تتصارع القوى مع بعضها البعض تصارعاً دائماً على مدى التاريخ، ولا يشك عاقل أن ما تنتجه الصراعات هو دائماً ما يكون الواقع الذي لا مفر منه سوى بأن تقف الشعوب وقفة جماعية حتى تستطيع تغيير الأمر الواقع وفرض إرادتها تحت راية تؤمن هي بها أولاً وتقدم نفسها وقوداً حتمياً لإزالة الواقع المفروض عليها.. من قوى خارجية كانت أو ذيول لها.. ولكي تتمكن القوى الشعبية من التصدي للواقع السيئ يجب عليها أولاً أن تعي حجم المأساة وأن تدرك أن العاطفة وحدها لا تنفع.. وأن في حالات الطيش والتسرع يمكن لعدوها أن يتسيدها أكثر وأكثر.. فإيقاع المرء في مالا يحب له طريقة واحدة وهي إيهامه بأن هناك طريقة أخرى توصله للطريقة التي يحب.. فيذهب إليها راضياً مرضياً فيقع في مأزق مساعدة عدوه على هزيمته..
ولأن الطريق المستقيم ليس له سوى اتجاه واحد.. فهذا يدل على أن من يتبع طريقاً أخر يعني أنه أعوج طريقه.. ولا سبيل للنجاح سوى بعودته لما تركه..
ولما عنونا المقال بالخطر العربي القادم.. كان علينا أن نوضح ما هو الخطر- من عروبتنا - وما هو الطريق القويم الذي إذا اتخذناه أوقفنا الخطر.. وتلك لها معايير كثيرة ترتكز ارتكازاً رأسياً في مفهوم الوعي.. وإدراك الشعب العربي لجذور المشكلة.. وإزالة الغمامة التي وضعتها الأيادي الشيطانية على عيون وعقول المثقف والعالم ومن ثم تصل للمتلقي العربي البسيط الذي لا تعنيه أمور السياسة والفكر بشيء بقدر ما تعنيه ظروف المعيشة والغلاء ويسلم عقله وفكره لمن يعتبرهم أهل لهذا العمل..
ولأن تغييب الفكر العربي أصبح موسوماً ومرتبطاً ارتباطا شبه كلياً بالعقول العربية، ولا أتجنى على أحد حين أقول أن الخطر على العرب الآن هو من العرب أنفسهم.. وذلك نتيجة تراكمية لما تم في عصور شتى من تضليلهم باسم العلم.. و تعويجهم باسم الثقافة.. و تفريقهم تحت شعارات الوحدة.. والتي تصبح مجرد شعاراً بفقدان معلنه.
استطاع أعداء العروبة دراسة الشخصية العربية دراسة عميقة واكتشفوا من خلال دراستهم نقاط القوة ونقاط الضعف بها.. فكل شخصية تحمل متناقضاتها داخلها ولها مالها وعليها ما عليها.. فكان لزاماً عليهم أن يظهروا نقاط الضعف و يمحو نقاط القوة.. وهذا الأمر ليس بالأمر الهين.. بل كانت مهمة شاقة وعويصة.. كلفتهم من الوقت الكثير.. فكان لهم أن يجندوا ضعفاء النفوس و الباحثين عن شهوة الشهر والجاه من مثقفي الأمة من الطبقات الدنيا خاصة والطبقات المهمشة أو الطبقات التي أزالتها الأنظمة المتعاقبة ليبارزوا بهم المثقف الوطني الحقيقي.. فكانت المناهج الدراسية منذ فجرها إلى الآن تعلم التلاميذ والطلاب مناهج التشتيت بين ما هو موجود وما هو مفروض.. وكيف استطاع كتاب التاريخ تزييف الحقائق أو تغيب بعضها على حساب البعض الأخر وبالطبع تعميق الهوة في الشخصية العربية والتركيز على سلبياتها و طمث قوتها لتظهر صورة العربي في عقل الطالب العربي أنها شخصية غير سوية.. فينهرها.. وإذا نهرها أصبح عدو ذاته.. عميلاً لعدوه..
وهنا أذكر مثالاً واضحاً ذكرته في بعض الحوارات التي تحدث بيني وبين بعض المثقفين الأصدقاء..
قلت أننا في دراستنا التاريخ درسنا (الحملة الفرنسية على مصر) وهو احتلال أجنبي لأرضنا.. ولا داعي أن نذكر كيف يتعامل المحتل مع الشعوب المحتلة.. خاصة إذا كان الاحتلال احتلالا عسكرياً.. كان سؤالي الذي لم أجد له إجابة مقنعة حتى الآن.!!
كيف بعد دراستنا لهذه المرحلة المشئومة أن نخرج ونحن نحب (فرنسا) بل ونتغنى بما حققه الاحتلال هذا العدو الذي احتل أرضنا ونهش عرضنا و استلب من خيرات بلادنا ما شاء.. في الوقت الذي يرانا به الغرب أننا نحن المتوحشين وسفاكي دماء؟؟
ألا يثير ذلك حفيظة كل من له علاقة بالفكر ؟
وإن دل هذا على شيء يدل على طريقة صياغة التاريخ.. وكيف لكاتب التاريخ أن يمحو العداوة ويضع مكانها المحبة بطرق ملتوية.. لا شك أننا الآن لسنا تحت نيران الإحتلال ولا يوجد عداء بيننا وبين فرنسا.. ولكن السؤال لا زال قائم.... كيف استطاع كاتب التاريخ أن يخرجنا بعد دراستنا لهذه المرحلة ألا نتخذ هذا المحتل عدواً.. بل ونخرج محبين له؟؟!!! فهل ننتظر غداً أن يكتب التاريخ العربي همجية العرب ونذالتهم والتجني على "يهود العالم" حين اغتصبوا أرض عربية لإقامة وطنهم المزعوم ؟!!
إن الحرب الفكرية من وجهة نظري أقوى وأعمق من تلك التي تدار بالمدفع والرصاص.. لأن نتيجة الأخيرة الموت أو الحياة المباشرة.. أما نتيجة الأولى فهي باقية وسائرة بلا توقف.. وأن مداها لن يوقفه سوى قلم شريف محب لوطنه.. عارف بالحقيقة.. لا ينتظر أن يحمد ولكن ينتظر أن يجلى الحقائق وتكون رسالته هي تاجه الحقيقي لا أي شيء أخر..
نحن الآن في مصيدة العدو.. نقف أمام بعضنا البعض نتبارز ونتقاتل من أجل لا شيء.. وهو يحصد من تلك المبارزات ما يشتهي.. والواجب على الأقلام الشريفة أن تتحد وتقف أمام عدوها الواضح كوضوح الشمس في عز النهار.. وأن نتفق أن نتفق وبيننا الخلاف من اجل الاتفاق.. وليس الاتفاق من أجل الاختلاف.. تلك الحقيقة المؤلمة التي من خلالها يغزونا الفكر الصهيوني من حيث لا ندري ولا نعلم.. فنكون غوغاء.. لا حكماء..
الحكمة قبل الكلمة.. هذه المقولة من تراثنا العربي فهل نفعلها.. كي لا يكون الخطر العربي مدمرنا لعروبتنا.. وأن يكون الخطر العربي على عدونا الحقيقي لا المصطنع.. أو المتوهم..
والحديث لا ينتهي
فللحديث دائماً بقية


ساحة النقاش