جريمة حرق المسجد الأقصى والاعتداءات التي تعرض لها

ثمانية وأربعون عاماً على جريمة حرق المسجد الأقصى

 

محمود كعوش

 

لأن المسجد الأقصى المبارك هو أولى القبلتين وثالث الحرمين بالنسبة للمسلمين في العالم ولأن الذكرى الثامنة والأربعين لجريمة حرقه من قبل متطرفين صهاينة تتوافق مع الحادي والعشرين من شهر آب الجاري ارتأيت ضرورة إعادة التوقف ملياً عند هذه الجريمة النكراء لإلقاء الأضواء عليها وعلى نتائجها وإرهاصاتها مجدداً.

 

لقد ظل المسجد الأقصى على الدوام من أولويات أهداف التغيير عند سلطة الاحتلال الصهيونية الغاشمة، بزعم "وجود جبل الهيكل اليهودي تحت أرضه"!! وقد اتخذت عمليات تغييره أشكالاً مختلفة منها العبث بمحيطه وباطن أرضه والتحدي السافر لرواده وعمليات الاقتحام المتتالية له، التي قام بها المتطرفون الصهاينة وما زالوا يقومون بها بشكل أحمق ومجنون حتى يومنا هذا.

 

فمنذ وقوع الشطر الشرقي من مدينة القدس في قبضة الاحتلال في اليوم الثاني لعدوان حزيران1967 أي قبل 50 عاماً، اعتاد المتطرفون الصهاينة على اقتحام ساحة المسجد من حين لآخر وتدنيسها من خلال إقامة حفلات الغناء والرقص والمجون والخلاعة بداخلها.

 

ولربما أن اقتحام الإرهابي الصهيوني الأرعن آرئيل شارون مع نفر من أعوانه الأشرار في 28 أيلول 2000 ساحة المسجد تحت سمع وبصر حكومة حزب العمل التي كان يرأسها آنذاك الإرهابي الصهيوني الآخر أيهود باراك كان الأسوأ من نوعه والأكثر استفزازاً وتحدياً لمشاعر العرب والمسلمين بمن فيهم الفلسطينيين طبعاً، إذ شكل الشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الثانية التي حملت اسم المسجد المبارك.

 

مع وقوع الشطر الشرقي لمدينة القدس في قبضة سلطة الاحتلال في 6 حزيران 1967 شرع الصهاينة في حملاتهم التغييرية والتهويدية للمدينة المقدسة، وتواصلت هذه الحملات في ظل "اتفاقية أوسلو" اللعينة وخلال ما أعقبها من مفاوضات وتفاهمات عقيمة بين الفلسطينيين وحكومات تل أبيب تارة برعاية رباعية منحازة وطوراً برعاية أمريكية أكثر انحيازاً، وتصاعدت وتيرتها في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة التي يواصل جنود الاحتلال شنها ضد الفلسطينيين الآمنين بطريقة عدوانية سافرة.

 

سبقت الحملات المسعورة البدء في بناء جدار الفصل العنصري، واستمرت في ذروة بنائه وبعد الانتهاء منه، ولا يبدو أن لها نهاية أو مستقراً في ظل استمرار المطامع الصهيونية التوسعية وفي ظل انحياز أمريكي وتواطؤ أوروبي وخضوع رسمي عربي كامل ومهين للاملاءات الأمريكية ـ الصهيونية المشتركة. ولقد اكتست وجوهاً وأقنعة عديدة ومتنوعة، وتم التعبير عنها بوسائل وسبل شريرة وشيطانية مختلفة ومتباينة، ومن خلال العديد من الحلقات والمحطات التي تركت آثارها المؤلمة والموجعة على العرب والمسلمين، وبالخصوص على الفلسطينيين وبأخص الخصوص على المقدسيين، بحيث يصعب معها التكهن باحتمال محوها من ذاكرتهم في المستقبل.

 

ومما لا شك فيه أن محاولة الإجهاز على المسجد الأقصى المبارك عن طريق الحرق في 21 آب 1969، التي تتصادف ذكراها الثانية والأربعون في هذا الشهر الكريم، قد كانت الأبرز بين حملات التغيير والتهويد الصهيونية الإجرامية.

 

فتلك المحاولة التي وقف وراءها نفر من المتطرفين الصهاينة الذين ما أبطنوا ولا أظهروا غير الحقد والكراهية للعرب والمسلمين، جرت بإيعاز وتشجيع من الدوائر السياسية والأمنية الرسمية في تل أبيب.

 

وفي تلك المحاولة الإجرامية أحرق المتطرفون الصهاينة المسجد بطريقة لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تكون بمنأى أو معزل عنها، إذ قامت هذه السلطات بقطع المياه عن منطقة الحرم فور ظهور الحريق، وحاولت منع أخيار القدس وسيارات الإطفاء التي هرعت من البلديات العربية من الوصول إلى المنطقة والقيام بعملية الإطفاء.

 

ولولا استماتة هؤلاء الأخيار في عملية الإطفاء لكان الحريق قد التهم قبة المسجد المبارك، إذ اندفعوا اندفاعة الأبطال عبر النطاق الذي ضربته قوات الاحتلال الصهيونية حتى تمكنوا من إكمال مهمتهم. لكن لم يحل ذلك دون إتيان الحريق على منبر المسجد وسقوف ثلاثة من أروقته وجزءٍ كبير من سطحه الجنوبي.

 

وللتعمية على جريمتها، ادعت حكومة الكيان العنصري يومها أن "تماساً كهربائياً تسبب في الحريق"، إلا أن تقارير المهندسين الفلسطينيين دحضت ذلك الإدعاء، وأكدت أنه تم بفعل أيد مجرمة أقدمت على تلك الفعلة الشنيعة عن سابق إصرار وتصميم وترصد، الأمر الذي أجبر قادة العدو على التراجع عن ادعائهم وتحويل الشبهة إلى شاب أسترالي يدعى دينيس مايكل وليام موهان.

 

اعتقلت سلطات الاحتلال ذلك الشاب، وكان يهودياً من أصل أسترالي، وتظاهرت بأنها ستقدمه للمحاكمة في عملية احتيال التفافية لامتصاص غضبة الفلسطينيين وإدانات العرب والمسلمين والالتفاف على المنظمة الدولية، إلا أنها بدل أن تحاكمه قامت بإطلاق سراحه متذرعة بأنه كان "معتوهاً". وهكذا قيدت سلطات الاحتلال جريمتها الإرهابية النكراء تلك ضد معتوه، كعادتها بعد كل جريمة إرهابية يرتكبها جنودها ومواطنوها بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم.

 

إرتكاب المتطرفين الصهاينة جريمة حرق المسجد الأقصى وإقدام حكومتهم على معالجتها بطريقة استفزازية أثارا في حينه هياجاً كبيراً في الأوساط العربية والإسلامية لما يمثله المسجد من قيمة كبرى على الصعد الدينية والحضارية والإنسانية، الأمر الذي فرض على مجلس الأمن الدولي إصدار قراره الشهير الذي حمل الرقم 271.

 

في ذلك القرار أدان المجلس كيان العدو لتدنيسه المسجد، ودعا حكومته إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها المساس بوضعية المدينة المقدسة. وعبر القرار عن حزن المجلس للضرر الفادح الذي ألحقه الحريق بالمسجد في ظل الاحتلال العسكري الصهيوني الغاشم. وبعد أن استذكر القرار جميع القرارات الدولية السابقة التي أكدت بطلان إجراءات كيان العدو التي استهدفت التغيير في القدس المحتلة، دعاه من جديد إلى التقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري. كما دعاه إلى الامتناع عن إعاقة عمل المجلس الإسلامي في المدينة، المعني بصيانة وإصلاح وترميم الأماكن المقدسة الإسلامية. ويذكر أن القرار الدولي صدر بأغلبية 11 دولة وامتناع أربع دول عن التصويت من ضمنها الولايات المتحدة.

 

أجمع السياسيون والمثقفون العرب على أن حريق المسجد الأقصى المتعمد مثل محطة رئيسية من محطات الإرهاب الصهيوني الإجرامي، وشكل حلقة بارزة من حلقات المسلسل الصهيوني المتواصل للممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم وأماكن عباداتهم الإسلامية والمسيحية تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك النظام الرسمي العربي الذي اختار لنفسه أن يظل نزيل غرفة الإنعاش حتى إشعار آخر، بمشيئة أميركية ـ صهيونية مشتركة، لا بمشيئته طبعاً.

 

يتبع الجزء الثاني......

 

المصدر: محمود كعوش
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 21 مشاهدة
نشرت فى 20 أغسطس 2017 بواسطة mahmoudkawash

عدد زيارات الموقع

2,367