وفي غزوة أحد حرم المسلمون من النصر بسبب شبهة عرضت للرماة الذين خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظنوا أن المعركة قد انتهت فنزلوا عن الجبل ، فدارت الدائرة على المسلمين مع أن قائدهم هو أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم.

أحبتي في الله.. إن الدولة الخوارزمية قيادةً وجيشاً كانت غارقة بكبائر الذنوب ، فأنى لها أن تنصر ؟! وقد أورد الذهبي نصاً يؤكد فيه فساد الخوارزمية ، حيث يقول : ( والزنا فيهم فاش ، واللواط ليس بقبيح ... والغدر خلق لا يزايلهم).

قال تعالى : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).


في سنة (ست عشرة وستمائة) انطلق المغول بقيادة جنكيز خان قاصدين بلاد المشرق الإسلامي - لأسباب واهية تمثلت في قتل الخوارزمبين لمجموعة من الجواسيس المغول ، في حين يصر المغول على أنهم مجموعة من التجار- .

من أجل ذلك هاجم المغول الدولة الخوارزمية ، وخاضوا معها حرباً شرسة استمرت (خمس سنوات) أقاموا خلالها المجازر في بخارى ، وسمرقند ، ومرو، وبلخ ، ونيسابور ، والري ، وهمدان ، وغزنه. فأبيد الملايين من المسلمين ، وهدمت ألوف المساجد ، ودور العلم ، وتحولت حواضر الإسلام الزاهرة في تركستان وفارس إلى كتل من اللهب.

أما السلطان الخوارزمي علاء الدين محمد فقد تمكن المغول من القبض على نسائه ووالدته وأصبحن خادمات في بيوت أمراء المغول ( فإنا لله وإنا إليه راجعون).

أما السلطان نفسه الذي كان مثل جيشه أسيراً للشهوات فقد هرب في ابتداء الغزو المغولي ، بواسطة سفينة قاصداً إحدى الجزر البحرية النائية في بحر قزوين ، حيث مات مغموماً ، مقهوراً ، ذليلاً ، طريداً ، في سنة ( سبع عشرة وستمائة) بعد أن أشعل النار في بلاد المسلمين.

وقد قال قبيل وفاته كلاماً بليغاً يدل على شدة ندمه وتوبته على ما فرط في جنب الله سبحانه وتعالى ، ومع أن كلامه جاء متأخراً جداً فلا بأس من إيراده لما فيه من العبرة والعظة ، قال السلطان علاء الدين : ( لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين ، تُحفَر فنُقبر ، فما الدنيا لساكنها بدار ، ولا ركونه إليها سوى انخداع واغترار ، ما هي إلا رباط ، يدخل من باب ويخرج من باب ، فاعتبروا يا أولي الألباب).

أما حاكم أذربيجان الأمير (أوزبك بن البهلوان) فإن عبوديته للشهوات قد كبلته وصرفته عن أن يفكر أصلاً في التصدي للمغول ، وعنه يقول ابن الأثير رحمه الله : ( فلم يخرج إليهم ، ولا حدث نفسه بقتالهم ، لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشراب ليلاً ونهاراً ، لا يفيق ، وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب ، وحمل الجميع إليهم).

وقال عنه أيضاً : ( إن أوزبك صاحب أذربيجان منعكف على شهوة بطنه وفرجه ، لا يفيق من سكره ، وإن أفاق فهو مشغول بالقمار ... لا يهتدي لمصلحة ، ولا يغضب لنفسه بحيث إن بلاده مأخوذة ، وعساكره طماعة ، ورعيته قد قهرها).

وبالرغم من الانتصارات السابقة للمغول فإنهم لم يتمكنوا من تثبيت أقدامهم في الدولة الخوارزمية بسبب قيام ثورة ضدهم في شمال الصين ، مما اضطر جنكيز خان إلى العودة لمنغوليا في سنة ( اثنتين وعشرين وستمائة) لإخضاع تلك الثورة.

وهناك مرض جنكيز خان وتوفي في سنة (أربع وعشرين وستمائة) ، مما دفع باقي الجيوش المغولية إلى الانسحاب من الدولة الخوارزمية ، عند ذلك قام الأمير جلال الدين منكبرتي ، ابن السلطان الخوارزمي علاء الدين محمد ، بتنصيب نفسه سلطاناً على الدولة الخوارزمية من جديد. لكنه لم يتعظ بما حل بوالده فسلك طريق الظلم والبغي مع رعيته ومع جيرانه المسلمين ، وعنه يقول ابن الأثير : ( كان جلال الدين سيء السيرة ، قبيح التدبير لملكه ، لم يترك أحداً من الملوك المجاورين له إلا عاداه ، ونازعه الملك ، وأساء مجاورته).

وفي سنة ( ثمان وعشرين وستمائة) عاد المغول لاستكمال غزوهم للدولة الخوارزمية ، وتمكنوا من هزيمة السلطان جلال الدين منكبرتي ، الذي هرب بعد أن تفرق جيشه ، لكنه قتل في السنة نفسها ، وبوفاته انقطعت الدولة الخوارزمية وأصبحت أثراً بعد عين.

قال تعالى: ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً).

بعد ذلك انصرف المغول إلى تثبيت أقدامهم في البلاد التي احتلوها مع الاكتفاء بالإغارة والسلب والنهب على ما جاورهم من بلاد المشرق الإسلامي.

وفي سنة (أربعين وستمائة) تمكن المغول من هزيمة سلاجقة الروم والسيطرة على معظم آسيا الصغرى ( تركيا حالياً) ، وبذلك أصبح العراق والشام محاطاً بالمغول من جهة المشرق.

في هذه الأثناء كانت الأمة المسلمة تمر بمنعطف خطير يهدد وجودها ، حيث تكالبت عليها أمم الكفر من كل جانب ، المغول من قبل المشرق ، وأما في الأندلس فقد كان الصليبيون يفعلون بالمسلمين الشيء نفسه الذي يفعله المغول.

أما من جهة الشمال فقد قام الصليبيون بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا بمهاجمة مصر ، وتمكنوا من احتلال دمياط في سنة (سبع وأربعين وستمائة). وبالمناسبة فالملك لويس التاسع صاحب فكر استراتيجي حيث كان يرى أنه لا يمكن للصليبين احتلال المنطقة دون عزل الديار المصرية عن محيطها بأي وسيلة كانت.

على أية حال لقد أرسل لويس التاسع إلى السلطان الأيوبي الصالح أيوب في مصر خطاباً غنياً عن التعليق فيما يلي نصه: ( إنه لم يخف عنك أني أمين الأمة العيسوية ، كما أني أقول إنك أمين الأمة المحمدية، وإنه غير خاف عنك أن أهل جزائر الأندلس يحملون إلينا الأموال والهدايا ، ونحن نسوقهم سوق البقر ، ونقتل منهم الرجال ونرمل النساء ، ونستأسر البنات والصبيان ، ونخلي منهم الديار، وقد أبديت لك ما فيه الكفاية ، وبذلت لك النصح إلى النهاية ، فلو حلفت لي بكل الأيمان ، وأدخلت علي القسوس والرهبان ، وحملت قدامي الشمع طاعة للصلبان ، ما ردني ذلك عن الوصول إليك ، وقتلك في أعز البقاع عليك).

لكن الله سبحانه وتعالى خذل هذا الباغي وهزم جيشه في معركة المنصورة ، ثم وقع هو أسيراً في أيدي المسلمين ، ولم يطلق سراحه إلا بفدية عظيمة على أن يعود إلى فرنسا ، لكنه نكث العهد والميثاق وتوجه إلى الصليبين الموجودين في سواحل الشام ، وذلك في سنة ( ثمان وأربعين وستمائة).

وهناك بدأ لويس التاسع في مراسلة المغول والتنسيق معهم من جديد ، مستغلاً ذلك الميل الذي كان بيديه ملوك المغول تجاه النصارى إكراماً لأمهاتهم وزوجاتهم النصرانيات.

وفي سنة ( اثنتين وخمسين وستمائة) اضطر لويس التاسع إلى العودة إلى فرنسا بعد أن اطمأن إلى أن المغول يمكن أن يقوموا بما عجز عنه الصليبيون ضد المسلمين في الشام ومصر ، وبالتالي استعادة القدس من المسلمين.

في هذه الأثناء أرس الزعيم المغولي ( مانكوخان) أخاه السفاح ( هولاكو) في حملة ضخمة إلى غرب آسيا ، وأعلن أن هدف تلك الحملة هو القضاء على الخلافة العباسية ، ورد بيت المقدس إلى النصارى.

ولما توجه هولاكو بحملته إلى أراضي الخلافة العباسية مر في طريقه بقلاع الإسماعيلية فحاصرها حتى استسلم من فيها في سنة ( أربع وخمسين وستمائة ) بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة ، والجدير بالذكر أن المغول لم يتمكنوا من اقتحام قلاع الإسماعيلية إلا بعد تواطؤ الوزير الطوسي الذي كان وزيراً عند الإسماعيلية ، فكافأ أرباب نعمته من جنس بضاعتهم ، وتعاون مع المغول ضدهم.

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 314 مشاهدة
نشرت فى 13 يوليو 2005 بواسطة mara

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

947,177