| هل التعليم للعلم أم للعمل? | |
|
|
في الحوار الذي أجرته (عكاظ) مع د.راشد المبارك في حلقات قال: (إن من يربط التعليم بسوق العمل صاحب دكان, فالعلم أعلى من ذلك وأرفع, فهو ليس آلة لتفريخ العمال). من مشكلات المجتمعات النامية أن تفكيرها في حلول مشكلاتها تفكير آني, تتحكم فيه الظروف الآنية دون أن يمتد التفكير إلى ما سيؤدي إليه الحل العاجل من مشكلات مستقبلية, ولذا كما يقال عن الروايات: إن نهاية كل رواية بداية رواية أخرى, فالمشكلة قد تحل, ولكن حلَّها يُولد مشكلة أو مشكلات أخرى, ومن ذلك ربط التعليم بسوق العمل فهو بحاجة إلى حلول متوازنة, فثقافتنا تقول: (صنعة في اليد أمان من الفقر). وهذا المقصود بالتعليم المرتبط بسوق العمل وليس معناه أن نلغي تعليم أي علم بسبب عدم وجود وظيفة, فالوظيفة شيء وإيجاد مصدر للرزق شيء آخر, وكثير من علمائنا على مدى القرون كانت لهم مهن دون أن يؤثر ذلك على تحصيلهم للعلم, ولم يكن العلم مصدراً للرزق (بمعنى أن يدرس الدارس من أجل الوظيفة وليس من أجل العلم) إلا في عصرنا, وليس في ذلك منقصة ولكن النقصان أن نلغي تعلم بعض العلوم إن لم نجد الوظيفة وبعد سنوات نجد الحاجة الملحة لهذه العلوم وقد نستقدم من يدرسها أو يسد النقص الحاصل بسببها. وإذا كان العلم من أجل وجود عمالة فمعنى هذا أن كل علم لا توجد له وظيفة (بسبب البنود المالية أو اكتفاء السوق) تلغى دراسته حتى لو كان طبّا أو هندسة أو إدارة أو غيرها, فعدم وجود الوظيفة ليس بسبب عدم الحاجة إلى العلم أحياناً بل بسبب عدم وجود اعتماد مالي أو عدم إحداث وظائف أو رغبة القطاع الخاص في التوظيف بأجر قليل مما لا يتناسب مع الوضع المعيشي للمواطن. مراكز العلم ليست بقالة حتى يؤمن صاحبها ما يشتريه السكان فقط بل العلم تنمية حضارية وزيادة وعي وفتح مدارك وقدرة على فهم الحياة, وشتّان بين متعلم يبني أسرة, ويحسن تصريف أمورها, ويعرف كيف يربيها وينشئها التنشئة الحسنة, وآخر عاميّ لا يعرف من أمر أسرته إلا أن يؤمن لها الطعام الذي يملأ البطون وليس فيه التوازن الصحي الذي ينشئ الأجسام التنشئة السليمة صحياً. وإذا كان العلم الشرعي للعمل به أي عبادة الله على علم, فإن العلم الدنيوي لتفتيح المدارك ولعيش الدنيا بسعادة وحياة كريمة, وليس تأمين المهنة أو الوظيفة إلا واحداً من أغراضه لا غرضاً وحيداً. أخشى أن نترك دراسة التاريخ لعدم وجود وظيفة فيأتي يوم يُؤرخ لبلادنا من يخلط الأمور أو يوظف الأحداث لغرض في نفسه ممن يكتبون التاريخ من خارج بلادنا, والحال كذلك بالنسبة للجغرافيا أو الإعلام أو الإدارة أو غيرها وما يقال: إن خريجي التخصصات النظرية لا وظائف لهم يقال أيضاً عن التخصصات العلمية فخريجوها أيضاً لا وظائف لهم, فهل يغلق كل قسم لا وظائف لخريجيه أم ننظر إلى أن دراسة العلوم كلها أعلى وأرفع من المردود المادي وإن كان مطلوباً? نأمل أن ينظر في ذلك قبل أن تصبح دور العلم دكاناً يُفتح أو يغلق حسب حاجة الزبون. |
نشرت فى 25 يوليو 2005
بواسطة mara
عدد زيارات الموقع
947,393


ساحة النقاش