المجزرة .. الفضيحة ..
سؤال يطرح نفسه بقوة ؛ بعيدا عن الانفعالات , ماهو السيناريو أو ماهي الصفقات الكبرى التي تهدف إسرائيل إلى تنفيذها على خلفية ما قامت به في المياه الإقليمية ؟
فهذا الكيان الصهيوني لن يجازف بخطوة كهذه بعد ضربه بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الدولية والأخلاقية " الذي هو أساساً بمعزل عنها " لمجرد الاستعراض المجاني أو على حد قول ساسة إسرائيل إن الأسطول يهدد أمن إسرائيل , وهنا أعتقد أن ما حدث ما هو إلا الخطوة الأولى من سيناريو ترغب إسرائيل بتنفيذه , وما علينا نحن إلا أن نكون أكثر بعدا عن الانفعالية وأكثر هدوءا في تحليل نتائج المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل .
نجحت إسرائيل إلى حد كبير في جعل العالم بأسره ينشغل في الحدث الغير مباشر بالنسبة للهدف المباشر الذي هو اخطر بكثير مما شاهدنا , باعتبار هذا الحدث الغير مباشر وبهذه الجرأة والفظاعة , بوابة عبور باتجاه الهدف أو الأهداف أو الصفقات الكبرى التي تنوي إسرائيل كسبها .
كلنا سمع وشاهد وقرأ الكثير من ردود الأفعال على ما قامت به إسرائيل .. تصريحات .. تحليلات .. توقعات , ولكنها بقيت في حيز الشرح المباشر والفج لما قامت به إسرائيل والذي يبدو واضحاً للجميع , مبتعدين بذلك ( بقصد أو دون قصد ) عمّا يحدث أو سيحدث في الكواليس المظلمة , وما أدهشني حجم المفاجأة والاستغراب الذي شعر به العالم من ذهول وعدم تصديق , وكأن إسرائيل مثال لتطبيق القوانين والأعراف الإنسانية والأخلاقية والدولية وعلى الجميع أن يتعلم منها!! إنه لمن المضحك أن تجد من يصاب بالصدمة , وآخر تفاجأ , وآخر غير مصدق , وآخر وآخر ..الخ .
إذن قامت إسرائيل بالسطو المسلح , والاعتداء في المياه الإقليمية على مجموعة من البشر العزّل , ومن ثم قامت بإرهابِ من كان فوق السفينة من خلال خطفهم واحتجاز حرياتهم في سجونها , ومن ثم سلب بالعنف للسفن التي كان في نيتها تفريغ حمولتها في ميناء غزة , وآخر ذلك إطلاق الرصاص عمداً عن سبق الإصرار على هؤلاء البشر العزّل , وحين نسمع التصريحات الإسرائيلية عن هذا الحدث فهم يجيبون تبعاً لسؤال وُضع سلفاً , أن الجنود واجهوا هجوماً بالسكاكين , بمعنى أن من كان فوق السفينة يجب عليه أن يقوم بالترحيب والتهليل للجنود الذي أتوا ليطلقوا الرصاص عليهم .. يا للعجب ..
أتساءل هنا : أثناء قيام العصابة الإسرائيلية بقرصنتها ؛ نجد أن رئيس حكومة الكيان الصهيوني خارج حدود بلاده , رئيس حكومة تركيا خارج حدود بلاده , غياب إعلامي لحدث كان يتصدر وسائل الإعلام وهو الملف النووي الإيراني , وما إلى هنالك من أحداث كانت تجري , وبعد العملية الإرهابية ,نرصد نشاطاً ملحوظاً لجماهير العالم الأجنبي والعربي , ففي فلسطين هنية يصرح بوجوب استغلال الفرصة من أجل مصالحة وطنية , عباس يأسف لِما جرى ويطلب الوحدة والوطنية فلان يصرح بلزوم الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن , وآخر يجب أن نحاسب إسرائيل على ما قامت به , ندين نشجب , نطالب بتشكيل لجنة دولية تحقق مع الكيان الإسرائيلي ... الخ , وما إلى هنالك من كلام لم يقدم ولم يؤخر , وخاصة على المستوى العربي الذي وضع سقفاً لمواجهة إسرائيل ووضع حدوداً له وهو الاكتفاء بالمطالبة والتنديد والاحتماء خلف الشارع الغاضب والمندد والمطالب بوقف العدوان واتخاذ الإجراءات المناسبة , كل ذلك لم يسهم إلا في مساعدة إسرائيل بتحقيق الصفقات السرية ومناقشة السيناريو الجديد الذي ترغب بتنفيذه , وبقي الكلام العربي والمسيرات في أرشيف وسائل الإعلام العربية ..
ما تقدم لا يهدف إلى إظهار مقدرات إسرائيل أو الإشارة إلى حنكتها وذكائها, بل قمت فقط بمحاولة توسيع دائرة الحدث والابتعاد مع الكثيرين في العالم عن المجزرة التي رغبت إسرائيل ونجحت إلى حد كبير في تحويل أنظار العالم باتجاهها , وجعلت من بؤرة الانتباه مقيدة في دائرة الحدث لتمرير الهدف الأكبر , لأن ما قامت به من قرصنة وإرهاب وقتل وسلب وعنف هو التضحية التي قررت أن تضحّيها من أجل تحقيق هدفها لأن إسرائيل وساستها يقدرون حتماً خطورة ما قاموا به,ولكن بسبب الدعم السريّ لكثير من الدول في العالم, والمباركة غير المباشرة لهم,ومعرفتهم بالسقف الذي قامت البلدان العربية بوضعه ومعرفتهم بأن هذه القوة العربية لن تتجاوز حدودها مما جعلها تقدم على ما أقدمت عليه من شناعة وفظاعة أفعالها ..
لو قمنا بتقليب صفحات الذاكرة قليلاً إلى تاريخ سابق لوجدنا أنه خير من وضع الكيان الإسرائيلي تحت المجهر هو " حزب الله " فقام بالتحليل والتمحيص والتدقيق" وهم يقرأون التاريخ جيداً ويملكون الإرادة والهدف الصادق " وأعتقد انهم يبتعدون كثيراً عن الانفعال الذي يقود إلى التهّور في كثير من الأحيان , وبالتالي استطاعوا إلى حد كبير امتلاك رؤية استرتيجية واضحة وضوح الشمس , وهذه النقطة من النقاط المهمة والقوية والصلبة التي يمتلكها حزب هو قوة صغيرة في دولة صغيرة , فما كان منه إلا أن قام بالاستفادة من دراسته ورؤيته وحقق ماعجز العرب عن تحقيقه منذ عقود وهو المبادرة الحقيقة على أرض الواقع المبادرة التي تقع في حيز الفعل , مما أصاب العالم بالجنون , والهذيان , وأخص العالم العربي , الخامل , وهنا أتحدث على مستوى الحكومات التي تعرف نفسها جيداً ..
إذن قام حزب الله في حرب حزيران بتعرية الكثير من الحكومات أمام شعوبها وأظهر تهاونها في التعامل مع عدو أزلي مغتصب قاتل ... الخ . فقط لأنه قرر المبادرة , فمأساة بلداننا العربية التي لم نتخلص منها ولن نتخلص منها هي الانفعال في الأحداث والانصهار بها وبالتالي عدم القدرة على امتلاك حرية القرار , وهو ما يسهل على كيان معتدي كإسرائيل أن تلهينا عن هدفنا , ويسهل عليها تبديد طاقاتنا ومقدراتنا باتجاهات تخدم مصالحها , وهو ما يزيد عزلتنا عن التقدم الحاصل على المستوى الفكري والنفسي والحضاري والثقافي لأن الدائرة التي نحيط أنفسنا بها تضيق مع تقدم الزمن وبالتالي هي نفسها من ستدمرنا كبشر .
أتحدث هنا وحزن وأسف يغلّفان قلمي , لأن ردود الأفعال كانت باهتة قياساً بما قامت به إسرائيل , وما جاء من تصريحات وتنديدات , وأفترض هنا دولة أخرى قامت بما قامت به , حتما ما سيحدث حينها أن العالم كله سيغزو هذه الدولة تحت ستار خرق القوانين الدولية والقرصنة والإرهاب ... الخ ..
هل يجب أن نتحرك ؟ أعتقد اننا كشعوب لم نهدأ لنتحرك , ولكن ضمن مقدراتنا التي لا يستهان بها , مظاهرات مسيرات اعتصامات شعارات منددة ولكنها تبقى في حيز الانفعال في الحدث لا تدخل في حيز المبادرة , وطبعاً نحن لا ندعو الحكومات إلى القيام بحروب , ولكن على الأقل أن تقوم هذه الحكومات بالإجراءات الاسعافية والتي تولد قوة كبيرة يجتمع حولها كل أحرار العالم فدولنا قوية وتستطيع أن تكون قوة منافسة في العالم .. لا أن نساهم في توزيعنا نحن ووضعنا تحت تصرف الأقطاب التي تتنازع على قيادتنا وقيادة دولنا .. نحن وطن يستطيع أن يكون قوة كأي قوة في هذا العالم .. ولدينا الأرضية المناسبة لدينا مقدراتنا وعقولنا المفكرة لدينا كل شيء .. وفي هذا السياق , لو انطلق أسطول الحرية من احد موانئ الدول العربية لما كان قياد المنطقة بيد أحد حتى ولو كانت تجمعنا به علاقات طيبة , سيكون حينها قياد أمرنا بيدنا نحن , نفاوض كقوة مؤثرة تفرض وجودها وتؤثر في قيادة العالم ..
تلح عليّ في نهاية الكلام عبارة أحبها جداُ , وهي سوريا يا حبيبتي , سوري أنا , وأفتخر بسوريتي , وبشعبي السوري , هذه البلد التي قال فيه الرئيس الدكتور بشار الأسد " سوريا الله حاميها " نعم , هذا حقيقي , هذا البلد الصادق في كفاحه في صبره , هذا البلد المؤمن بنفسه , رغم كل ما تعرض له , ولكنه والحمد لله بقي صامداً بفضل الشرفاء والمؤمنين به كبلد قوي ومناضل .


ساحة النقاش