جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
إنّ كثيرًا من الكائناتِ مجبولة على الوثْبِ، لذلك تُفضِّلُهُ.. والحياة نفسُها مبنيّة على ضروب مِن الوثبِ.. إنّ حياة كائن مِا، تنبثقُ مِنْ قفزة مِن الرّحمِ.. تلك القفزة الرّحِمِـيّةَ هي أيضا نتاجٌ لقفزة أخرى (قذفات متتالية) فيه. وقَـوامُ هذه القفزةِ حِراكٌ قافِــزٌ، أو هو يـَرْتـئِي القفزَ فيما يرتئيه مِن حركاتٍ. هكذا أخلـُـصُ إلى أنّ القفزَ أصلُ وجودِ الكائن.. و عليه، تصبحُ الحياة مَقْـفِـِزًا(اسم مكان) يستقبلُ القفزات بجميعِ أشكالِها.. أوليس الهبوطُ إلى الأرضِ قفزةً علويّة مِنْ جنّة السماءِ أو سماءِ الجنّة؟.. أوَ ليست ولادة الإنسان بمختلفِ أطوارِها و هيئاتِها نوعٌ مِن القفزِ الأفقيِّ؟ كما أنّ حراكه في الأرضِ وسعيه فيها خاضعٌ إلى محطّاتِ قفْزٍ كثيرةٍ. و الخروج من الحياةِ إلى القبْرِ قفزة سفليّة جديدة، و الخروج من القبْرِ إلى القيامة حشرًا، قفزة مِن طرازٍ ما.. وعلى السراطِ طرُزٌ مِن القفزِ متنوّعة..كذلك في الجحيم تصلية و تقفْـيزٌ، و في الجنّة رَتْعٌ وحُبور لا بُدّ على نحوٍ قافزٍ..
لنعدْ إلى الحياةِ ونختصّ بقفْزِها..
بما أنّ الإنسان كائن قافز أو راغب في القفزِ أو ساعٍ نحو القفز( وما ذا يلي ذلك يا تـُرَى؟) فلترْحُبْ صدورُكمْ بما سأحدّثكمْ به عن أشكال القفْزِ التي عرفـتْها حياتي..
حين علمتُ أنّ الحياةَ أصلاً هي وثبة حرّة في مساحةٍ فسيحةٍ من فراغٍ سحيقٍ، لم أكنْ متوثِّبًا للحياةِ، أو هكذا كنتُ أتوهّمُ . أو هكذاكنتُ أدّعي..
القفزة الأولى:
(بإمكانكمْ أن تبدؤوا العَـدّ) تجلسُ إلى جواري فتاةٌ يانعة، تنطُّ منْ فيها على حدوده، ابتساماتٌ- أقولُ لذيذة. قـلْ هي بالفريسيا أشبَهُ.. جسدها اليافعٌ، جسدها المغتبطٌ بيفاعتِه، حيٌّ ، نشيطٌ ومتوثّبٌ للأنوثةِ التي سيكونُها عمّا قريبٍ... دفعني ذلك إلى أنْ أتصوّرَ أنّ أنوثتَه تمارِسُ قفزاتِها في الوضوحِ.. كان النّاهدان يتبلوران على نحوٍ بطيءٍ متمهّلٍ. (قُـلْ هما أشبهُ بذاتٍ تعيشُ غرورَها التدريجيّ و تتكوّرُ عظمتُها ).. كان ذلك في سنّ التّاسعةِ أو العاشرة (لقد قفـزتُ ارتدادًا إلى الطّفولةِ العذراءِ الخضراءِ).. إنّ تلك السنّ البريئة لا تسمحُ بتبلورِ النّاهديْن فحسب، و إنّما تُبيحُ أنْ ينشأ في الجسدِ ازدحامٌ أوّليٌّ بِـنَعناعِ الأنوثةِ الغضِّ و حبقِها الغضيرِ..
لكنّ الحِسَّ الفاجِرَ بتلك البواكيرِ المتفجّرةِ المتحفّزةِ للقِطافِ آنذاكَ، يظلُّ بمنأى عن الإسفافِ الجنسيِّ أو إفراطِ التخيّلِ في ما هو جسَدِيٌّ مَحضٌ.. ذلك أنّ الجسديّ آنئذٍ توْقٌ سحيقٌ،لا لأنّهُ منيعٌ حقّا، بلْ لأنّهُ منيعٌ في داخـلٍ ما يزالُ مطليًّا بالعِفّةِ (لو حاولتُ التّوضيحَ و أسْعِفْتُ لقلتُ: لو قد أتيحَت لي الخلوةُ بتلك الفتاةِ اليانعةِ اليافعة ذاتِ الأنوثةِ القافزةِ نُهوضًا و النّاهديْن المتبلوريْن بالتدريجِ، لما استطعتُ أنْ أطولَها.. لأنّ المسألة لا تتعلّقُ بالعجْزِ أو بالخِبْرةِ. بل تتعلّقُ بجهازٍ مِن العِفّةِ الخامّ، بشحنةٍ من رهبةٍ مُقدّسةٍ تتدافقُ بموجبِها مُويجاتُ نبْضِ القلبِ حتّى يتحوّلَ إلى فَــَرَاشةٍ فجّةِ الخفقانِ سريعةِ السقوطِ،، تقفِزُ، تقفزُ، تقفزُ. و لكنّها لم تكنْ تقفزُ... وكيلا أكون من الكاذبين أقول: لو أتاحتْ لي زهرة الفريسيا اليانعة تلك أنْ أجتني بعضَ ما لم يُعصَرْ من شهدِها بعدُ، لاختلستُ قبلةً خامّا جدًّا، ولبذلتُ قُصارى ولـعـِي في إخمادِ قفزاتِ القلبِ المذعورةِ مِنْ غبطةِ النّوالِ. )..
لقد دفعتني تلك العِفّة الخامّ إلى شعورٍ خامٍّ بأنّني لا بُدَّ أنْ أحبَّ تلك الفتاةَ.. لقد حدثَ ذلك بِصمتٍ. لذلك قلتُ لكمْ إنّ الصمتَ عظيمٌ فاره. وإنّني فيه أنجِزُ كلَّ طقوسِ البذخِ الشعوريِّ: أحلمُ، لا أجرؤُ على تعريةِ الحلمِ.أغنّي.. وأسمعُ نفسي وحدي.أشتمُ وأبصُقُ .وأشكُرُ كما شكرتُ المعلّمَ (ما أزالُ أحتفظُ إلى الآن باسمِه، وأذكرُ عينيْه اللامعتيْن ابتسامًا ومَكْرًا...) الذي أجلَسَ تلك الفتاةَ اليانعة بالصّدفةِ إلى جانبي. وقَسَرَها على أنْ تجلسَ إلى جواري،قريبةً جدًّا لصيقة بي حتّى قفزَ نعناعُها و حبـَـقُها وسائرُ العطورِ الأخرى إلى روحي العفيفةِ، فقفزتْ مِنْ عِفّةٍ مشوبةٍ بخلجاتِ التّوْقِ السّحيقِ.. لقد رقصتْ روحي الغِرّةُ مرَحا في الصّمتِ. وأوْمأ خَفْقُ القلبِ المتدافقِ "أنْ ظفِرْنا واللّهِ بِغِبْطةٍ ".. لكنّ زهرة الفريسيا اليانعة طيّبةَ الرّيحِ ،اختلجتْ احتجاجًا.. انتزعتْ نفسَها مِن تربةِ جواري وعادتْ إلى حيث كانتْ.. هي ذي الآنَ (هذا الآنَ القديمُ يصعدُ في راهن الذّكرى) أراها تقفزُ بأنوثتِها الأولى (الأنوثة الأولى ولَعٌ فريد بغُـلالةِ حُسْنٍ خاطفٌ.. أحيانًا يُصيبكً وجعٌ عاصِرٌ جرّاء الاصطدامِ البِكـْـرِ بأنوثةِ الأنثى الأولى.. ) وتعودُ إلى طاولتِها البعيدةِ عنّي في طابورِ الطاولاتِ المجاور.. لم تنخمدِ اللهفةُ.. إنّ لهفتي تزداد وثوبًا. إنّ الفتاة اليانعة ازدادتْ، حين أجبرَها المعلِّمُ على أنْ تعود ثانية إلى جواري، تمرّدًا.. هي ذي تنتفضُ، تقفزُ، تتمتمُ. كانتْ الكلماتُ تتناطُّ مِنْ فيها.. و شيْءٌ مِن السبابِ المبذور نقمة بريئة، كان يكـْنُـفُـني..
لم أعدْ أذكرُ بعد ذلك شيئًا.. لقد قـفـزَ العمرُ إلى الضّبابِ..
------------
سيف الدّين العلوي
من رواية قادمة