لأول مرة : البنات الصالحات -1-

سلسلة
البنات الصالحات
مُعَاذَةُ بنت عبد الله
المُعلّمة الصابرة
1- مع ربها
همة نفس
ـ عُرفت قبل زوجها بهمتها فى العبادة ومناجاة حبيبها ، امتلأت جفونها بحب مولاها ، فلم تر إلا إياه ، فاشتهرت بنت الإيمان , بالمناجاة والعبادة والتبتل .
ـ وهذا أمر طبيعى إذا عرفنا أنها تخرجت من مدرسة التقوى فأساتذتها أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها , وعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه , وهشام بن عمار رضى الله عنه , فقد روت عنهم ورأتهم جميعا ونهلت من معين علمهم الصافى .
ـ نشرت العلم وقامت بإعداد تلاميذ نجباء منهم : أبو قلابة الجرمى واسحاق بن سويد وأيوب السجتيانى ، وكانت ثقة فى الحديث يحتج بها , كما قال عنها يحيى بن معين : معاذة ثقة حجة .
ـ وبجانب العلم كان العمل ، فقد امتلأت الآفاق بشهرتها بقرآن الفجر الذى تشهده الملائكة ، وهكذا كانت حتى فى يوم زفافها .
2- مع زوجها
أغرب ليلة زواج
تجهز زوجها الشاب العابد القدوة التابعى الجليل صلة بن أشيم ، فى أجمل مظهر ، وفى بيت ملؤه العطور والطيب ، ولما صار الزوجان فى بيتهما ، ألقى صلة السلام على زوجته معاذة ، ثم قام يصلى ، وهى خلفه تصلى ، واستغرقا فى الصلاة حتى وافاهما الفجر ، ونسيا أنهما فى ليلة الزواج ، فكانت حقا أغرب ليالى الزواج .
وفى الصباح أتى أقاربهما قائلين لصلة : أهديت إليك ابنة عمك الليلة , فقمت تصلى وتركتها ؟
فقال صلة : دخلت بيتا ذكرنى بالنار , ثم دخلت بيتا ذكرنى بالجنة , فمازالت فكرتى فيهما حتى أصبحت .
3- مع بيتها
بيت العبادة
تقول الزوجة معاذة عن زوجها : كان يصلى ، حتى ما يستطيع أن يأتى فراشه إلا زحفًا , فما اشتطت بل كانت تباهي بذلك .
وكانت تحترم أصحابه وتخدمهم وتقول : كان صلة وأصحابة إذا التقوا عانق بعضهم بعضاً ، وفى هذا الجو من العبادة والمحبة ، ضرب بمعاذة المثل فى العبادة والطاعة .
4- مع نفسها
صالحة قانتة
يقول تعـالى : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } النساء :
34 ، والقانـتات هن الطائـعات ، وقـد امتثلت معاذة بتحقيق هذه الصفات فإذا جاء النهار قالت : هذا يومى الذى أموت فيه فما تنام , فتجعله خدمة لبيتها , وطاعة لربها فيما استرعاها عليه .
فإذا جاء الليل قالت : هذه ليلتى التى أموت فيها فلا تنام حتى تصبح , وكان زوجها يجتهد معها فى العبادة , حتى ضرب المثل بهما , يقول أبو السوار العدوى : هذا أبو الصهباء لا ينام ليله ولا يفطر نهاره ، وهذه امرأته معاذة لم ترفع رأسها إلى السماء أربعين عامًا .
5- مع جهادها
صبر وثبات
فى معركة سجستان بتركيا استشهد الزوج العابد صلة بن أشيم ، وولدها وفلذة كبدها ، فضربت المثل فى الصبر والاحتساب ، فلم تلطم وجهًا ولم تمزق ثوبًا وقالت للنساء حينما اجتمعن حولها :
( مرحبا بكن إن كنتن جئتين للهناء
وإن كنتن جئيتن لغير ذلك فارجعن )
ثم قالت بعد استشهاد زوجها وابنها لأخت من أخواتها :
( والله يا بنيه ما محبتى للبقاء فى الدنيا للذيد عيش ولا لروح نسيم , ولكن والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربى عز وجل بالوسائل ، لعله يجمع بينى وبين أبى الصهباء وابنه فى الجنة ) .
وظلت على عهدها فلم تتوسد فراشا , مخافة أن تنسى ما عاهدت عليه الله تعالى .
وهكذا الزوجة المجاهدة تدفع بزوجها وابنائها للجهاد والاستشهاد ، وتفرح بذلك وتتقبل التهانى , وتظل على عهدها حتى تلتقى بهم فى الجنة .
6- مع دعوتها
حكمة فريدة
من إخلاصها لربها وسيرها فى ركب المؤمنات الورعات ، ومن إقبالها على طاعة الله وعبادته بالليل والنهار ، أتاها الله الحكمة والبلاغة والفصاحة ، فكانت تدعو النساء إلى إحياء ليلهن مع ربهن قائلة :
( عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد فى ظلم القبور )
وكم كانت تحذر أخواتها من الدنيا وعدم الركون إليها والوقوع فى شباكها قائلة : ( يا بنية كونى من لقاء الله عز وجل على حذر ورجاء )
وقد لخصت حكمة عمرها لبنى جنسها فى قولها :
( صحبت الدنيا سبعين سنة فما رأيت فيها قرة عين قط )
7- مع لقاء ربها
بسمة الموت
وفى عام 83 هجرية وبعد عشرين عامًا من وفاة زوجها ، وكلها أمل فى أن يجمعها الله بزوجها وابنها فى الجنة ، كانت فى كل يوم تستعد للقاء الله عز وجل .
وحينما حضرها الموت بكت ثم ضحكت فقيل لها : مم البكاء ومم الضحك ؟
قالت : ( أما البكاء الذى رأيتم فإنى ذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر فكان البكاء لذلك ) .
( وأما التبسم والضحك , فإنى نظرت إلى أبى الصهباء , قد أقبل فى صحن الدار وعليه حلتان خضروان , وهو فى نفر , والله ما رأيت لهم فى الدنيا شبهاً , فضحكت إليه ولا أرانى بعد ذلك أدرك فرضا ) .
فكان ذلك وتوفيت قبل أن يدخل وقت الصلاة .
وأخيراً … تذكرى
ـ تحتاج البنت قبل الزواج إلى همة عالية فى العبادة والمناجاة ، ونهل العلم عن الثقات ، ونشره والعمل به لتقتدى بها أخواتها من البنات .
ـ احرصى أن تكون ليلة الزواج ليلة طاعة وعبادة بعد اختيارك لزوج صالح مقبل على الله ، فهذا هو الأساس .
ـ ايتها الزوجة : اجعلى من بيتك ، بيتا سعيدًا تشهده الملائكة بالصلاة والعبادة ، واستقبال الآخرين فى حب وصفاء وخاصة أصحاب زوجك .
ـ ادفعى بزوجك وابنائك للجهاد والعمل للإسلام مهما كانت التضحيات واصبرى واحتسبى المصائب فيهما .
ـ لا تهدئى عن دعوة غيرك من النساء برفق وعاطفة ، وصليهم بمحبة الله ، والإعراض عن الدنيا ومغرياتها .
ـ اجتهدى فى الاستعداد الدائم للقاء الله عزوجل وأسأليه أن يلحقك بزوجك وأولادك فى الجنة ، فهذا هو الفوز العظيم .
همسة معاذة
هذه اختاه الحنون هى صفتى ( معلمة الرجال ) :
فالإسلام حث على العلم والتفوق لا فرق بين رجل وامرأة ، بل طلب نشره وتعليم الأجيال ، ولم يمنع أن تتقلد المرأة ارفع مناصب العلم والأستاذية ، فلماذا نضيق واسعًا ، وانطلاقًا من هذه الفهم اجتهدى أيتها الحبيبة فى تحصيل العلم ونشره والأستاذية والتخصص , وليكن لك تلاميذ نجباء نساء ورجال .
جمال ماضي


ساحة النقاش