الظواهر الإقتصادية والرياضيات الوصفية
العلوم الطبيعية وتناولها الظواهر الطبيعية ، تستطيع أن تصل إلى متغيرتها الحاكمة ، وبالتالى يكون فى مقدورها السيطرة عليها ، والوصول إلى صياغة نماذج دقيقة تربط بين هذه المتغيرات وبعضها البعض ، بصورة يسهل معها التنبؤ بسلوكها فى المستقبل والإحتياط لنتائجها ، وكذلك عمل تطبيقات عملية تيسر على الإنسان القيام بأعمال شاقة ، تغنى عن مئات من العمال ، كأعمال الشق للترع والقنوات ، والوصول بالحفر للأعماق البعيدة تحت سطح البحر بدونها يبدو الأمر مستحيلا .
العلوم الإجتماعية وتناولها الظواهر الإجتماعية ، تصل لمعرفة متغيراتها شأنها شأن العلوم الطبيعية مع الظواهر الطبيعية ، ولكن ليس فى المقدور عمل نماذج دقيقة للربط بين هذه المتغيرات ، رغم الوصول إلى معرفتها بصورة غير حصرية بالطبع ، ويترتب على هذا صعوبة التنبؤ بسلوك الظواهر الإجتماعية بصورة مستقبلية ، على خلاف النماذج المستخدمة فى الظواهر الطبيعية .
ولعل دراسة وتناول الظواهر الطبيعية أسهل بكثير من تناول ودراسة الظواهر الإجتماعية ، ففى مقدورنا أن ندخل الظواهر الطبيعية المعامل للتجريب ، وعمل بيئة مشابهة تماما للبيئة التى تحدث فيها الظاهرة الطبيعية ، بل فصل متغير عن المتغيرات الأخرى ، وبالتالى معرفة تأثير ما تم فصله من متغيرات على المتغيرات الأخرى ، وصياغة ذلك فى صورة نماذج رياضية دقيقة ، ومن هنا جاءت المتغيرات والثوابت فى العلوم الطبيعية .
أما دراسة الظواهر الإجتماعية فمن الصعوبة بمكان أن ندخلها المعمل للتجريب ، وعمل بيئات مماثلة للبيئة التى تحدث فيها ، حتى فى ظل عمليات التجريد بتثبيت بعض العوامل – نظريا – وتغيير البعض الأخر منها فى الظاهرة الإجتماعية ، وصياغة نماذج رياضية – تقليدا ومحاكاة للعلوم الطبيعية – جامدة من حيث الصياغة ، وهاشة ورخوة فى الواقع العملى ، بل بنيت عليها فروعا فى العلوم الإجتماعية ، كالإقتصاد الرياضى والإقتصاد القياسى ، كلها معادلات رياضية ونماذج قياسية بعيدة كل البعد عن واقع الحياة وإن كانت أنها تدعى أنها دراسة لواقع حياة البشر إجتماعيا وسياسيا وإقتصاديا .
والظواهر الإقتصادية كالظواهر الإجتماعية التى تتناولها العلوم الإجتماعية بالدراسة والبحث ، وينطبق عليها ما قلناه سابقا ، بل وصل حال الباحثين فى الظواهر الإقتصادية إلى الوقوع فى فخاخ ! أسلمتهم إلى أزمة حقيقية فى العلم الذى يهتمون به وينتسبون إليه ، وذلك لما أسميناه من قبل بفخ المنهجية وفخ الحتمية وفخ التلقى ، وقد اشرنا من قبل تفصيلا فى ورقة سابقة تحت عنوان " أزمة علم الإقتصاد والفخ المنهجى .. من أدم سميث وحتى الوقت الحاضر " وتم نشرها على موقع كنانة أون لاين , ولا داعى لتكرار ذلك هنا .
وأمام هذا تم عمل مقاربات علمية للخروج من هذه الأزمة التى أحاطت بعلم الإقتصاد ، الذى يتناول الظواهر الإقتصادية ، ولكن هذه المقاربات تناولت الظواهر الإقتصادية كظاهرة إجتماعية بحتة ، بعيدا عن النماذج الرياضية والقياسية كالمقاربات التى تندرج تحت منهجية الإقتصاد السلوكى ، وكانت قناعتنا من قبل ومنذ أن وطأت أقدامنا دراسة علم الإقتصاد ، أن أى تقدم فى العلوم النفسية وخصوصا التى تتناول السلوك الإنسانى ، يصب فى تقدم العلوم الإجتماعية عامة وعلم الإقتصاد بصفة خاصة ، ذلك أن زيادة فهمنا لسلوك الإنسان يؤدى بالتبعية لفهم أعمق للظواهر الإقتصادية لأن محركها ومبعثها هو الإنسان ، وبالتالى فهم سلوك الإنسان والتقدم فى أبحاثه ، هو تقدم فى فهم الظواهر الإقتصادية وبالتالى وضع أساس سليم لعلم الإقتصاد على أرضية أكثر ثباتا لا رخوة تتعرض ما بين الحين والأخر لهزات فكرية يعقبها زلزالا يدمر ما تم بناؤه من نظريات .
وامام هذا الوضع لا يمكن أن نحرم الظاهرة الإقتصادية نظرا لتفردها عن الظاهرة الإجتماعية ، بنصفها الكمى والأخر الكيفى ، لا يمكن أن تحرم من الصياغات الرياضية ، والتعبير عن متغيراتها فى صورة نماذج رياضية تضاهى الواقع وتحاكيه ، هذه النماذج تعمل على توفير البيئة المواتية للظاهرة الإقتصادية لدراستها ، بحيث لا يتم عزل متغيرا واحدا عن هذه البيئة المواتية ، ولا يمكن معه إستخدام المقولة الشهيرة ".. مع ثبات العوامل الأخرى .." حيث طالما نستخدم ذلك ، ولا نستطيع أن نثبت مثل هذه العوامل الأخرى ، أضحى علمنا هو علم داخل قاعات الدروس ويتم محوه من الواقع بمجرد محو معادلات من على سبورة قاعدة الدرس . ثبات العوامل الأخرى معناه فى الواقع ثبات الحياة ! ثبات إستمرارية الحياة ، ولقد ثبت الإقصادى واقع الحياة لكى يثبت صحة معادلة خطية من الدرجة الأولى تربط بين متغيرين كالسعر والكمية المطلوبة على سبيل المثال لا الحصر ، واضحت معادلة صحيحة على السبورة فى حين واقع الحياة يقول بغير ما حاول إثباته ، وكل هذا سببه أننا لم نصل بعد لعمل نماذج حقيقية تحاكى الواقع وتضاهيه ، نماذج تستوعب متغيرات الظاهرة الإقتصادية بكل ما فيها قدر الإستطاعة والعمل عليها وهى تعمل كما هى فى واقع الحياة المعاش .
هذه النماذج للظواهر الإقتصادية التى تحاكى الواقع وتضاهية ، إنما تستند على رياضياات أخرى نطلق عليها " الرياضيات الوصفية " بعيدا عن منطق " الرياضيات الحتة " وفرق كبير بين منطق الرياضيات الوصفية ومنطق الرياضيات البحتة ، ويتمثل ذلك فى أن الأخيرة تعتمد على الحتمية فى الحدوث والتزامنية بين السبب والنتيجة ، وأن الأخيرة لا تمثل الظواهر الإقتصادية ولا تعبر عنها ، إذ أن العلاقة بين السبب والنتيجة فى الظواهر الإقتصادية ليست حتمية ولا تزامنية بل هناك فترة تاخير ( إبطاء ) بين حدوث الفعل ونتائج تترتب على هذا الفعل ، قد تمتد لشهر أو عدد اشهر أو عام أو أكثر حتى تحصل على ما تريد ، وهذا ما يمكن أن توفره " الرياضيات الوصفية " والتى من خلالها يتم عمل نماذج رياضية كاملة ومتكاملة بعيدا عن العددية ولكن توفر هيكلا له " نظام ومنظومة " لشرح ميكانيكية العمل بين المتغيرات الإقتصادية وعدم الأخذ فى الإعتبار ما نسميه بالتفرقة بين ( المتغيرات الداخلية ) و( المتغيرات الخارجية ) داخل النموذج ، ففى الرياضيات الوصفية سنعتبر الكل ( متغيرات داخلية ) تؤثر فـــى غيرها وتتأثر بغيرها ، فالنموذج من خـــلال الرياضيات الوصفية ماهو إلا ( حزمة ) من المتغيرات المتداخلة مع بعضها ودور الإقتصادى هو خلق نوع من التوافقية بين هذه المتغيرات بحيث يخلق الإنسجامية بينها ، بحيث يضعف إتجاه أى متغيرات تعمل ضد ما يراد الوصول إليه ، ويقوى من إتجاه أى متغيرات تعمل فى إتجاه ما نريده من نتائج .
فالنموذج من خلال الرياضيات الوصفية هو نموذج يتوقف على روح الفريق فى وضعه حتى وإن أدى الأمر إلى الإستعانة بأخرين علوم أخرى طبيعية كانت أو إجتماعية ، فالظاهرة الإقتصادية تعمل فى بيئة تتفاعل فيها كل الظواهر مع بعضها البعض سواءا كانت طبيعية أو إجتماعية أو سياسية أو ثقافية ، فيكفى فى نموذج الرياضيات الوصفية للظواهر الإقتصادية أن نصف الإتجاه العام بين المتغيرات وبعضها البعض ، ومــا نأخذه من هذه النماذج هو رسم ( حزمة ) سياسات مواكبة لهذه المتغيرات تنظم عملها ، وذلك لأن الفعل فى الظواهر الإقتصادية – من فضل الله – ليس قدرا مقدورا كالبرق والرعد ، ولكنه سلوكل إنسانيا قابلا للتعديل ، وللتوسيع والتضييق ، وللهبوط والصعود ، هذه السياسات داعمة للنموذج وللنتائج المراد الوصول لها .
وأخيرا ربما كاتب المقال ليس لديه أمثلة جاهزة كى يقدمها ولكن هناك جوانبا يقوم على دراستها وتقديمها وفقا لرؤيته السابقة بإستخدام الرياضيات الوصفية ، علها تكون مدخلا جديدا لفهم ما يدور حولنا من ظواهر إقتصادية بعيدا عن الحتمية والتزامنية التى تقدمها لنا الرياضيات البحته داخل النظرية الإقتصادية .


