجين وطرحت الصحافة القضية بشكل مثير، شن عدد من الكتّاب هجوماً لاذعاً على الوزارة لرفضها توظيف خريجي هذا البرنامج واتهمت الوزارة بأنها تقف ضد السعودة وضد مواطني هذا البلد ورفض البعض فكرة التعاقد من الخارج ابتداء، وأشار البعض إلى ان مؤسسات التعليم كانت إلى وقت قريب توظف خريجي دبلوم كليات المعلمين والمعلمات المتوسطة في وظائف تعليمية، فلماذا يتم الرفض في الوقت الحاضر؟ إلى غير ذلك من الانتقادات.. حقيقة لم استوعب هذا الهجوم غير الموضوعي، فكيف يمكن ان ننقد الوزارة لضعف مستوى التعليم وضعف مخرجاته ونطالب برفع كفاءة النظام التعليمي وتطور مستوى الممارسة التربوية، ولكن عندما تضع الوزارة معايير محدودة وخجولة لتختار من خلالها المعلمين المناسبين وتصر على تطبيقها تثور ثائرة البعض ويتم تحريض أولئك الخريجين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم صدقوا وعود تلك المؤسسة التدريبية بأن وظائفهم مضمونة بعد عامين من التدريب؟! إن تدريس اللغة الانجليزية مطلوب اليوم ليس ابتداء من الصف الرابع الابتدائي وإنما من الصف الأول الابتدائي ولا اعتقد ان تدريس لغة أجنبية في مادة واحدة أو مادتين سيكون له تأثير على البناء اللغوي لدى الأطفال أو تأثير سلبي على اللغة العربية التي تعاني هي الأخرى من ضعف في برامج تعليمها.. ومعظم دول العالم تتيح من خلالها أنظمتها التعليمية تدريس لغة أجنبية واحدة أو لغتين لكافة الطلاب منذ مستوى مبكر دون أن يكون لذلك تأثير على لغاتها الوطنية. وتجربة المدارس الأهلية لدينا كفيلة بحسم هذا الجدل فآلاف الطلاب والطالبات درسوا اللغة الانجليزية منذ المرحلة التمهيدية ولا يوجد اختلاف بينهم وبين بقية أقرانهم الذين يدرسون في المدارس الحكومية من حيث سلامة استخدامهم للغة العربية أو بنية تفكيرهم اللغوية. ولكني - مع ذلك - كنت أتمنى لو ركزت الوزارة على تطوير تدريس اللغة الانجليزية في المراحل المتوسطة والثانوية قبل أن تبدأ بتدريس اللغة في المرحلة الابتدائية، فمعظم طلاب المرحلة الثانوية يتخرجون اليوم وحصيلتهم في اللغة الانجليزية تساوي صفراً على الرغم من أنهم درسوا تلك اللغة في ست سنوات دراسية، ويعلم ذلك كل من اطلع على نتائج القبول في مؤسسات التعليم العالي، ومعظم الذين يملكون مستوى متوسطاً أو فوق المتوسط فإنما حصلوا على ذلك بجهودهم الذاتية من خلال برامج خارج النظام التعليمي أو من خلال دراستهم في المدارس الأهلية التي تفوقت في هذا المجال. ان تدريس اللغات كلغة ثانية له مجال خصب بالنظريات التربوية والتجارب الناجحة، والتطور في هذا المجال سريع ولا اعتقد ان الوزارة ومؤسساتها التربوية قد وصلت إلى مستوى التركيز على التطور النوعي في مجال تدريس اللغة الانجليزية، ولا تزال جهودها تنصب على النواحي العامة مثل توفير المدرسين والكتاب المدرسي وغير ذلك. من ناحية أخرى أرى ان من الاساءة للسعودة ان يتم تنفيذها كيفما اتفق وبدون تأهيل كاف للشباب السعوديين حتى يمكن توظيفهم ومنحهم الدور الذي يمكن لهم ان يتفوقوا فيه. وأكاد أجزم ان سعودة مهن بأكملها بغض النظر عن الكفاءة والقدرة سيؤدي إلى نتائج عكسية في المستقبل القريب.. فكما أن العاقل لا يقبل ان يتم توظيف مواطن في وظيفة طبيب يعالج الناس أو مهندس يصمم للناس بيوتهم ومكاتبهم وهو لا يملك التأهيل الكافي والحد الأدنى من المستوى المطلوب، فإنه أيضاً يجب أن لا نقبل أن يتم التوظيف لمهنة التعليم والتدريس لأشخاص لم يحصلوا على التأهيل الكافي. إن بلادنا تفقد العديد من الكفاءات المدربة والخبيرة لمجرد السعي خلف شعار عاطفي اسمه "السعودة" وفي مهن محددة - مثل تدريس اللغة الانجليزية - التي سنظل نحتاج فيها إلى كفاءات تدريس من خارج بلادنا وتستطيع أن تغير الواقع الذي نشاهده اليوم في مدارسنا وكلياتنا وجامعاتنا

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
16 تصويتات / 239 مشاهدة
نشرت فى 25 يوليو 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

947,034