قوارب الموت في المتوسط
لم تعد الحروب وحدها هي التي تحصد الأرواح وتدفع البشر إلى المجهول، فهناك حربٌ أخرى صامتة، تدور بعيدًا عن عدسات الكاميرات، بطلها الفقر واليأس، وضحاياها آلاف الشباب الذين يتركون أوطانهم بحثًا عن حياةٍ أكثر كرامة خلف البحر.
إنها رحلة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، الرحلة التي باتت تُعرف بين الناس باسم: رحلة قوارب الموت.
في كل ليلةٍ معتمة على السواحل الليبية، تتجمع وجوهٌ متعبة تحمل أحلامًا أكبر من أعمارها. شبابٌ أنهكتهم البطالة، وأسرٌ دفعتها الحاجة إلى بيع ما تملك من أجل فرصةٍ أخيرة للنجاة من واقعٍ قاسٍ. هناك، في المرافئ المهجورة، يقف “تجار الموت” يبيعون الوهم للفقراء، ويعدونهم بأن شواطئ إيطاليا ليست بعيدة، وأن أوروبا هي الباب المفتوح نحو المستقبل.
لكن الحقيقة تختلف كثيرًا عن تلك الوعود.
القوارب التي تنطلق نحو الشمال غالبًا ما تكون متهالكة، لا تصلح حتى للصيد القريب، فكيف بعبور بحرٍ عميقٍ ومتقلب مثل المتوسط؟ ومع ذلك تُحمَّل بأعداد تفوق قدرتها بأضعاف، رجال ونساء وأطفال يتكدسون فوق ألواح خشبية رقيقة، بينما يبتلع الخوف أصواتهم منذ اللحظة الأولى للإبحار.
في تلك الساعات الطويلة، يصبح البحر عالمًا بلا رحمة.
الأمواج العالية، ونقص الوقود، والعطش، والجوع، والبرد، كلها تتحول إلى أعداءٍ خفية. ثم تبدأ المأساة الحقيقية عندما يتعطل القارب أو تنقلب به الأمواج، فيسقط الركاب في ظلام الماء، دون صرخات يسمعها أحد.
كثير من التقارير الإنسانية تشير إلى أن فرص النجاة في بعض هذه الرحلات ضئيلة جدًا، بينما يختفي المئات كل عام في أعماق المتوسط دون أثر، كأن البحر ابتلع أسماءهم وذكرياتهم معًا.
وتبقى العائلات في الوطن معلقة بين الأمل والخوف، تنتظر اتصالًا قد لا يأتي أبدًا.
إن المأساة لا تبدأ عند البحر، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ عندما يفقد الإنسان حقه في العمل، وعندما تتحول البطالة إلى جدارٍ يسد كل طريق، وحين يشعر الشاب أن المستقبل أُغلق في وجهه. عندها يصبح البحر، رغم رعبه، أقل قسوة من البقاء بلا أمل.
الهجرة ليست حلمًا بالمغامرة كما يظن البعض، بل هي صرخة يأس.
والذين يركبون تلك القوارب لا يبحثون عن الثراء، بل عن فرصة للحياة فقط. لكن “تجار الموت” يستغلون هذا اليأس، فيحولون أحلام الناس إلى تجارة مربحة، غير عابئين بمن يغرق أو بمن ينجو.
ويبقى البحر المتوسط شاهدًا على واحدةٍ من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث؛ بحرٌ كان يومًا طريقًا للحضارات والتبادل الإنساني، فأصبح مقبرةً مفتوحة للفقراء والحالمين.
ولعل السؤال الذي يظل معلقًا فوق أمواج المتوسط هو:
كم إنسانًا يجب أن يموت حتى يدرك العالم أن معالجة الهجرة لا تكون بإغلاق الحدود فقط، بل بإحياء الأمل في أوطانٍ أنهكها الفقر والحروب والبطالة؟
الدكتور حسن عثمان دهب
Dr Hassan Osman Dahab
'Copenhagen university


ساحة النقاش