( 2) نظرية العرض والطلب وخرافة جهاز الأسعار
إنتهينا فى مقالتنا السابقة إلى عرض علم الإقتصاد التقليدى لنظرية العرض والطلب وطريقة تحديد الأسعار التوازنية بأسواق السلع والخدمات ، ونكرر أن وصفنا لعلم الإقتصاد بصفة " التقليدى " إنما نقصد به كافة الدراسات والأبحاث الإقتصادية من لدن أدم سميث وحتى نهاية تسعينيات القرن العشرين ، حيث بدأت مقاربات عديدة تدخل على الإقتصاد ، وهذه المقاربات إنما جاءت على خلفية الشك والريبة فى علم الإقتصاد من أساسه ومنهجية البحث فيه .
وقلنا فى مقالتنا السابقة وفقا لمنظور علم الإقتصاد التقليدى أن الكميات مطلوبة كانت أو معروضة إنما هى دالة للأسعار ، أى أن الأسعار متغير مستقل والكميات تابعة ، وكأن الأسعار بجهازها المجازى والذين اخترعوا كذبته الإقتصاديون – نقول- كأن هذه الأسعار قدرا مقدورا لا سبيل لتغييره أو التلاعب فيه لأنه من صنع جهاز السوق الذى لا يخطىء ويوزع بالعدل الثمرات عاكسا بذلك المنافع للطلب والندرة للعرض ولكن هل سألت نفسك أخر مرة إشتريت فيها شيئأ ..
من الذى حدد السعر الذى دفعته ؟
إن قلت السوق وهذا ما تعلمناه من قبل .. ولكن ماذا لوقلت لك ما علمونا إياه خطأ منهجيا عمره أكثر من مئتى عام !! ، إن النظرية الكلاسيكة بعلم الإقتصاد التقليدى منذ أدم سميث وحتى اليوم يقدم علم الإقتصاد التقليدى نظرية العرض والطلب على النحو التالى :
السعر هو المتغير المستقل .. والكميات تابعة له ، بمعنى : السعر يرتفع فتقل الكميات المطلوبة والسعر ينخفض فتزيد الكميات المطلوبة ، وكأن السعر قوة خفية ( مذهب اليد الخفية لدى أدم سميث ) تتحكم فى كل شىء وأطلقوا عليه إسما رنانا " جهاز الأسعار " وكأنه جهازا حقيقيا له أزرار وشاشات ومحركات !! ولكن : الواقع يقول ماذا ؟ دعنا نتأمل ما يحدث فعلا فى أى سوق حقيقى :
<!--الجفاف يضرب محصول القمح أولا فيرتفع السعر .
<!--المصنع يوسع طاقته الإنتاجية أولا ينخفض السعر .
<!--الحرب تقطع الإمدادات للنفط أولا فيرتفع السعر .
فالكميات هنا متغيرا مستقلا والسعر متغيرا تابعا لها فأين جهاز الأسعار الذى يتحكم فى كل شىء ؟ لقد حصروه واختصروه فى عبارة " الجهاز يعمل مع ثبات العوامل الأخرى " إن الجهاز لا يعمل إلا حدث الموت المؤقت لكل العوامل فى البيئة المحيطة به وهذا محال بالطبع .
ولكن هناك ما هو أعمق من هذا وحتى لو قبلنا جدلا أن الكميات والأسعار متشابكة ومترابطة يبقى السؤال الجوهرى : كيف يتحدد السعر فعلا ؟ هل يتحدد تلقائيا كما تدعى النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى ؟ بالطبع لا ولكن كما برى من خلال رؤيتنا السعر فى الواقع يمر بمرحلتين متتاليتن :
<!--المرحلة الأولى : سوق الجملة
فى هذه الرحلة يأتى العرض إلى أرض السوق بسعر مبدئى ، وهذا السعر المبدئى جاء من معلومة لدى جانب العرض وذلك عن السوق ، أو التوقع ، والخبرات المتوفرة لدى العرض ، التكاليف ، المنافسة من قبل الأخرين ، ولكن هذا السعر ليس نهائيا ولكنه مجرد إقتراح لا أكثر وبالتالى يكون معلومة متوفرة يبنى عليها .
<!--المرحلة الثانية : سوق التجزئة
وهنا يظهر الحكم الحقيقى حيث يأتى جانب الطلب للسوق وهو ما أطلقنا عليه : إرادة الطلب ، فإرادة الطلب إما تصدق السعر لدى العرض أو تكذبه فيتراجع العرض أو يعيد حساباته .
فالفكرة الجوهرية هنا : العرض يملك معلومة ( السعر المبدئى ) .. والطلب يملك القرار لا مجرد إستجابة ، وبالتالى السعر ليس نتاج ألية تلقائية كما تصور النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى بل هو عملية تفاوضية فى مرحلتين تنتهى بحكم إرادة الطلب ، ومن هنا يسقط جهاز الأسعار .
خرافة جهاز الأسعار
إن هذا الجهاز الخرافى والذى لا يملك أزرارا ولا شاشات ولا يعمل بمحركات تلقائية بل يعمل بإرادة بشرية ( إرادة الطلب ) وهذه الإرادة البشرية لها :
<!--دوافع نفسية – قرارات جماعية – ظروف إجتماعية – قوة تفاوضية .. وكل هذا تميته النظرية بعلم الإقتصاد التقليدى بجملة واحدة " مع ثبات العوامل الأخرى " والتى لا نملك أمامها حولا ولا قوة .
وخلاصة القول : أن النظرية بعلم الإقتصاد الكلاسيكى بنت صرحا رياضيا ضخما على إفتراض واحد خاطىء : أن السعر متغير مستقل يحرك الكميات ، والواقع يثبت أن : الكميات تتغير أولا ، ثم يأتى السعر كنتاج تفاوضى تصادق عليه أو ترفضه إرادة الطلب والتى يرضخ لها العرض بدلا من عدم الحصول على شىء البتة .


