يخضع الخطاب العربي المعاصر منذ النّصف الثاني من القرن العشرين لسيطرة المسلّمة القائلة بالامتلاك التام للحقيقة ونفيها عن الآخر، وقد برزت مع هذا الاعتقاد صراعات عديدة بين المدارس الفكرية العربية المختلفة، ولعلّ إشكالية التّراث والحداثة هنا من أبرز دوافع هذه الصّراعات، "... فالحداثيون يرون الآخرين ظلاميين ورجعيين ومتخلّفين وماضويين وسلفيين وغير علميين...إلخ. ودعاة الأصالة على تعدّد مفاهيمها يرون الآخرين متغربين، وأنصار الاستعمار، وعملاء الإمبريالية، أو مرتدين أو كافرين أو جاهليين..إلخ"*.
إنّ مثل هذه المواقف تخلق تمزّقًا بين النخب الفكرية العربية المختلفة، وتعكس استبدادًا أو عصبية فكرية تفسّر بوضوح سبب تخلّف الخطاب العربي المعاصر، ذلك أنّ كلّ طرف يرى أنّه المالك الشرعي الوحيد للحقيقة، وأنّ الآخر متطفّل لا يملك منها شيئًا، وهو ما ".. يؤدّي إلى نزع شرعية الوجود عن الآخر بغض النظر عن ماهية هذا الآخر وفكره وطبيعته"*.
ويبرز هذا الموقف بوضوح من خلال توظيف تلك اللّغة المتعالية، النافية للآخر، المؤسّسة على الادّعاء المطلق للحقيقة، وكلّها عناصر تساعد على انتفاء أهم ميزة يجب تحقّقها بالفكر والعلم وهي الموضوعية، فحرية التفكير لا تعني إقصاء الآخرين، وحرية التعبير لا تعني الإساءة إليهم، كما هو الحال في بعض المعارك الفكرية والحوارات السياسية وللأسف الشديد بين بعض التوجهات الدينية أيضًا. وهو ما ينعكس سلبًا على الخطاب ومتلقيه ونتائجه أيضًا، فضلاً عن إضاعة الوقت والفائدة معًا وخلق جوّ مكهرب مليء بالحساسيات الفارغة.
إنّ مثل هذه المسلّمات تشكّل دافعًا قويًا للتفرّق الذي تغذيه النظرة الاختيارية والقراءة التجزيئية لتاريخنا الثقافي، ما يجعله" تاريخ الاختلاف في الرّأي وليس تاريخ بناء الرّأي"*.
وإنّ الانقياد وراءها يشتت جهودنا ويضيّعها ويزكّي العداء بيننا، كما "... يصرفنا عن اكتشاف الكلّ الذي يحمل فعلاً الوحدة الثقافية العربية. ذلك أنّه وراء تاريخ الاختلاف والتعدد والصّراع والانفصال يثوى تاريخ الوحدة والتكامل والاتّصال. وإذن فعلى أنقاض تاريخ الأجزاء الممزّق المبعثر، يجب أن نبني تاريخ الكل"*، ولا كلّ دون وحدة ولا وحدة دون اتّفاق.


ساحة النقاش