الفصل الأخير...
هبطت الطائرة على أرض مطار ألماظة الحربى ،أفاق ابراهيم على قول ضابط المخابرات رؤوف شامخ : حمد الله على السلامة يا بطل !
فتح ابراهيم عينيه و نظر عبر النافذة ثم استنشق الهواء بعمق، هواء الوطن الذى غاب عنه طويلاً،اغرورقت عيناه بدمعات رقيقات و هو يهمّ بملامسة الأرض بقدميه بعد نزوله من الطائرة ، لم يتمالك نفسه عند هذه اللحظة و جثى على قدميه يتحسس تراب الأرض على جانب ممر الهبوط ثم قال للضابط الواقف خلفه فى صمت الرهبان :
- أصعب حاجة لما الفكرة كانت تخطر عليا إنى هاموت بعيد عن ترابها.
وضع جبهته على التراب و مرغ أنفه فيه ثم قال :
- دلوقتى أموت و أنا مستريح !
- احنا ما اتفقناش على كده ،أنا أسلمك الأول لوزير الدفاع و بعدين تعمل اللى انت عاوزه بعدها .
أقلتهما سيارة جيب إلى الصالة الملحقة لاستقبال الزوار فى المطار ،سأله الضابط بعد أن أخذ مجلسه:
- تشرب ايه يا بطل ؟
- شاى ! شاى كشرى !
- شاى كشرى بنعناع كمان .
توجه الضابط إلى عامل البوفيه بالطلب الذى أراده ابراهيم ، ثم غاب عن الأنظار حيث دخل إلى مكتب مدير المطار و أعطى التمام إلى مدير المخابرات الحربية الجالس فى ضيافة مدير المطار الحربى ،قال له مديره:
- سنستنى شويه لحد ما تخلص الجنازة العسكرية !
- تمام يا افندم !
و غادر المكتب متوجهاً إلى حيث يجلس ابراهيم ، وجده واقفاً ينظر عبر الحائط الزجاجى للتوابيت الملفوفة بعلم مصر و التى يقوم الجنود المكلفون بوضعها أمام المدرج ،بادره الضابط روف بالقول: - بعد الجنازة العسكرية هيقابلك وزير الدفاع .
- دول جنود مصريين ماتوا بره ؟
- لا ! دول ماتوا فى سينا .
- فى سينا؟! الاسرائيليين هم اللى موتوهم ؟
- لا! اللى قتلوهم ارهابيين تابعين للاخوان المسلمين فى سينا.
- طول عمرهم خونة !
- البلد و انت غايب حصل فيها ثورة و الاخوان وصلوا الحكم .
بدت علامات التعجب و عدم التصديق على وجه ابراهيم :
- و طبعاً أول حاجة حبوا يعملوها إنهم يفككوا الجيش و يسلموا مقدراته للصهاينة اللى بيخدموهم؟
- ولا كأنك كنت معانا يا بطل ؟
- الكلام ده سمعتو بودانى من رئيس المركز الصهيونى العالمى للتجسس اللى دمرته ليهم من عشرين سنة.
- بس الحمد لله فيه ثورة تانية قامت واطاحت بحكم الاخوان.
-و التمن ؟
- التمن غالى قوى يا ابراهيم ، كل يوم بيموت من جنودنا واحد و اتنين وعشرة على أرض سينا .
- سينا ! المعركة كده لسه ما خلصتش ! قالها و هو يكز على أسنانه .
- طيب أنا ليا طلب !
- أمر يا بطل ! أى طلب أنفذه لك على طول !
- عاوز أشارك فى الجنازة .
- طبعا يا ابراهيم ! كلنا هنشارك .
خرج ابراهيم فى خطوات بطيئة بفعل الزمن و مليئة بالألم الذى نما فى صدره من جراء ما سمعه لتوه ، و شهد الجنازة العسكرية المهيبة التى حضرها رئيس الجمهورية و وزير الدفاع و رئيس مجلس الوزراء و أهالى الشهداء ، شعر ابراهيم بالمرارة الشديدة لرؤية صور الشهداء صغار السن المُعلقة فوق حوامل على الجانب الأيسر ، و مشهد الحزن المكتوم و الدموع المحتبسة فى أعين الأمهات و الآباء و الزوجات اللاتى ترملن و الأطفال الذين تيتموا ،تذكر عندها كيف قُتل ابنه محمد غيلة و غدراً فى تفجير إرهابى آثم وقع أمام مدرسة الصغير الذى كان فى انتظاره لحظتها ، فبات يدرك مدى غدر و نذالة الارهابيين و أنهم أبعد الناس عن الدين و الخلق ، و انتهت مراسم الجنازة و غادر المسئولون الكبار و الأهالى برفقة جثامين أولادهم الشهداء عائدين بها إلى قراهم التى خرجوا منها و ها هم يعودون فى توابيت صامتة ، التفت الضابط المرافق لابراهيم قائلاً :
- مقابلة وزير الدفاع اتأجلت لبكرة يا ابراهيم !
- الطيارة دى راجعة سينا ، مش كده ؟
- ايوه !
- طيب أنا هاطلع معاها .
- عاوز تروح سينا يا ابراهيم ؟
- لازم أروح هناك .
- ليه؟ علشان تحارب الارهابيين ؟ما احنا كلنا بنحاربهم ، وبعدين أنت مش عاوز تستريح ولا ايه ؟دا انت يا راجل قضيت عشرين سنة فى السجون الاسرائيلية ، ثم سنك دلوقتى....،
قاطعه ابراهيم بنظران حادة ألجمت الكلام على لسانه ثم قال :
- أنا عاوز أقول حاجة يمكن تكون عارفها و يمكن لأ، أنا فقدت أعز الناس ليا ،امى و ابنى و مراتى ، علشان ما عدليش حاجة أرجع لها، ثم أنا مش عاوز أروح سينا علشان أحارب لأنى عارف ان قوانين الجيش المصرى تمنعنى انى أرجع الخدمة فى السن دى .
- أُمال عاوز تروح تعمل ايه ؟
- أنا هانضف العنابر للجنود ، وأغسل لهم هدومهم و أكويها ، وأمسح لهم البيادات .
أطرق الضابط برأسه إلى الأرض فلم يدر بمخليته أن يسمع مثل هذه الكلمات التى هزت كيانه ،وأردف ابراهيم بالقول : صدقنى يا حضرة الظابط مش أنا لوحدى اللى نفسى أعمل كده ، لو سألت كل اللى شاركوا فى حرب تلاتة و سبعين هيقولوا نفس كلامى.
ما كان من ضابط المخابرات إلا أن وقف انتباه و أعطى التحية العسكرية لابراهيم الذى سار بدوره تجاه الطائرة التى أقلته من جديد إلى أرض المعركة . بعد استراحة لم تدوم لبضعة ساعات.
(استراحة مقاتل ) ل/ عمرو زين

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 51 مشاهدة
نشرت فى 24 مارس 2016 بواسطة hamsatelaklam

عدد زيارات الموقع

44,148