تمثل الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر حالة خاصة من حالات المجتمع المدني في مصر، حالة أكثر فعالية وحضورا في الشارع المصري، لتغلبها على معوقات العمل الأهلي من نقص عدد المتطوعين أو مشكلة التمويل، وقدرتها علي إنتاج أدوات ووسائل جديدة في مواجهة هذه المشاكل. ففي الوقت الذي يبدو فيه المجتمع المدني في مصر ضجيجا بلا طحن، ففي حين توجد ستة عشر ألفا ( 16 ) ألف جمعية أهلية وثلاثة ملايين متطوع يعملون بها، لا يزيد عدد الجمعيات الفاعلة منها عن بضع مئات، كما لا يزيد عدد النشطاء الفاعلين عن عدة آلاف ... لذا كانت الجمعيات الأهلية ذات الصبغة الإسلامية تمثل جناحا نوعيا متميزا داخل هذا الفضاء الشاسع. فمنذ ظهورها المبكر مع نهايات القرن التاسع عشر وبروزها في فترات متقطعة علي مدار القرن العشرين حتي بروزها الأخير في منصف السبعينات وحتى الآن نجحت هذه الجمعيات في الامتداد الأفقي لخدمة قطاعات منتشرة من الجماهير عن طريق الأنشطة المختلفة وإقامة العديد والكثير من المشاريع الخدمية والتعليمية وملء كل فجوات الفراغ التي تركتها الدولة المصرية وراءها في سعيها الحثيث نحو الإصلاح الاقتصادي وسياسات التكيف الهيكلي، ورغم ما قد تتعرض له هذه الجمعيات بين الجمعيات بين آن وآخر من إجراءات أمنية وبيروقراطية تصل إلي الحل وتطبيق عقوبة الحبس للقائمين عليها، إلا أن ارتفاع نسبة هذه الجمعيات لسائر الجمعيات ( 35% من مجموع الجمعيات في مصر سنة 2002 ) يؤكد أنها ظاهرة وحركة اجتماعية مرنة وقادرة بمكوناتها الدينية المختلفة على الاستمرار والتغلب على مختلف مشاكلها . ولكن نلحظ علي دراسة هذه الجمعيات منطق تعميمي وإطلاقي ناتج عن الرؤى المسبقة والأدلجة الفوقية التي تنتج وعيا زائفا بها من قبل الكثيرين من أفراد النخبة المثقفة في مصر فضلا عن النخبة السياسية، من هنا كانت ضرورة الدراسة الإمبريقية التي تحاول هذه الورقة الكشف عن نتائجها من خلال عينة من الجمعيات الإسلامية تمثل مختلف الاتجاهات داخل ظاهرة العمل الأهلي الإسلامي سواء حسب الرؤى أو حسب الارتباط بحركة الإسلام السياسي أو الارتباط بالسلطة أو غيرها. فاعتماد هذه الجمعيات علي المكون الديني في أغراضها وأنشطتها وخطابها أصابها من وجهة نظر بعض المراقبين والدارسين بشىء من الافتراء والاختزال الذي تنتجه الايدولوجية والمنطق الاقصائي أكثر مما تنتجه إرادة المعرفة الحقيقية الموضوعية. ولعل الحملة الضروس علي الجمعيات والمؤسسات الإسلامية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واتهامها بالارتباط بتنظيم القاعدة أو الإرهاب، مظهر واضح وجلي علي هذا المنطق ... ولكن قبل الالتحام مع اشكاليات العمل الأهلي الإسلامي المختلفة نرى ضرورة تحديد وضبط تعريف الجمعيات الأهلية الإسلامية في ظل تأخر دراساته وندرتها رغم كثرة الجدل حولها.

