جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
حمحمة المال
ثمة تجار على قارعة السوق يمنتها و يسرتها.. منهم من يعرض بضاعة الوهم و اللاشيء. ومنهم من يعرض بضاعة الشيء الرائج ( أو يعتقد أ نه كذلك.. من المعروضات : شُكٌّ من تين نيْء.. آليات صناعة نسيج من العصر البربري في إفريقية.. أشرطة كاسات يمكن رشقها في واجهة متحف.. آليات صيد بحري ( أشياء لا أسمّيها، لست من مواليد البحر و الساحل، و اطلاعي على متعلقات الصيد محدودة ، و الطّريف أنّها تباع في منطقة بعيدة عن السّاحل؟)..ذلك و غيره كان معروضا بمدينة في قاع فجّ ، هي مصبّ ما تستمنيه الشمس من شعاع كلَّ ضحى و هاجرة و أصيل.. ماذا هناك أيضا؟ ايه، يوجد أجهزة حواسيب بعضها معطب وبعضها تجاوزته موضة الغول الصناعي بديناميتها الموتورة ..هواتف غبية جدا( هذه إزاء الهواتف الذكية ووقادة الذكاء و الهواتف النوابغ ).. في النصبة المجاورة حزمة مسوّسة من كتب مهجورة لا يلتفت إليها إلاّ غبي فقير من أمثالنا، ثمن الكتاب دينار واحد، و يجوز تخفيض السعر بنسبة الربع في حال اقتناء أكثر من ثلاثة كتب.. بجوار ذلك قريبا، نصبة حكّاكات حمّام و مشدّات نسائيّة رديئة و متفاوتة الأحجام، و حولها زحمة هائلة من النساء متفاوتات الأحجام.. في النصبة المقابلة أكداس من ثوم طازج، ثمن كلغ ثلاثة دنانير( بعد شهر أو ما يربو يصبح ثمنه سبعة دنانير أو ما يربو) .. يحفّ بها نسوة و بضعة رجال.. بجوارها نصبة روبافيكيا، ثمن القطعة نصف دينار دون تمييز بين النسائي منها و الرجالي، و لا الملابس العلوية أو السفلية. و لا الباطنة أو الظاهرة.. إلى الجوار عربة سقاء، يبيع الحِلْبة عصيرا شحيحَ الرّخاوة أو هو بين الرّخاوة و الشدّة، يُروّج أنّ له طاقة وقائيّة مضادّة لدوخة القيظ المحتملة، و أنّه قادر كذلك على تقوية الباه.. يلتف حوله بعضُ حشد.. في قارعة مقابلة سيارة فخمة و واسعة الفضاء تفتح بابها الخلفيّ على مصراعيه، و تتبرّج ببضاعةٍ مستوردة لا يقبل صاحبها ،( الذي كانت بجواره إمرأة مكتهلة مكتملة تتصدّر البضاعة أكثر ثمانة منها ، تدعم تجارته بأنوثتها وبجدلها التجاري اللبق) بتخفيضات طفيفة لبعض المذهولين بمنتوج
là-bas chez nous*.. كانت السوق تشتعل بالتعدّد و التنوّع و الكثافة.، و العرقِ المتفصد .. والناسُ بقبلون على معايشهم، يريدون الحياة. أجل يريدون الحياة معروضةً هكذا في رحبة البضائع تحت شمس مستمنيةٍ .. الغريب أن البضائع ذات القيمة و عديمة القيمة عل حدّ سواء،كلتاهما رائجة. لهما حرفاؤهما بمراتبهم الطبقيّة المتباينة.. و بتطاول بعضهم أحيانا على مرتبته كانت الطبقات. تتداخل نسبيا و تختلّ ، ولا تفتأ أن تستأنف نظامها..السوق! تعج بنسخ من الطبيعة البشرية و ضروب من البضائع المسيخة والصحيحة..
في السوق نسق ثان من الصراع في صور متناظرة: أوراق مالية هائلة إزاء مليمات نزيرة.. رواج،كساد. صخب جماعيّ،صمت في زاوية تاجر مهملة بضاعته.. امرأة تتمتم( يمكن تأويل تمتمتها : بإيراد قول لصحابيّ كان يلج الأسواق دون بيع و لا ابتياع، فيتمتم، وسئل عن مضمون ما يقوله كتْما، فأخبر أنه كان يجوس خلال السوق محوقلا.. و كان يروم قصف مؤامرات ابليس..
و كان إبليس يتحرّك في مجاله الحيوي، بدليل إطلاقه بعد العصيان في مكانه من الأسواق، و بموسيقى مزماره المصاحبة لحراكه ( هل يختلف مزمار داوود عن مزمار إبليس، جاز التّساؤلُ فُضولا ..) .. صوت دجاج ذببح، صوت ذبائح دجاج مختلط بخوار عجل وصوت تيس لا يقوى على نبيب.. صوت رجل يمجّد السلطة القديمة العميقة.. يردّ عليه صوت آخر يسلّط المجد على سلطة حديثة ضاربة بجذور في العمق.. ما تزال قوس الشمس طروحا للعاب شعاعيّ دبق.. صورة تصادم سلال محشوّة بسلع يُخيّل أنها رخيصة.. صورة تصادم بين نظرة محتجّة على عربة صغيرة ،تجرّها امرأة لتطأ سهوا بها مشط قدمِ شابّ كان يتابع عجيزة كعوبٍ مثيرة، و بين نظرةِ اعتذار ٍ فجّ من عيون المرأة ذاتها.. التي داسته بعربتها..
داخل الرحبة عند الوسط تقريبا ثمّة خيمة ،ذات مقاعد شبه مستطيلة، يتناظر فوقها حرفاء الشاي الأسبوعيّ ليوم الخميس.. تلك جلسة عرس الرحبة، يلتقي الأصحاب و الغرباء فيتجاذبون أطراف المتعة بكلّ صنوفها، على مرمى من لعاب الشمس ..
كلّ شيء فاتن، جميل.. سيمفوني! بيد أن حمحمة الأموال في الأكفّ و الجيوب و في أكمام الفساتين و في صرر الأحزمة و ما بين النّهديْن، وفي أكياس الباعة المخبوءة تحت نصبات البضاعة، كانت هي الخيط الموسيقي الناظم لإيقاع الرحبة..
________
سيف .د.ع/ من نص قادم
* هم أولئك المهاجرون الذين يعودون إلى أرض الوطن الأمّ ولكنّهم يتحدّثون عن فرنسا و كأنّها هي وطنهم الأصليّ. و مثّلت تلك الجملة عبارة تندّر عليهم من قبل المواطنين الأصليين غير المهاجرين
المصدر: مجلة عشتار الالكترونية