الخطاب الوجداني ومنه الخطاب الشعري علامة حياة، تدرأ عن النفس ما قد يفضي إليه الإغراق في التفكير أحيانا، من جدب في الإحساس وجفاف في الشعور، على النحو الذي يومئ إليه قول أبي القاسم الشابي:

عش بالشعور وللشعور فإنما
دنياك كون عواطف وشعور
شيدت على العطف العميق وإنها
لتجف لو شيدت على التفكير
وهو أيضا أداة عافية وسلامة للنفس، وإن كان معظم ما يصدر عن الوجدان -في تقديري المتواضع- مترجما لهمومه وغمومه، إلا أن العافية هنا واقعة من باب "وأخرجت الأرض أثقالها" إذ للنفس أثقال وجراح إذا ما أخرجتها استراحت من كلومها، وقديما عبرت العرب عن هذا المعنى بحكمة بليغة مؤداها "الصدر إذا نفث برؤ" وكثيرا ما استعارها الشعراء ، وعلى الخصوص في مقام الشكوى بنحو قولهم:ولابد من شكوى إذا لم يكن صبروالخطاب الوجداني ومنه الخطاب الشعري وتلقيهما، كل ذلك أيضا أمارة توازن في النفسية، وفي الشخصية التي ينبغي أن توظف كل قواها وجدانية وعقلية، وبشكل متوازن، عسى أن تدفع عنها ما يمكن تسميته بفساد المزاج، على نحو ما أثر من قول بعضهم "من لم يهزه الربيع بأنواره، والعود بأوتاره، والروض بأزهاره، فهو فاسد المزاج، وليس له علاج"
وأحسب أن ثمة إشارات قرآنية بليغة بخصوص هذا المعنى، أعني التوظيف المتوازن لكل من قوى الفكر وقوى الوجدان، وهي بحاجة إلى تذوق وتبصير، أكثر منه إلى شرح وتفسير، من ذلك ما ورد في المائدة في سياق الإحساس بالخشوع لجلال المولى عز وجل "ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق" إذ البكاء من خشية الله سبحانه بهذا التصوير المهراق رقة ورونقا، إنما يؤول إلى أمر فطري وجداني، بينما معرفة الحق غالبا ما تؤول إلى أمر عقلي برهاني.
وبعد، فهذه مجرد تذوقات لبعض أبعاد الخطاب الوجداني عامة والشعري خاصة، لا أدعي بها خبرة نقدية ولا ملكة شعرية، فلست بذاك لا في العير ولا في النفير، لا بالفعل ولا بالقوة، وإنما هي من باب قوله عليه السلام "رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 4 يناير 2013 بواسطة ibrahimrabee

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

المكتبة الاسلامية

ibrahimrabee
»

عدد زيارات الموقع

20,036