Environment & fisheries

الاهتمام بالبيئة ليست ترفا فكريا ولكنة واجب دينى لحياة افضل

 

مقالات الباحثون

الحيوانات المضيئة- د.عبد الرحمن مراد

 

تبدي بعض أنواع البكتريا، والفطريات، والطلائعيات، والديدان، والرخويات، وشوكيات الجلد، والقشريات والرأس قدميات والحشرات والأسماك ضوءاً يدعى بالضوء البارد أو الضوء الحيوي وهو نوع من التألق ينبعث من الكائن الحي نتيجة لتفاعل كيميائي، وينجم عن تحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقة ضوئية، حيث تتحول مادة اللوسفيرين Luciferin بعد اتحادها مع الأوكسجين لتكوين مادة الأوكسي لوسفيرين المضيئة، يساعد على إنجاز هذا التفاعل إنزيم اللوسفيراز Luciferase الذي يرتبط بمصدر الطاقة في الخلايا الحية ATP (ادينوزين ثري فسفات)، ويظل مرتبطاً حتى تأتي إشارة من الخلايا المتخصصة لإصدار الضوء الحيوي فينفصل الإنزيم عن مصدر الطاقة ATP ليقوم بتحفيز تحول مادة اللوسفيرين للاتحاد بالأوكسجين، وتتأكسد لتكوين المادة المضيئة الأوكسي لوسفيرين Oxy Luciferin.


1- الأسماك والحيوانات البحرية المضيئة
يبلغ عدد أنواع الأسماك في العالم حوالي 34 ألف نوع يعيش منها حوالي 60% في المياه المالحة. تستوطن أسماك المياه المالحة مختلف مستويات عمق الماء: من المناطق القريبة من سطح أعاد وحتى أعماق البحر.
تتكيف الأسماك مثل سائر الكائنات الحية مع البيئة التي تعيش فيها، فالأسماك التي تعيش في الأعماق السحيقة من المحيطات المظلمة تمتاز بمقدرتها على توليد الضوء الذي يعرف بالضوء البارد، وذلك بواسطة أعضاء خاصة تدعى حاملات الضوء، وهي مصابيح صغيرة بسيطة التركيب، لكنها على درجة عالية من الكفاءة فهي تتألف من قرنية شفافة تتلوها عدسة ثم عاكس مقعر من نسيج خاص يقابل شبكية العين هو المسؤول عن توليد الضوء، كما تقوم القرنية والعدسة بتجميع هذا الضوء قبل أن ينبثق خارج جسم السمكة. تختلف أعضاء الإضاءة في هذه الأسماك من حيث العدد والتوزيع والتعقيد، وغالباً ما توجد على جانبي الحيوان، أو على بطنه أو رأسه، ونادراً على سطحه العلوي، قد يكون هذا الضوء باهتاً يصدر بشكل متقطع من حين لآخر، أو قد يكون مبهراً مستمراً، تعيش هذه الأسماك على أعماق تتراوح من 1000 – 4000 متر تحت سطح البحر، ولذلك يطلق عليها اسم: أسماك الأعماق.
تستخدم الأسماك هذه الأضواء في جذب ما تتغذى عليه من صغار السمك، كما أنها تدافع عن نفسها بما تسببه من إرباك لأعدائها، وتتجنب الاصطدام بالصخور والعوالق، ويستخدم الضوء الحيوي في أعماق البحار والمحيطات لتتعرف أفراد الجنس الواحد على بعضها بعضاً، وخلال فترات التزاوج، وللتحذير من الأخطار.
قد يكون الضوء البارد ذا لون أزرق أو أخضر ليتسع مدى الرؤية في الظلام الدامس في أعماق البحار.
وإليك الآن حديثاً مقتضباً عن بعض هذه الأسماك المضيئة.
أ‌- سمكة المصباح: تعيش في المحيطات على أعماق 400-1000 متر عن سطح البحر، ولكنها تقترب من السطح ليلاً بحثاً عن الغذاء، ويشتمل جسمها على مجموعة من الحوامل الضوئية المركزة أسفل الرأس وعلى سطحها البطني، والضوء المنبعث ذو لون أزرق مخضر، وتستخدمه السمكة لجذب فرائسها من صغار السمك.
ب- سمكة الفأس: تعيش في أعماق سحيقة من البحار، ويشتمل جسمها على حوامل ضوئية تنتشر على سطحها البطني، وينبعث منها ضوء شديد يعد بمثابة كشافات تشوش على الأسماك الكبيرة المفترسة، فتبتعد هذه الأخيرة عنها فتأمن شرها، وهذه هي وسيلة الدفاع الوحيدة للسمكة.
 د- سمكة الثعبان: توجد على أعماق 800-1600 متر تحت سطح الماء، ويوجد على زعنفتها الظهرية حوامل ضوئية تنتج ضوءاً مبهراً يعمل على جذب الأسماك الأخرى الصغيرة، فتنقض عليها وتفترسها.
هـ- سمكة التنين: وهي سمكة مفترسة تعيش في أعماق المحيطات على أعماق تتجاوز 1800 متر في معظم المناطق المدارية. لها رأس كبير يشتمل على عدد كبير من الأنياب، ولها ذراع متصل بذقنها ينتهي بعضو يصدر الضوء، تستخدمه وسيلة لاصطياد فرائسها بطريقة مغرية، وتملك على جانبي جسمها أعضاء مضيئة تفيد في إرسال رسائل خلال فترة التزاوج ولجلب الفرائس أيضاً.
و- ذات الجفن المضيء: تعيش في أعماق المحيطات. لها بقعة من بكتريا مضيئة أسفل كل عين وحينما ترغب السمكة في إطفاء نورها. تعمد على إسدال طية من الجلد على تلك البقعة المضيئة.
ز- سمكة الحنش: وهي من الأسماك التي تبث ومضات كهربائية متقطعة، ويمكنها أن ترفع فرق الجهد إلى 500 فولت أحياناً، وبإمكانها أن تصعق أي كائن يسبح بقربها بما في ذلك الإنسان، وحينما يرفع الفولت فجأة يضيء ضوءاً ساطعاً كالبرق. وثمة أسماك أخرى تسلك سلوك سمكة الحنش في إرسال شحنات كهربائية تصعق بها الأعداء، أو تخيفها على الأقل. ولابد من الإشارة إلى أن بعض الأسماك والكائنات البحرية كالدلفين تتمتع بحاسة مغناطيسية تتحسس من خلالها المجال المغناطيسي وتتعرف على المنعطفات والمسالك المغناطيسية في الأعماق.
2- الرخويات والقشريان ونجوم البحر والميدوزات:
ثمة كائنات بحرية أخرى غير السمك، مثل بعض أنواع الرخويات والقشريات ونجوم البحر والميدوزات تبث ضوءاً متباين الألوان حسب أنواعها يستخدم لجذب انتباه الكائنات الأخرى الصغيرة التي تتغذى عليها. وإذا دهمها الخطر فقد تقذف خصمها برذاذ كالشرر، مثل بعض أنواع قناديل البحر.
أوضح الباحثون في جامعة هاواي الأميركية أن الطريقة التي يصدر فيها حيوان الحبار المضيء النور تحت سطح الماء تختلف تماماً عن الطريقة المعتادة التي تصدر فيها الكائنات الحية الأخرى الضوء وذكر هؤلاء الباحثون في تقرير نشرته مجلة العلم Science الأميركية، أن حبار هاواي ذا الذيل يخرج زائدة طويلة من جوفه تنشراً قدراً من الضوء عندما يبحث الحيوان عن غذائه تحت سطح مياه المحيط الهادي. وذكر الباحثون أن هذه الزيادة لا تصدر الضوء، ولكنها تعكس الضوء الذي ينتجه العضو المسؤول عن ذلك في جسم الحبار، وذكروا أيضاً أن هذه العواكس تتألف من نوع خاص من البروتين. ويعتقد أن هذا الاكتشاف يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام مصممي معدات الإضاءة بالاعتماد على الجسيمات المتناهية في الصغر (تكنولوجيا النانو) لاستخدام هذا البروتين في إنتاج عواكس ضوئية يمكن استعمالها في مناظير تحليل الطيف أو في الأجهزة الضوئية.
ونذكر من الرخويات أيضاً جناحي الأقدام، وهو حلزون صغير يشبه خوذة جنود الرومان، يعيش في المحيط الأطلسي بالقرب من مثلث برمودا. يتميز بانبساط الفصوص الأمامية من أقدامه، على شكل أعضاء رقيقه شبه جناحية يستعين بها على السباحة.
وكمثال على معائيات الجوف المضيئة نذكر بعض أنواع قناديل البحر المضيئة التي تحيل سطح البحر في أماكن تواجدها إلى شعلة من الضياء لتجذب إليها الفرائس البحرية الصغيرة.
3- الحشرات المضيئة:
يبلغ عدد الخنافس المنتشرة في جميع أنحاء العالم بحوالي 300 ألف نوع ويحصى منها حوالي 2000 نوع من الخنافس المضيئة التي تنتشر في المناطق المعتدلة والاستوائية والغابات، يوجد على جانبي السطح البطني للحشرة المضيئة عدد من الخلايا تسمى الخلايا الضوئية Photocytes وغالباً ما توجد هذه الخلايا على الحلقات الأخيرة من البطن سواء في الأطوار الكاملة للحشرة أو يرقاتها. وتتوقف كمية الضوء المنبعثة من الخنافس على كمية الأوكسجين الداخلة في التفاعل، فعندما تزيد الخنافس إنتاج الوميض لفترة طويلة، فإن المخ يعطي تياراً عصبياً إلى نهايات الجهاز التنفسي لضخ كميات كبيرة من الأوكسجين إلى داخل الخلايا الضوئية مما يؤدي إلى استمرارية انبعاث الضوء.
وتمتاز بعض أنواع الخنافس بإصدار وميض متقطع، وفي هذه الحالة يتوقف التيار العصبي بضع ثوان ويتوقف على أثرها الوميض، وحينما يعود التيار أو السيالة العصبية إلى النشاط مرة أخرى يعود الضوء من جديد وهكذا.
دعا أحد علماء الحشرات في جامعة فلوريدا بالولايات المتحدة الأميركية في إحدى ليالي الصيف، كاتب المقال إلى منزله الريفي الذي يقع وسط غابة قرب مدينة غينزفيل لمشاهدة عرس الحشرات المضيئة، وكان المشهد منظراً عجباً أشبه بحفلة ألعاب نارية قوامها عشرات الألوف من حشرات مضيئة تسكن الغابة.
فوائد ظاهرة الإضاءة
1- تستخدم الذكور هذا الضوء لجذب الإناث لعملية التزاوج، فلكل ذكر شارة ضوئية معروفة لدى الإناث التابعة لنفس النوع، فبمجرد رؤية الإناث لهذه الشارات الضوئية فأنها تعطي إشارة مماثلة للذكر الذي ينجذب إليها للتزاوج.
2- يستخدم الضوء في جذب الفرائس من الحيوانات الأصغر حجماً التي تبهر بمصدر الضوء، فتنجذب إليه، وحينذاك ينقض عليها الحيوان المضيء ويفترسها.
3- تنير الوسط المظلم حولها وتكون على بيّنة من أمرها في الحركة والنشاط.
4- تستخدم الكائنات الحية المضيئة الضوء في ترهيب بعض الحيوانات الأخرى التي تود افتراسها وقد تكون هذه هي الوسيلة الوحيدة للدفاع عن نفسها.
5- إن الضوء الصادر عن تلك الكائنات ضوء بارد، وهو طاقة 100% لكنه معدوم الحرارة.
6- أجرى علماء الطب تجارب مخبرية لاستخراج كل من صبغة اللوسفيرين Luceferin وإنزيم اللوسيفراز Luceferase من أجسام الخنافس المضيئة لاستخدامها في علاج الأمراض السرطانية وأمراض القلب والشرايين وإنتاج أمصال ضد السل الرئوي.
7- يقوم علماء ناسا للفضاء باستخراج المادتين السابقتين من الخنافس والحيوانات المضيئة الأخرى للتعرف على وجود أو عدم وجود حياة على الكواكب الأخرى التي تم اكتشافها وذلك وفق ما يلي: تؤخذ عينة من تربة الكوكب المراد اختبار وجود الحياة عليه، ويوضع عليها المركبان السابقان المستخرجان من الخنافس المضيئة، مع وجود مصدر للأوكسجين، فإذا انبعث من العينة ضوء دلّ ذلك على وجود مركب ثالث فسفات الادينوزين ATP وهو مصدر الطاقة في الكائنات الحية ولا يتواجد لدى الجمادات. فوجود ضوء في هذا التفاعل دلالة على وجود كائنات حية على سطح الكوكب، أما عدم ظهور ضوء فدلالة على نفي الحياة عن ذلك الكوكب.
إن الكهوف الموجودة في جبال التيمورين واويتومو في نيوزيلاندا تتوهج بآلاف اليرقات، وهي حساسة للصوت لدرجة أنها تطفئ أنوارها لدى سماعها أصواتاً بشرية أو حيوانية أو ضجة ما، وقد أُطلق على هذه الكهوف اسم كهوف سراج الليل. يظن الإنسان للوهلة الأولى أنها نجوم في السماء، لكنها في الحقيقة يرقات مضيئة في سقف الكهف، إذ تطير بعض أنواع الحشرات المضيئة لتضع البيوض على سقف الكهف المظلم، وبمجرد فقس البيض، فإن اليرقات الفاقسة تتعلق بخيوط لاصقة نحو الأسفل.
تصدر هذه اليرقات مع خيوط التعليق ضوءاً في الظلام. يجذب هذا الضوء حشرات صغيرة من أنواع أخرى، فإذا ما لامست تلك الخيوط اللاصقة، تم وقوعها في المصيدة، وحينذاك تبادر اليرقات إلى افتراسها.
وخلاصة القول
تُصدر بعض الكائنات الحية ضوءاً ليس بلون واحد، وإنما على عدة ألوان كالأحمر والأزرق والأرجواني والأصفر المخضر وسوى ذلك وفقاً لأنواع الشوارد المعدنية الموجودة في الخلايا الضوئية في جسم ذلك الكائن. ولكل كائن مضيء لون مصابيحه المميز، وكذلك فترات نبضاته الضوئية التي قد تكون مستمرة أو متقطعة، أو على شكل ومضات سريعة وتعد هذه الشارات الضوئية بمثابة الهوية واللغة التي يجري التخاطب بها بين أفراد النوع الواحد. وقد تستخدم الظاهرة الضوئية لدى بعض الكائنات المضيئة في عملية الترهيب أو الدفاع عن النفس أو لجلب الفرائس.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 3939 مشاهدة
نشرت فى 25 يناير 2012 بواسطة lobnamohamed

ساحة النقاش

المهندسة/ لبنى نعيم

lobnamohamed
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

704,989